بعد موت جوزي حماتي رمتني في الشارع انجي الخطيب
وفي يوم، كنت واقفة في المحل براجع الحسابات مع الواد اللي شغال معايا، ولقيت واحدة ست عجوزة، ضهرها مكسور، ولابسة هدوم مقطعة ومبهدلة، ورجليها حافية في الطين. كانت مادة إيدها للزبائن بتشحت لقمة أو قرش، وصوتها كان مخنوق ومبحوح وهي بتقول:
— لله يا محسنين.. لقمة دافية تسد الجوع.. الله يخليكم ويروق بالكم.
الصوت ده.. الصوت ده أنا مش ممكن أنساه لو عشت مية سنة! الصوت اللي طردني في نص الليل ورمى لحمي في البرد. رفعت عيني وبصيت لوشها.. التجاعيد كانت حفرة في وشها الهم والذل، وعينها اللي كانت بتطق شرار بقت مكسورة وباهتة. كانت حماتي!
جسمي كله اتنفض، والقلَم وقع من إيدي على الدفتر. فضلت باصة لها وموش قادرة أنطق، وهي لفت وشها ومدت إيدها ليا وهي مش واخدة بالها أنا مين، وبصت في الأرض وقالت:
— لله يا ست هانم.. ربنا يخليلك ولادك هاتي تمن رغيف عيش.
في اللحظة دي، ابني “أحمد” دخل المحل، كان لابس لبس المدرسة ونضيف وزي الفل، رمى شنطته وجرى عليا:
— ماما! أنا جيت وجبت الدرجات النهائية في الامتحان!
حماتي لما سمعت اسمي وصوت الواد، رفعت راسها ببطء، وعينها جت في عيني. الصدمة خلتها تبرق وتفتح بؤها، رجعت خطوتين لورا وهي بترتعش، وبصت للمحل الكبير، وبصت للواد اللي شبه أبوه الله يرحمه نسخه طبق الأصل، وبعدين بصتلي والدموع نزلت من عينها:
— إشجان؟! انتي إشجان؟ والواد ده.. ده ابن ابني؟
وقفت على رجلي بكل ثبات، وضميت أحمد لحضني وبصيت لها بنظرة كلها كبرياء من غير غل، وقولت لها بصوت هادي ومسموع:
— أيوة يا حماتي.. أنا إشجان “الشؤم” اللي طردتيها هي وابنها في نص الليل.. وده ابن ابني اللي قولتي عليه نحس وموت أبوه. أهو ربنا كبره وبقى مالى عليا الدنيا، وفتحها علينا من وسع.
الست اترمت على الأرض تحت رجليا وهي بتبكي بحرقة وتشهق:
— سامحيني يا بنتي.. سامحيني الله يخليكي! ذنبك وذنب الغلبان ده هو اللي جابني الأرض. ابني الكبير طردني وربنا ذلني وخلاني ألف على البيوت أشحت اللقمة.. حقك عليا يا بنتي، اضربيني واطرديني بس سامحيني، أنا بتموت من الجوع والندم!
أحمد ابني كان واقف بيبص وموش فاهم حاجة، بصيت لها وأنا قلبي بيتعصر، مش عشانها، عشان هان عليّ شيبتها ومنظرها اللي يوجع الكافر. نزلت على ركبي ومسكتها من إيدها وقوّمتها من على الأرض، وقولت للواد اللي شغال معايا: