البث المباشر ج2
في آخر الشتاء، وصلتني دعوة غريبة.
مغلف أبيض بسيط، من غير شعار ولا تفاصيل كتير.
جواه كارت صغير:
“ندعوكِ لحضور افتتاح مطعمنا الجديد.”
وفي آخر السطر: مايكل هاريس.
فضلت أبص للاسم شوية.
أخو دانيال.
ما رديتش أيام.
لكن في النهاية… روحت.
مش عشانه.
عشاني أنا.
المطعم كان صغير ودافي، بعيد تمامًا عن الفخامة الباردة اللي كانت عيلتهم مهووسة بيها.
ريحة خبز طازة وموسيقى هادية.
ولما دخلت، مايكل وقف فورًا.
كان متوتر جدًا، كأنه خايف وجودي يكسر المكان.
قال بسرعة: “لو وجودي مضايقك ممكن أمشي—”
قاطعتُه بهدوء: “اقعد.”
قعدنا في صمت ثواني.
ثم قال: “أنا سيبت الشركة.”
استغربت. “ليه؟”
ضحك ضحكة قصيرة حزينة. “اكتشفت إننا كنا بنبني حياتنا كلها على فكرة إن القوة معناها السيطرة.”
بص حواليه للمطعم. “فحبيت أبني حاجة ما تخوفش حد.”
الكلام لمسني رغمًا عني.
مايكل كان دايمًا أهدى واحد فيهم.
أضعف؟ يمكن.
لكن أحيانًا الناس الهادية هي أول ناس تشوف الخراب.
قال بعد تردد: “دانيال بعتلي جواب ليكي.”
جسمي شد فورًا.
طلع ظرف من جيبه وحطه على الترابيزة.
ما لمستوش.
قلت: “ليه ما رميتوش؟”
قال بصراحة: “لأن القرار لازم يبقى ليكي.”
بصيت للظرف طويل.
مجرد اسمه كان كفاية يرجّع وجع قديم في صدري.
لكن الغريب…
إني ما كنتش خايفة.
بس متعبة.
في الآخر فتحته.
الخط كان مرتب جدًا، كعادته.
“كلارا،
عارف إنك مش هتسامحيني…”
وقفت عند الجملة دي لحظة.
ثم كملت.
مافيش تبريرات. مافيش لوم. بس اعترافات متأخرة جدًا.
كتب إنه لأول مرة في حياته اتجبر يقعد لوحده من غير ناس يخافوا منه أو يبرروا له.
وإنه قضى شهور يحاول يفهم إمتى اتحول لشخص يشوف ألم حد ويحس إنه “حقه”.
آخر سطر كان:
“أنا ما كنتش بحبك.
أنا كنت بحب إحساسي إني أملكك.
والفرق بينهم دمرنا إحنا الاتنين.”
قريت الجملة مرتين.
ثم قفلت الجواب بهدوء.
مافيش راحة سحرية حصلت.
بس كان فيه شيء اتقفل أخيرًا.
مايكل سأل بحذر: “تحبي تحتفظي بيه؟”
بصيت للورقة.
ثم هزيت راسي بالنفي.
ناولتهاله.
وقلت: “أنا مش محتاجة أحمل صوته معايا بعد دلوقتي.”
ابتسامة صغيرة ارتاحت على وشه.
ولما خرجت من المطعم بعدها، الهواء البارد ضرب وشي.
رفعت عيني للسما.
وفجأة أدركت حاجة بسيطة جدًا…
أنا بقالي فترة طويلة ما فكرتش فيه كل يوم.
الاسم اللي كان زمان يملأ حياتي كلها…
بقى مجرد ذكرى بعيدة.
ودي كانت الحرية الحقيقية.