جوزي اتعمد يزق إيدي على البوتاجاز وهو مولع عشان حتة اللحمة "استوت زيادة عن اللزوم". وأنا بقع على الأرض من كتر الوجع، حماتي عدت من فوقي عادي جداً عشان تجيب قزازة الودك، وقالت وهي بتضحك: "لازم تتعلم مكانتها فين". وحمايا كل اللي عمله إنه على صوت التلفزيون. كانوا فاكرينني بمد إيدي تحت رخامة المطبخ عشان أجيب بلاستر جروح.. مايعرفوش إنني كنت بفتح البث المباشر بتاع كاميرا المراقبة المستخبية للعلن—وببعت اللينك علطول لمجلس إدارة الشركة بتاعته كلهم. ريحة اللحم المحروق وصلتلي قبل الوجع نفسه. لثانية واحدة مستحيلة، افتكرت حتة اللحمة وقعت تاني على العين—بعدها شفت إيد جوزي وهي مكلبشة حوالين معصم إيدي. دانيال هسس في ودني وهو بيضغط أكتر: "ميديوم رير (نص سوا)، كام مرة لازم أشرحلك حاجات بسيطة زي دي؟" صريخي هز المطبخ كله. البوتاجاز الزهر كان بيولع تحت كف إيدي. السخونية ضربت في ذراعي زي البرق، قاسية وعنيفة. ركبي خانتني. الأطباق اتفشكت تحت رجلي، واللحمة نزلت ميتها على البلاط الرخام. دانيال مسبنيش إلا لما وقعت على الأرض. الناحية التانية من الرخامة، حماتي "باتريشيا" مكنتش مصدومة ولا حتى اتزت. ولا فكرت تتحرك عشان تساعدني. عدت من فوق جسمي اللي بيرتعش وهي لابسة كعبها الدهبي ومدت إيدها تجيب قزازة النبيت. وقالت وهي بتملى كاسها وبتضحك: "لازم تتعلم مكانتها فين". في الريسبشن، حمايا "ريتشارد" رفع الريموت وعلا صوت التلفزيون أكتر. صوت مذيع الأخبار غطى على شهقات عياطي. دانيال قعد القرفصاء جنبي، وهو بيتبسم زي واحد بيتصور صورة عائلية. "بصيلي يا كلارا." أجبرت عيني تبص لفوق. قال بصوت واطي: "هتقولي للناس كلها إنه كان حادثة. إنتي اتقدمتي. إنتي ملوخة. طول عمرك كده." إيدي كانت بتنقح على صدري. الجلد كان خلاص احمر وطلع فيه فاقيع. الدموع زغللت عيني وأنا باصة على الدواليـب الملمعة، النجفة، والمطبخ الغالي اللي كان مطلوب مني أنظفه بعد كل عزومة عشا بتعملها باتريشيا للناس اللي هي بتكرههم أصلاً. دانيال أمرني: "قوليها." صوتي اتشرخ: "ده كان..." باتريشيا أخدت بؤ من النبيت وقالت: "حاجة تقرف". وطيت راسي، وسبت شعري يغطي وشي. خليهم يشوفوا زوجة بترتعش. خليهم يفتكروا إن ست سنين من الإهانات، التهديدات، والعلامات الزرقا المستخبية بذكاء خلتني صغيرة ومكسورة. عمرهم ما سألوا أنا ليه اخترت البيت ده بالذات. عمرهم ما استغربوا أنا ليه صممت إن رخامة المطبخ تتعمل عمولة بشكل معين. عمرهم ما خدوا بالهم من العدسة السودا الصغيرة المستخبية تحت الحرف، وموجهة بالظبط على البوتاجاز. إيدي السليمة زحفت على الأرض، عدت من جنب الفخار المكسور، وتحت الرخامة. دانيال ضحك وقال: "بتعملي إيه؟ بتمدي إيدك تجيبي بلاستر؟" همست: "آه". بس صوابعي لقت الزرار المستخبي تحت الخشب. مبقاش بلاستر. ده لوحة تحكم بالبث. وفي الوقت اللي باتريشيا كانت بترفع فيه كاسها عشان تترق عليا تاني، كاميرا المراقبة المستخبية بقت لايف وبتبث مباشر... ...مباشر على جروب خاص جدًا. جروب اسمه: Board Emergency Access أربع عشر شخص. كلهم أعضاء مجلس إدارة شركة "هاريسون بايوتيك". الشركة اللي دانيال بيجهز نفسه يستلم منصب المدير التنفيذي فيها بعد شهر. في أول ثواني، ماحدش فهم إيه اللي بيتعرض. الكاميرا كانت مثبتة منخفض، بتجيب نص المطبخ: البوتاجاز، البلاط المكسور، وأنا مرمية على الأرض. لكن الصوت… الصوت كان واضح جدًا. باتريشيا قالت وهي بتضحك: "يمكن الحرق يعلمها تطبخ أخيرًا." دانيال رد ببرود: "لازم تتربى." وبعدين قرب مني تاني. حذاؤه الإيطالي وقف جنب وشي مباشرة. قال بصوت هادي: "لو حد سأل… وقعتي لوحدك." إيدي المحروقة كانت بترتعش بعنف، لكن جوايا كان فيه هدوء مرعب. لأن أخيرًا… أخيرًا هم بيتصرفوا بطبيعتهم قدام ناس مش هيعرفوا يسيطروا عليهم. في مقر الشركة، على بعد عشرين دقيقة، كان اجتماع العشاء السنوي للمجلس شغال. الشاشات الكبيرة اللي مخصصة للعروض التقديمية قطعت فجأة. واشتغل البث. في البداية، المدير المالي افتكرها مشكلة تقنية. لكن بعد أول صرخة مني… القاعة كلها سكتت. عضو مجلس الإدارة "مارغريت ويلز" قامت واقفة فورًا. وقالت: "إيه ده؟!" أما "فيكتور شان"، أقدم مستثمر في الشركة، فمال لقدام ببطء وهو مركز في الشاشة كأنه مش مصدق. في المطبخ… أنا كنت لسه على الأرض. باتريشيا بصتلي باشمئزاز: "قومي نضفي اللي وقع." ضحكت جوايا. مش لأن الموقف مضحك. لكن لأنهم لسه فاكرين إنهم متحكمين في المشهد. دانيال مد إيده يشدني من ذراعي المحروقة. الألم ضربني لدرجة إن نفسي اتقطع. وهنا بالضبط… رن موبايله. بص للشاشة بضيق. اسم المتصل خلا وشه يتغير فورًا. Victor Shan رد بسرعة، ونبرة صوته اتحولت فورًا لصوت المدير المهذب: "سيد شان، أنا آسف، أنا في—" الصوت اللي خرج من السماعة كان عالي لدرجة إننا سمعناه كلنا. "إنت مريض؟" الصمت نزل على المطبخ كله. دانيال رمش بسرعة. "أفندم؟" فيكتور صرخ: "إحنا بنتفرج عليك دلوقتي!" باتريشيا نزلت الكاس من إيدها ببطء. حمايا وطى صوت التلفزيون أخيرًا. ودانيال… لف بعينه ناحية الرخامة. ناحية العدسة الصغيرة السودا. ولأول مرة من ساعة ما عرفته… شفت الخوف الحقيقي في وشه. مشى ناحيتها بسرعة. لكن فات الأوان. البث كان شغال بالفعل. والأسوأ؟ كان بيتسجل تلقائي على سيرفرات الشركة. باتريشيا همست: "كلارا… إنتِ عملتي إيه؟" رفعت وشي ببطء. الدموع كانت لسه على خدي، وإيدي بتحرقني بشكل لا يوصف… لكن ابتسامتي كانت ثابتة. وقلت بهدوء: "العيلة بتحب العروض المباشرة، صح؟" دانيال شد الكاميرا بعنف من مكانها. لكن الشاشة ما طفتش. لأن النسخة الأساسية كانت بالفعل وصلت لكل إيميلات المجلس، والمحامين، وإدارة الموارد البشرية. فيكتور كان لسه على الخط، وصوته مليان غضب بارد: "دانيال… انتهيت." حمايا أخيرًا اتحرك من مكانه. "خلينا نتفاهم بعقل—" لكن صوت تاني دخل على المكالمة. صوت ست. هادئ… ورسمي. "شرطة المقاطعة في الطريق بالفعل." باتريشيا شهقت: "شرطة؟!" وأنا؟ ضحكت لأول مرة من ست سنين. ضحكة صغيرة… متعبة… لكنها حقيقية. لأنهم أخيرًا فهموا الحقيقة اللي عمري ما قدرت أقولها بصوت عالي: أنا ما كنتش ضعيفة. أنا كنت بصبر… وبس. دانيال جرى ناحيتي. مش عشان يساعدني. عشان ياخد الموبايل. إيده شدت شعري بعنف وهو بيصرخ: "قفلي البث! اقفليه حالًا!" الألم لسع فروة راسي، لكني كنت متوقعة الحركة دي. لأن دانيال طول عمره لما يخاف… يعنف أكتر. قبل ما يلمس الموبايل، صوت فيكتور خرج من السماعة تاني: "كل حاجة بتتسجل يا ابن المجنون." دانيال ثبت مكانه. كأنه اتضرب. باتريشيا بدأت تتحرك بسرعة هستيرية حوالين المطبخ: "لا لا… لازم نفهمهم! دي عندها مشاكل نفسية! هي مؤذية!" ضحكت مرة قصيرة من وسط وجعي. نفس الجملة. دايمًا نفس الجملة. أي ست ما تسكتش تبقى مجنونة. أي ضحية تتكلم تبقى مختلة. لكن المرة دي… ماكانش فيه مونتاج يخبوا وراه. الكاميرا جابت كل شيء: إيده وهي تضغط على معصمي. صوتي وأنا بصرخ. ضحكتها وهي بتشرب النبيذ. كل تفصيلة بشعة. حمايا قرب من دانيال بسرعة وهمس بعصبية: "امسح التسجيلات!" قلت وأنا لسه على الأرض: "مستحيل." بصلي. ابتسمت رغم رعشة جسمي: "اترفعت على خمس سيرفرات." الصمت اللي نزل بعدها كان جميلاً بشكل مخيف. دانيال بدأ يتنفس بسرعة. أول مرة أشوفه مش عارف يسيطر على الموقف. وفجأة… جرس الباب رن. حد بعنف. مرة. واتنين. وتلاتة. باتريشيا شهقت: "يا نهار أسود." صوت قوي جه من بره: "شرطة! افتحوا الباب!" دانيال لف ناحيتي، وعينيه كانت مليانة كراهية خام. الكراهية اللي كانت دايمًا مستخبية تحت البدلات الغالية والابتسامات العملية. قال بصوت واطي مرعب: "إنتِ دمرتي حياتي." بصيتله وأنا حاضنة إيدي المحروقة. وقلت بهدوء: "لا." بلعت ريقي بصعوبة. "إنت اللي عملت كده بنفسك." الباب اتفتح بعنف بعدها بثواني. رجالة الشرطة دخلوا بسرعة، وراهم اتنين إسعاف. كل حاجة اتحولت لفوضى. أسئلة. أوامر. أصوات أجهزة لاسلكي. باتريشيا بدأت تعيط فورًا وتلعب دور الأم المصدومة: "هي وقعت لوحدها! ابني حاول يساعدها!" لكن الضابط كان بالفعل باصص على الآثار في إيدي… وعلى البث المفتوح على شاشة التابلت اللي واحد من رجال الشرطة ماسكه. قال ببرود: "وفّروا الكلام للمحامي." دانيال حاول يقرب مني: "كلارا، اسمعيني—" الضابط شده لورا فورًا. وأنا لأول مرة من سنين… ما تراجعتش لما قرب. المسعفة ركعت جنبي بلطف. "نحتاج ننقلِك المستشفى." هزيت راسي ببطء. وهم بيقوموني، عيني راحت ناحية المراية الكبيرة المعلقة في الصالون. شفت نفسي فيها: شعري منكوش. وشي باهت من العياط. إيدي ملفوفة بفوطة مطبخ محروقة. لكن عيني… عيني ما كانتش مكسورة. دانيال كان بيصرخ في الخلفية: "دي كذابة! دي خططت لكل حاجة!" ولأول مرة… ماكانش حد مصدقه. المستشفى كانت هادية بشكل غريب. بعد كل الصريخ والفوضى، صوت الأجهزة الطبية الخافت حسّاني كأني دخلت عالم تاني. الدكتورة كانت بتلف الشاش على إيدي بحذر وهي تقول: "الحرق من الدرجة التانية… هياخد وقت." هزيت راسي من غير كلام. الوجع كان فظيع. لكن اللي كان بيحصل جوايا أكبر من أي ألم جسدي. ست سنين. ست سنين وأنا أعيش في البيت ده وأنا أقنع نفسي إن الصبر أمان. إن السكوت هيهديهم. إن لو بقيت أهدى… أذكى… أطيع… يمكن العنف يقف. بس الحقيقة؟ العنف عمره ما بيشبع. باب الأوضة خبط بخفة. دخلت محامية. ست في أواخر الأربعينات، بدلة كحلي ونظرة حادة. قدمتلي كارتها: "اسمي إيلين. مجلس الإدارة بعتني." ضحكت بمرارة. "سريعين." قالت ببرود عملي: "اللي حصل الليلة دي مش فضيحة عائلية بس. دي قضية جنائية وكارثة للشركة." حطت تابلت قدامي. الأرقام كانت بتتحرك بجنون. أسهم الشركة بتنزل. الصحافة انفجرت. والبث متسرب في كل مكان. قالت: "دانيال تم إيقافه رسميًا من أي منصب تنفيذي من ساعة." سكتت ثانية. "وفيه أعضاء مجلس إدارة عايزين يرفعوا دعوى ضده شخصيًا." ما حسّيتش بالشمتة اللي توقعتها. بس تعب. تعب عميق جدًا. سألتها: "وهو؟" إيلين قفلت التابلت. "اتقبض عليه." النفس خرج مني ببطء. مش راحة. أقرب للذهول. لأن جزء جوايا كان دايمًا مقتنع إنه هيفلت. الرجالة زي دانيال دايمًا بيفلتوا. فلوس. نفوذ. صورة مثالية. لكن المرة دي… هو بنفسه سلّمهم الدليل. قبل ما تمشي، إيلين وقفت عند الباب وقالت: "على فكرة…" بصيتلها. قالت بنبرة أخف: "اللي عملتيه الليلة دي أنقذك." أول ما الباب اتقفل، بصيت لإيدي الملفوفة بالشاش. والذاكرة ضربتني فجأة: أول مرة زقني فيها. أول مرة اعتذر بعدها بورود. أول مرة قال: "إنتِ بس بتطلعيني عن شعوري." الجملة اللي بتيجي قبل كل ضربة. وفهمت حاجة مرعبة… إني لو ما كنتش ركبت الكاميرا… كان ممكن أكون أنا اللي أعتذر دلوقتي. أنا اللي أقنع نفسي إنه “ما يقصدش”. أنا اللي أخبي الحرق بالمكياج والكم الطويل. دموعي نزلت بصمت. مش ضعف. حداد. على النسخة القديمة مني. البنت اللي فضلت سنين تحاول تستحق الرحمة من ناس ما عندهمش رحمة أصلًا. وفجأة… موبايل المستشفى رن. الممرضة ردت، وبعدين بصتلي باستغراب: "في واحدة اسمها باتريشيا مصممة تكلمِك." ضحكت ضحكة صغيرة متعبة. حتى دلوقتي. حتى بعد الشرطة. حتى بعد البث. لسه فاكرة إن لها حق الوصول ليا. قلت للممرضة: "قوليلها…" سكت ثواني. وبعدين لأول مرة في حياتي، قلت الجملة دي من غير خوف: "قوليلها إنها ما تقدرش تأمرني تاني." اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى، الدنيا كانت مقلوبة برّه. صحفيين عند الباب. كاميرات. ناس ماسكة موبايلاتها مستنية “اللقطة”. المحامية حاولت تخرجني من باب جانبي، لكن حتى هناك كان فيه اتنين مستنيين. واحد منهم صرخ: "كلارا! هل تعرضتِ للعنف قبل كده؟" السؤال جمدني مكاني. مش لأنه جديد… لكن لأن الإجابة كانت عمر كامل. إيلين شدتني بسرعة ناحية العربية. "ما ترديش." ركبت وسندت راسي على الكرسي، وأنا ببص من الشباك للمدينة وهي بتجري حواليا. كل حاجة اتغيرت. وفي نفس الوقت… ولا حاجة اتغيرت. الناس لسه بتحب الفرجة. بس المرة دي، أنا ما كنتش محبوسة جوا بيت ساكت. وصلنا لشقة مؤقتة وفرتها الشركة. دور عالي. هوا كتير. وريحة دهان جديد. أول ما الباب اتقفل وفضلت لوحدي… الهدوء ضربني بقوة. مافيش صوت تلفزيون عالي. مافيش خطوات دانيال في الممر. مافيش باتريشيا بتناديني من آخر البيت كأني خدامة. المفروض أحس بالراحة. لكن اللي حسّيته كان فراغ مرعب. لأن الخوف لما يعيش جواك سنين… بيبقى جزء من الروتين. وفي أول ليلة، صحيت مفزوعة الساعة ٣ الفجر. متأكدة إني سمعت صوته. قلبي كان بيدق بجنون وأنا بلف في الشقة الفاضية. لكن ماحدش كان هناك. وقفت في المطبخ أتنفس بالعافية. وبعدين فجأة… بدأت أضحك. ضحك متقطع ومتعب. لأن أول مرة في حياتي، المطبخ ماكانش مكان خطر. بعد أسبوع، الشرطة طلبت شهادتي الرسمية. قعدت في غرفة باردة، قدام محقق هادي بيسألني أسئلة دقيقة جدًا. "هل دي أول مرة يعتدي فيها عليكِ؟" بصيت لإيدي الملفوفة. وقلت: "لا." الكلمة طلعت تقيلة. وبعدها… كل حاجة خرجت. الزق. التهديد. العزل. إزاي كانوا يفتشوا موبايلاتي. إزاي باتريشيا كانت تقنعني إن مافيش حد هيصدقني. إزاي دانيال كان يعتذر بعد كل مرة بهدية غالية. المحقق ما قاطعنيش. بس كان بيكتب. ولكل جملة كنت بقولها… كنت أحس إني برجّع قطعة من نفسي. بعد الجلسة، وأنا خارجة، سمعت صوت كعب عالي مألوف. باتريشيا. كانت واقفة آخر الممر، لابسة أسود بالكامل ونظارتها الكبيرة. أول ما شافتني، مشت ناحيتي بسرعة. الحارس حاول يمنعها، لكنها قالت: "دقيقة واحدة بس." وقفت قدامي. لأول مرة… ماكانتش متكبرة. كانت مذعورة. قالت بصوت واطي: "إنتِ فاهمة إنك دمرتي ابني؟" بصيتلها طويل. وبعدين سألت بهدوء: "وهو كان بيعمل إيه فيا؟" اتفتحت بقها… واتقفلت. ما لقتش إجابة. لكنها همست بعدها: "إحنا كنا عيلة." ضحكت ضحكة خفيفة مستحيل أتحكم فيها. "العيلة ما بتتفرجش على بنت بتتحرق وهي بتشرب نبيذ." وشها اتشد كأني ضربتها. لفّيت أمشي. لكنها نادتني للمرة الأخيرة: "دانيال بيحبك." وقفت ثانيتين. من غير ما أبصلها قلت: "الحب اللي يخليك تخاف… مش حب." وسبتها واقفة لوحدها في الممر الطويل. لأول مرة… أنا اللي بمشي. وهم اللي بيتسابوا ورايا. المحاكمة بدأت بعد أربع شهور. وأنا كنت مرعوبة. مش من دانيال. من القاعة. من العيون. من فكرة إن أسوأ لحظات حياتي هتبقى ملف مفتوح قدام ناس غريبة. إيلين حاولت تجهزني: "محامي الدفاع هيحاول يكسرك." هزيت راسي. كنت عارفة. الرجالة زي دانيال ما بيقولوش: "آه، أنا كنت وحش." بيقولوا: "هي خلتني أعمل كده." وده بالضبط اللي حصل. محاميه وقف قدامي في المحكمة وسأل بنبرة ناعمة مقصودة: "السيدة كلارا… هل صحيح إنك ركبتِ كاميرا سرية بدون علم زوجك؟" "آه." "وهل صحيح إنك أرسلتِ البث عمدًا لمجلس الإدارة؟" "آه." ابتسامة صغيرة طلعت على وشه. النوع اللي بيقول: مسكناها. قال: "إذن ما حدث كان مخططًا له." إيلين قامت فورًا: "اعتراض." لكن القاضي سمح بالإجابة. القاعة كلها كانت مستنية. بصيت للمحامي. وبعدين قلت بهدوء: "النجاة أحيانًا تحتاج تخطيط." الصمت نزل ثقيل. كملت: "أنا ما خططتش إنه يحرق إيدي." بصيت ناحية دانيال لأول مرة من بداية الجلسة. كان لابس بدلة رمادي غامق، وشكله مرتب كأنه رايح اجتماع مهم. لكن عينيه… عينيه كانت مليانة غضب لأنه للمرة الأولى ما يقدرش يتحكم في الرواية. قلت: "أنا خططت إني لو عملها تاني… أعيش." ولا حد اتحرك في القاعة. حتى المحامي سكت ثانية. بعدها عرضوا الفيديو. مرة تانية. الصوت والصورة أوضح من أي شهادة. دانيال وهو يضغط على إيدي. باتريشيا وهي تضحك. حمايا وهو يعلي صوت التلفزيون. وفي نص العرض، واحدة من هيئة المحلفين غطت بقها بإيدها. أما دانيال… فكان باصص للأرض. بعد أسبوعين، الحكم صدر. إدانة. اعتداء جسيم. عنف منزلي موثق. وإساءة متكررة. باتريشيا ما اتحبستش، لكن سمعتها اتحولت لرماد. أما دانيال… فاتساق من القاعة مكبل. وهو خارج، لفّ ناحيتي للحظة. كنت مستنية الكراهية. أو التهديد. لكن اللي شفته كان أخطر: الفراغ. كأنه لسه مقتنع إن كل ده “مبالغة”. وده خلاني أفهم إن بعض الناس ما بيتغيروش فعلًا. بعد المحاكمة، الصحافة فضلت تطاردني شهور. لكن تدريجيًا، الضوضاء خفت. والهدوء رجع. الهدوء الحقيقي. مش الهدوء اللي يسبق الانفجار. وفي يوم مطر، كنت قاعدة في شقتي الجديدة، أطبخ لنفسي لأول مرة من غير خوف. قطعة لحم كانت على الطاسة. ولما قربت منها النار فجأة… جسمي كله اتجمد. إيدي بدأت ترتعش. النفس اتقطع. الذاكرة رجعت كاملة. وقفت بعيد بسرعة، ودموعي نزلت رغصب عني. وفي اللحظة دي بالذات… فهمت إن النجاة من شخص، أسهل بكتير من النجاة من الأثر اللي سابه جواك. لكن بدل ما أطفي البوتاجاز وأهرب… رجعت ببطء. مسكت الطاسة. وقلبت اللحمة بهدوء. ولا حد صرخ فيا. ولا حد مسك إيدي. ولا حد عاقبني. وقفت أبص للمشهد الصغير ده، وحسّيت بحاجة دافية غريبة بتتمدد جوا صدري. حرية. بسيطة جدًا… لكنها حقيقية.