ابني القاسي ج١ علي ابو الدهب

كنت قاعدة على الأرض في المطبخ، بدعك البلاط بإيدي وركبي، وفجأة حسيت بوزن تقيل على صوابع إيدي. كان ابني “خالد” دايس عليها بجزمته التقيلة وهو ماشي، ولا كأنه شايفني.

“خلي بالك إنتي ماشية على إيه يا حاجة!” قالها بسخرية، وسمعت ضحكة مراته “ميرفت” جايالي من الصالة.

سحبت إيدي اللي اتورمت وبدأت تزرّق ببطء، وقمت وقفت وأنا هادية جداً. مديت إيدي على البوتجاز، وأخدت طاسة القلي الحديد التقيلة. مشيت من جنبهم من غير ولا كلمة، وطلعت بره على الطرقة، ومنها على قدام البيت، مباشرة ناحية العربية “السبور” اللي بيعتز بيها أكتر من روحه.

صوت تكسير القزاز دوّى في الشارع كله قبل ما يلحق يفتح بقه ويصرخ.

لحظة واحدة، الحي كله اتجمد، وأنا واقفة جنب عربيته الزرقاء الغالية، وماسكة الطاسة في إيدي زي ما يكون مطرقة قاضي أصدرت حكمها.

من خمس دقايق بس، كنت على الأرض بدعك بقعة مرقة ناشفة، وخالد ومراته ميرفت واقفين بيتفرجوا عليا كأني حتة عفار في الأرض مش عارفين يخلصوا منها.

خالد قال بصوت عالي: “لسه فيه بقعة هنا يا أمي، ما نظفتيهاش.”

خالد عنده 42 سنة، عريض المنكبين، وساعته الغالية بتلمع تحت نور المطبخ. ابني.. ضنايا الوحيد. الولد اللي شيلته في مرضه وجوعه، وسهرت جنبه سنين بعد ما أبوه مات. الولد اللي أنقذت شغله من الإفلاس مرتين من غير حتى ما أستنى منه كلمة شكر.

فضلت أدعك في الأرض.

ميرفت كانت ساندة على الحيطة، وماسكة كاس العصير في إيدها، وبصت لخالد وقالت: “سيبها، هي بتحب تحس إنها ليها لزمة.. خليها تتسلى.”

خالد ضحك، وبعدين قرب مني، وداس بجزمته على صوابع إيدي بقوة.

ما كانتش صدفة. دي حركة مقصودة 100%.

الألم ضرب في دراعي زي النار. اتنهدت ووشي قرب من الأرض المبلولة، وهو قال بسخرية: “خلي بالك إنتي ماشية على إيه يا ست الكل.”

وميرفت ضحكت.

في اللحظة دي، حاجة جوايا سكتت تماماً.

سحبت إيدي من تحت جزمتُه. مفاصل صوابعي كانت بتصرخ والألوان بدأت تظهر عليها. خالد كان مستني يشوف دموعي، وميرفت كانت مستنية أترجى فيهم. كانوا متعودين على ضعفي طول الشهور اللي فاتت، من ساعة ما نقلوا في بيتي “مؤقتاً”، وغيروا كالون المكتب، وبدأوا يخبوا جواباتي، ويقولوا للناس إن ذاكرتي بقت “خرفة” كل ما أسأل عن حساباتي البنكية.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *