الخادمة التي صارت قلب العائلة
جت للمزرعة تدور شغل بسيط… لكنها لقت أب مكسور وثلاثة أولاد بلا أم، كانوا محتاجين أكثر بكثير من خادمة بيت.
يوم وقف العربة قدام سور المزرعة، همست خاسينتا لنفسها نفس الجملة للمرة العاشرة:
هي جاية تشتغل.
وبس.
كرف طويل. أيام ما تخلص. ليالي هادية. سقف يحميها، وراتب ترسله لأهلها البعيدين.
هذا كل شيء.
نزلت وهي ماسكة شنطة صغيرة بيد، ومسبحة خشب باليد الثانية، وخوفها مخبيته عميق تحت طيات تنورتها. عمرها كان ثلاثة وعشرين، لكن أحياناً تحس إن الحياة حطت على كتوفها عمرين كاملين. جاية من قرية منسية في وسط المكسيك، من هذي القرى اللي كل الناس تعرف اسمك، ومع ذلك محد يعرف وش يسوي بألمك.
كانت المزرعة تلمع تحت لون الغروب البرتقالي.
من بعيد، شكلها كان جميل.
ومن قريب، كانت تشبه بيت ظل يتنفس الحزن وقت طويل أكثر من اللازم.
أول ما حطت رجلها على الشرفة، شافته.
دون إستيبان دي لا فيغا كان واقف عند الباب، شايل طفلين رضّع، واحد بكل ذراع.
الاثنين كانوا يبكون ببكاء متقطع، متعب، بكاء أطفال ما عاد عندهم قوة حتى للبكاء، ومع ذلك ما يقدرون يسكتون. وعند رجوله، جالس على الجدار، ولد يمكن عمره خمس سنوات. نحيف. غبار على ركبته. وعيونه جدية لدرجة كأنها مستعارة من رجل عجوز.
إستيبان ما ابتسم.
ما رحب فيها.
حتى ما عدّل وقفَته.
قال بس: «ملابس الشغل في الغرفة الخلفية. المطبخ كان محتاج مساعدة من أمس.»
خاسينتا نزلت عيونها وهزت راسها.
وهي تمر من جنبه، لقطت ريحة حليب حامض، قماش رطب، وتعب قديم. البيت كان كبير، لكن من داخل كأنه مفرغ من الروح. أثاث ثمين عليه طبقة غبار. ستاير مصفرة من الإهمال. والصمت بين الجدران ما كان صمت راحة.
كان صمت عزاء.
في المطبخ، قابلت دونيا كاتا، امرأة كبيرة، نحيفة ومنحنية من العمر، تكح بقوة كأن كل نفس يجرح صدرها من الداخل. هي اللي قالت لخاسينتا القصة.
زوجة إستيبان، إيلينا، ماتت قبل ثمانية شهور بعد ما تعثر حصانها قرب وادي عميق.
التوأم، توماس وخوليان، كانوا عمرهم أسابيع قليلة يوم فقدوا أمهم.
والولد الكبير، ماتيو، كان شاف إيلينا تطلع ذاك الصباح الضبابي، تلوح لهم بيدها، وتختفي للأبد.