البث المباشر ج1

اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى، الدنيا كانت مقلوبة برّه.
صحفيين عند الباب. كاميرات. ناس ماسكة موبايلاتها مستنية “اللقطة”.
المحامية حاولت تخرجني من باب جانبي، لكن حتى هناك كان فيه اتنين مستنيين.
واحد منهم صرخ: “كلارا! هل تعرضتِ للعنف قبل كده؟”
السؤال جمدني مكاني.
مش لأنه جديد…
لكن لأن الإجابة كانت عمر كامل.
إيلين شدتني بسرعة ناحية العربية. “ما ترديش.”
ركبت وسندت راسي على الكرسي، وأنا ببص من الشباك للمدينة وهي بتجري حواليا.
كل حاجة اتغيرت.
وفي نفس الوقت… ولا حاجة اتغيرت.
الناس لسه بتحب الفرجة.
بس المرة دي، أنا ما كنتش محبوسة جوا بيت ساكت.
وصلنا لشقة مؤقتة وفرتها الشركة.
دور عالي. هوا كتير. وريحة دهان جديد.
أول ما الباب اتقفل وفضلت لوحدي…
الهدوء ضربني بقوة.
مافيش صوت تلفزيون عالي. مافيش خطوات دانيال في الممر. مافيش باتريشيا بتناديني من آخر البيت كأني خدامة.
المفروض أحس بالراحة.
لكن اللي حسّيته كان فراغ مرعب.
لأن الخوف لما يعيش جواك سنين… بيبقى جزء من الروتين.
وفي أول ليلة، صحيت مفزوعة الساعة ٣ الفجر.
متأكدة إني سمعت صوته.
قلبي كان بيدق بجنون وأنا بلف في الشقة الفاضية.
لكن ماحدش كان هناك.
وقفت في المطبخ أتنفس بالعافية.
وبعدين فجأة…
بدأت أضحك.
ضحك متقطع ومتعب.
لأن أول مرة في حياتي، المطبخ ماكانش مكان خطر.
بعد أسبوع، الشرطة طلبت شهادتي الرسمية.
قعدت في غرفة باردة، قدام محقق هادي بيسألني أسئلة دقيقة جدًا.
“هل دي أول مرة يعتدي فيها عليكِ؟”
بصيت لإيدي الملفوفة.
وقلت: “لا.”
الكلمة طلعت تقيلة.
وبعدها… كل حاجة خرجت.
الزق. التهديد. العزل. إزاي كانوا يفتشوا موبايلاتي. إزاي باتريشيا كانت تقنعني إن مافيش حد هيصدقني. إزاي دانيال كان يعتذر بعد كل مرة بهدية غالية.
المحقق ما قاطعنيش.
بس كان بيكتب.
ولكل جملة كنت بقولها…
كنت أحس إني برجّع قطعة من نفسي.
بعد الجلسة، وأنا خارجة، سمعت صوت كعب عالي مألوف.
باتريشيا.
كانت واقفة آخر الممر، لابسة أسود بالكامل ونظارتها الكبيرة.
أول ما شافتني، مشت ناحيتي بسرعة.
الحارس حاول يمنعها، لكنها قالت: “دقيقة واحدة بس.”
وقفت قدامي.
لأول مرة… ماكانتش متكبرة.
كانت مذعورة.
قالت بصوت واطي: “إنتِ فاهمة إنك دمرتي ابني؟”
بصيتلها طويل.
وبعدين سألت بهدوء: “وهو كان بيعمل إيه فيا؟”
اتفتحت بقها… واتقفلت.
ما لقتش إجابة.
لكنها همست بعدها: “إحنا كنا عيلة.”
ضحكت ضحكة خفيفة مستحيل أتحكم فيها.
“العيلة ما بتتفرجش على بنت بتتحرق وهي بتشرب نبيذ.”
وشها اتشد كأني ضربتها.
لفّيت أمشي.
لكنها نادتني للمرة الأخيرة: “دانيال بيحبك.”
وقفت ثانيتين.
من غير ما أبصلها قلت: “الحب اللي يخليك تخاف… مش حب.”
وسبتها واقفة لوحدها في الممر الطويل.
لأول مرة…
أنا اللي بمشي.
وهم اللي بيتسابوا ورايا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *