بعد موت جوزي حماتي رمتني في الشارع انجي الخطيب
— خد الست دي يا ابني، اطلع بيها على الأوضة القديمة بتاعة خالة أم أحمد، حميها وأكلها ونضفها، وهات لها لبس جديد من المحل اللي جمبنا، واكتب لها مرتب شهري تعيش منه مستورة لحد ما تقابل رب كريم.
حماتي بصتلي بذهول وهي مش مصدقة، وبقت تبوس إيدي وهي بتعيط:
— بعد كل اللي عملته فيكي؟ بتأكليني وتستريني يا إشجان؟
بصيت لها وقولت بابتسامة وجع:
— أنا مش بعمل كده عشانك يا حماتي.. أنا بعمل كده عشان ابني الغالي ده يشوف أمه بتعمل إيه، ويتعلم إننا ولاد أصول ومبنردش الإساءة بالإساءة. ربنا هو اللي جاب لي حقي لحد عندي ومن غير ما أمد إيدي، وأنا عفوت عنك لله.. روحي ربنا يسهلك ويغفر لك.
مشت مع الواد وهي بتجر رجليها وتبكي وتدعي لي، وبصيت لأحمد ابني وبوسته من جبهته وقولت له: “شايف يا قلب أمك؟ اِرمي خيرك في البحر وماتخفش، والي بيتقي الله، ربنا بيجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب”.
********
ومرت السنين سريعة زي لمح البصر، وأحمد كبر وبقى راجل ملء السمع والبصر، تخرج من كلية الهندسة وبقى يمسك معايا كل الشغل، وبقينا نطور المحل الصغير لحد ما بقى شركة كبيرة لتوريد الخضار والفاكهة. وحماتي عاشت في الأوضة القديمة سنينها الأخيرة معززة مكرمة، مكنتش بسيبها محتاجة لقمة ولا غطا، لحد ما توفاها الله وهي بتدعي لي وبتبوس راسي وطالبة السماح في كل صلاة.
وفي يوم ليلة فرح أحمد، كنت واقفة في وسط القاعة، لابسة أحسن فستان، وببص لشكله بالبدلة وهو عريس زي القمر، واخد مراته في حضنه وبيرقصوا، والناس كلها بتبارك لي وتهنيني على تربيتي وعفوي.
لقيت أحمد ساب الرقصة، وجاني وسط القاعة، مسك إيدي وباسها قدام المعازيم كلهم، وطلع المايك واتكلم بصوت هز القاعة:
— الست دي.. هي أمي وأبويا وضهري وسندي في الدنيا. الست دي اتطردت في البرد زمان عشان تحميني، واستحملت نظرات الناس وشقى السوق عشان تكبرني وتعمل مني راجل. أنا بلفخر بيكي يا أمي قدام الدنيا كلها، وانتي مش بس ست بـ ميت راجل، انتي بركة عمري كله.
الدموع نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دموع قهرة ولا وجع، كانت دموع فرحة ونصر. بصيت للسما وقولت في سري: “الحمد لله يا رب.. وفيت بوعدك ليا، ورفعت راسي وعوضتني عن كل لحظة ذل شوفتها في الشارع”.
وفي نهاية الليلة، رجعت لبيتي الكبير، وقعدت على السرير بتعب ممزوج براحة بال عمري ما حستها قبل كده. بصيت لصورة جوزي الله يرحمه اللي معلقاها في الصالة، وابتسمت وقولت له: “أهو ابنك بقى عريس يا غالي، صنت الأمانة وربيت راجل يحمل اسمك ويرفع راسنا”. ونمت ليلتها وأنا حاسة إن رحلة الشقاء انتهت، وإن ربنا مبيسبش حق حد، والبيوت اللي بتتبني على الأصول والطيبة، عمرها ما تقع أبدًا.