البث المباشر ج1
المحاكمة بدأت بعد أربع شهور.
وأنا كنت مرعوبة.
مش من دانيال.
من القاعة.
من العيون.
من فكرة إن أسوأ لحظات حياتي هتبقى ملف مفتوح قدام ناس غريبة.
إيلين حاولت تجهزني: “محامي الدفاع هيحاول يكسرك.”
هزيت راسي.
كنت عارفة.
الرجالة زي دانيال ما بيقولوش: “آه، أنا كنت وحش.”
بيقولوا: “هي خلتني أعمل كده.”
وده بالضبط اللي حصل.
محاميه وقف قدامي في المحكمة وسأل بنبرة ناعمة مقصودة: “السيدة كلارا… هل صحيح إنك ركبتِ كاميرا سرية بدون علم زوجك؟”
“آه.”
“وهل صحيح إنك أرسلتِ البث عمدًا لمجلس الإدارة؟”
“آه.”
ابتسامة صغيرة طلعت على وشه. النوع اللي بيقول: مسكناها.
قال: “إذن ما حدث كان مخططًا له.”
إيلين قامت فورًا: “اعتراض.”
لكن القاضي سمح بالإجابة.
القاعة كلها كانت مستنية.
بصيت للمحامي.
وبعدين قلت بهدوء: “النجاة أحيانًا تحتاج تخطيط.”
الصمت نزل ثقيل.
كملت: “أنا ما خططتش إنه يحرق إيدي.”
بصيت ناحية دانيال لأول مرة من بداية الجلسة.
كان لابس بدلة رمادي غامق، وشكله مرتب كأنه رايح اجتماع مهم.
لكن عينيه…
عينيه كانت مليانة غضب لأنه للمرة الأولى ما يقدرش يتحكم في الرواية.
قلت: “أنا خططت إني لو عملها تاني… أعيش.”
ولا حد اتحرك في القاعة.
حتى المحامي سكت ثانية.
بعدها عرضوا الفيديو.
مرة تانية.
الصوت والصورة أوضح من أي شهادة.
دانيال وهو يضغط على إيدي. باتريشيا وهي تضحك. حمايا وهو يعلي صوت التلفزيون.
وفي نص العرض، واحدة من هيئة المحلفين غطت بقها بإيدها.
أما دانيال…
فكان باصص للأرض.
بعد أسبوعين، الحكم صدر.
إدانة.
اعتداء جسيم. عنف منزلي موثق. وإساءة متكررة.
باتريشيا ما اتحبستش، لكن سمعتها اتحولت لرماد.
أما دانيال…
فاتساق من القاعة مكبل.
وهو خارج، لفّ ناحيتي للحظة.
كنت مستنية الكراهية.
أو التهديد.
لكن اللي شفته كان أخطر:
الفراغ.
كأنه لسه مقتنع إن كل ده “مبالغة”.
وده خلاني أفهم إن بعض الناس ما بيتغيروش فعلًا.
بعد المحاكمة، الصحافة فضلت تطاردني شهور.
لكن تدريجيًا، الضوضاء خفت.
والهدوء رجع.
الهدوء الحقيقي.
مش الهدوء اللي يسبق الانفجار.
وفي يوم مطر، كنت قاعدة في شقتي الجديدة، أطبخ لنفسي لأول مرة من غير خوف.
قطعة لحم كانت على الطاسة.
ولما قربت منها النار فجأة…
جسمي كله اتجمد.
إيدي بدأت ترتعش.
النفس اتقطع.
الذاكرة رجعت كاملة.
وقفت بعيد بسرعة، ودموعي نزلت رغصب عني.
وفي اللحظة دي بالذات…
فهمت إن النجاة من شخص، أسهل بكتير من النجاة من الأثر اللي سابه جواك.
لكن بدل ما أطفي البوتاجاز وأهرب…
رجعت ببطء.
مسكت الطاسة.
وقلبت اللحمة بهدوء.
ولا حد صرخ فيا.
ولا حد مسك إيدي.
ولا حد عاقبني.
وقفت أبص للمشهد الصغير ده، وحسّيت بحاجة دافية غريبة بتتمدد جوا صدري.
حرية.
بسيطة جدًا…
لكنها حقيقية.