عصايه نادين ج١ شروق خالد

في قاعة الفرح بتاعتي، وفي وسط الزفة والزيطة، أمي خطفت العصاية بتاعتي من إيدي.
في ثانية واحدة، الأيد الخشب القديمة اللي كانت في إيدي اليمين، واللي كانت دافية من كف إيدي وسنداني على أرضية القاعة الناعمة، طارت واختفت. صوابعي قفلت على الهوا، في نفس الوقت اللي كانت فيه مزيكا الجاز الهادية شغالة، وكاسات الشربات بتخبط في بعضها ورايا وكأن مفيش أي حاجة انكسرت في الصالة.
أمي، “ميرفت الشناوي”، طول عمرها بتعرف تنقي الوقت والمكان الصح عشان تكسرني قدام الناس.
شالت العصاية لفوق وبصوت عالي سمع الصالة كلها قالت: *”أنتِ مش محتاجة البتاعة دي.. أنتِ بتعملي كده بس عشان الناس تصعب عليهم!”* وبرق في إيدها حظاظة اللولي تحت نور النجف.
القاعة كلها اتجمدت.
“أحمد” جوزي لف من على تربيزة الكوشة بسرعة لدرجة إن الكرسي بتاعه اتهز وعمل صوت عالي على الأرض. أختي “ندى” حطت إيدها على بوقها من الصدمة. حاولت أمد إيدي وأمسك أقرب كرسي ليا، بس توازني كان خلاص ضاع، ورجلي الشمال اترعشت ووقعت تحت فستان الفرح الأبيض التقيل.
وفي اللحظة دي.. أبويا بدأ يسقف!
تسقيف بطيء.. عالي.. وقاسي.
أبويا، “حسين الشناوي”، ابتسم وكأنه شايفني بعدي من امتحان كنت بسقط فيه من وأنا عندي 21 سنة، وقال: *”أهو.. أخيرًا! اقفي عِدل بقى يا نادين.”*
وقعت لورا على الكرسي اللي ورايا، والقعة كانت رزع صدمت ضهري. الفستان اتلم تحت ركبي، والوجع القديم السخيف سمع في عمودي الفقري كله، وقفلت سناني على بعضها لدرجة إنني دقيت طعم الدم في بوقي من كتر الكتمة.
مش تمثيل.. مش دلع.. ومش لقطة دراما زي ما أبويا وأمي كانوا بيتهموني طول السنين اللي فاتت.
أمي كانت ماسكة العصاية لفوق كأنها ماسكة دليل إدانة في محكمة هي اللي قاضي فيها وقررت تكسب الق*ضية، وقالت: *”شايفين؟ أهي كويسة وزي الفل! هي بس عايزة العين كلها تبقى عليها.. حتى في يوم زي ده!”*
العصاية عمرها ما بتكون مجرد عصاية لما تعيش سنين وسط ناس مقتنعين إن تعبك كدبة. العصاية دي بتبقى شاهد؛ فاكرة كل طرقة مشيت فيها، كل نوبة وجع، وكل يوم عديت منه وأنت بتموت وهم بيقولوا عليك بتعمل شو وعايز لفت انتباه.
أحمد قرب منها، ووشه اتهز وبقى أبيض زي الورق، نفس الوش اللي شفته بيه مرة واحدة زمان بره عيادة الدكتور “حازم رفعت” لما استلمنا تقرير رسم العضلات وكان فيه مصيبة. أحمد قال لها بصوت مكتوم: *”هاتي العصاية.”*
أمي بصت له وابتسمت كأنها بتبص لعيل صغير بيقاطع كلام الكبار: *”أنت لسه جديد على العيلة دي يا أحمد، نادين طول عمرها بتدّلع وحساسة زيادة عن اللزوم.”*
حساسة!
دي الكلمة اللي كانوا بيقولوها لما وقعت وأنا عندي 21 سنة. لما كنت برجع البيت بروشتات وتقارير دكاترة المخ والأعصاب. لما دكتور حازم طلب أشعات، واختبارات اتزان، وتغيير أدوية، لحد ما بقى عندي ملف طبي تخين يهد الحيل بقاله تسع سنين. ميرفت مقرتش منه سطر، وحسين مقراش أقل منه، بس هما الاتنين كانوا حافظين صم النسخة اللي بتطلعني فيها كدابة وبحب لفت الانظر.
حوالينا، 140 معزوم قاعدين متثبتين على كراسيهم. الشوك اتعلقت في الهوا قبل ما توصل للبوق. كاس العصير كان بيترعش في إيد والدة أحمد. واحد من أصحاب العريس كان مبحلق في كارت رقم التربيزة كأن رقم “7” اللي مكتوب بالدهبي ده هينقذه من إنه يبص في عيني. حتى الدق على الطبلة سكت، ومبقاش مسموع في القاعة غير صوت التكييف ونفسي المكتوم السريع.
محدش بيتحرك.
ندى كانت بتعيط، من غير صوت، وحاطة إيدها على بوقها. هي حافظة شكل الإهانة دي كويس؛ شافت أمي قبل كده وهي بتخطف رخصة الركنة بتاعة ذوي الاحتياجات الخاصة من شنطتي وبتقول لي “دي حاجة تكسف”، وشافت أبويا وهو بيلوي بوزه لما رجلي الشمال كانت بتتقل وأنا ماشية بعد عزايم العيلة. بس إنك تكون عارف الحاجة في السر، غير لما تشوفها بتتمثل قدام خلق الله كلهم وتحت نجف الفرح بتاع أختك.
أحمد قفل إيده وجز على سنانه لدرجة إن عروقه ظهرت، وبعدين فتحها تاني.
ممدش إيده على أمي، ولا علّى صوته.. والهدوء ده خوفها أكتر من الزعيق.
وقال لها وهو مسيطر على كل حرف بيطلعه: *”يا مدام ميرفت.. هاتي عصاية مراتي.”*
بس قبل ما يوصل لها، كان في كرسي تاني بيتحرك وبيتزق لورا عند تربيزة رقم 7.
الدكتور حازم رفعت وقف.
راجل عنده 62 سنة، طويل، شعره شايب، هادي الهدوء اللي مبيملكهوش غير راجل وراه تقارير طبية وتاريخ تسع سنين من الدكاترة والأشعات. نظارة بسلك رفيع، بدلة رمادي شيك، ومنديل متطبق ومحطوط بكل نظام جنب العيش اللي ملمسهوش على التربيزة. الراجل ده شاف أشعاتي، نتايج تحاليلي، وقعاتي، نوبات تعبي، وكل النسخ من جسمي اللي أبويا وأمي رفضوا يصدقوا إنها موجودة أصلاً.
أمي التفتت ناحيته، وكانت متضايقة إن في حد غريب بره العيلة اتجرأ ويقطع نمرة التمثيل بتاعتها، وقالت له بحدة: *”وأنت مين أنت كمان؟”*
دكتور حازم ظبط رابطة العنق بتاعته، وخطى في الممر اللي بين التربيزات، ومشي ناحيتها بكل برود ومن غير أي استعجال.
كل عين في القاعة كانت ماشية مع خطواته.
وقف على بعد خطوتين من ميرفت، بص بصه واحدة للعصاية اللي في إيدها، وبعدين بص لي وأنا قاعدة بفستان الفرح وصوابعي حافرة في مساند الكرسي.
وأول ما فتح بوقه عشان يتكلم.. ابتسامة أبويا بدأت تختفي تماماً من على وشه—

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *