الحليب الى بيختفي كل ليله
قبل شهر، جبت بنتي للدنيا… واكتشفت إن زوجي كل ليلة كان ياخذ حليب صدري بالسر ويروح فيه لبيت أمه. لحقته بهدوء… واللي شفته خلّى رجولي ما تشيلني.
يوم ولدت أول بنت لي، حسّيت إن حياتي أخيراً اكتملت. كنت أطالع وجهها الصغير وأقول في قلبي: خلاص، هذا هو النعيم اللي كنت أنتظره. في أول شهر بعد الولادة، زوجي أرجون كان حنون بطريقة تخليني أستغرب وأمتن بنفس الوقت. يطلع الدوام بدري، ويرجع بسرعة قبل المغرب، يساعدني بالمطبخ، يرتب الرضّاعات، وحتى بنص الليل يقوم قبل لا أتحرك، يقول لي: نامي إنتِ، أنا أجهز لها الحليب.
كنت أشوفه وهو شايل بنتنا بين يديه، يهزها بهدوء ويطبطب على ظهرها لين تنام، وعيوني تدمع من الفرح. قلت في نفسي: يمكن التعب كله يهون دام عندي رجال واقف معي.
بس بعد الأسبوع الثالث، صار في شي غريب.
كل ليلة تقريباً، بين الساعة ثنتين وثلاث الفجر، أرجون يقوم من السرير بهدوء، يمشي على أطراف أصابعه، يفتح الثلاجة، وياخذ أكياس من حليبي اللي كنت أشفطه وأكتب عليها التاريخ والوقت. بالبداية قلت يمكن يبي يسخن رضعة لبنتنا. بس لما ركزت أكثر، انتبهت إن الرضاعة اللي بيده مو رايحة لغرفتها… وإنه يحط الأكياس في كيس صغير ويطلع من البيت.
كنت أرضّع وأشفط بانتظام، ومع هذا الكمية في الثلاجة تنقص بشكل ما له تفسير. كل كيس كنت حاطته بحرص، اختفى كأنه ما كان. قلبي بدأ ينقبض. ليه ياخذ الحليب؟ لمين؟ وش الشي اللي يخليه يطلع بهالوقت وكأنه مسوي جريمة؟
قعدت كم ليلة ما أنام. أسمع تنفس بنتي، وأسمع صوت باب الثلاجة، وأحس إن في سر يمشي في بيتي وأنا آخر من يدري.
في يوم حاولت أتصرف طبيعي وسألته وأنا أرتب المطبخ: أرجون… الحليب اللي خزنته أمس وين راح؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، بس عيونه هربت مني وقال: يمكن بالغلط رميته… والله ما انتبهت.
ما صدقته. الأم تحس. وقلبي كان يصارخ إن في شي مو طبيعي.
في الليلة اللي بعدها، تظاهرت إني نايمة. غمضت عيوني، بس كنت أراقبه من تحت الغطا. بالضبط مثل ما توقعت. قام بهدوء، فتح الثلاجة، طلع أكثر من كيس مكتوب عليها التاريخ والساعة، حطها في شنطة صغيرة، وبعدين فتح الباب بحذر كأنه يخاف يوقظنا.
الغضب والخوف اشتعلوا في صدري. بس ما واجهته. قررت ألحقه.
لفّيت شالي الخفيف علي، وتركت بنتي ذات الشهر عند أمي لأنها كانت جالسة عندنا كم يوم تساعدني. طلعت وراه بهدوء. الشارع كان فاضي، ما فيه غير نور اللمبات الصفراء وصوت خطواته المستعجلة. كان يمشي ورأسه نازل، وأنا وراه من بعيد، وقلبي يدق كأنه بينفضح قبل أوصل للحقيقة.