منذ ان دخلت في شهرها السابع
كانت تتحرك في الغرفة نفسها.
كأنها تلتف حول سفيان، تقترب من أذنه مرة، ثم تختفي لتظهر خلف والدته، ثم تعود فجأة قرب صدره.
سفيان كان يحاول أن يلتقط أنفاسه، لكن الهواء نفسه كان يرفض الدخول إلى رئتيه.
“مليكة…” نطق اسمها بصوت مكسور، كأنه يستنجد بأي شيء يعرفه في هذا العالم.
لكن الرد لم يأتِ منها.
بل
من الظل الذي أصبح أقرب، حتى صار واقفًا في منتصف الغرفة تمامًا.
“هي دلوقتي مش هنا…” قال الصوت بهدوء غريب.
“هي بس الغلاف اللي أنا كنت مستخبيه فيه.”
والدة سفيان تراجعت للخلف وهي تلمس الجدار بعشوائية:
“إحنا نعمل إيه؟ نخرج… نخرج من هنا!”
لكن الباب… لم يعد بابًا.
كان مجرد جدار أملس بلا مقبض، بلا فتحة، وكأن الشقة لم يكن لها مخرج من الأساس.
سفيان التفت بسرعة نحو النافذة.
لكنها أيضًا كانت مغلقة من الخارج بطبقة داكنة، كأن الليل نفسه التصق بها.
وفجأة…
سقطت مليكة على الأرض.
لكن ليس كجسد فاقد للوعي…
بل كأن شيئًا خرج منها وتركها فارغة.
وفي نفس اللحظة، بدأ الظل يكبر.
لا يقترب فقط… بل يتمدد.
يملأ زوايا الغرفة، يزحف على الجدران، ويغطي السقف كأن المكان كله أصبح جزءًا منه.
ثم قال بصوت منخفض جدًا، أقرب للهمس داخل عقل سفيان نفسه:
“أنا مش داخل جديد… أنا كنت هنا من الأول.”
تجمد سفيان.
“إيه قصدك؟”
اقترب الظل خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليشعر سفيان أن الغرفة كلها انكمشت عليه.
“كل مرة كنت بتغضب فيها…”
“كل مرة كنت بتشك…”
“كل مرة كنت بتسيب الخوف يدخل جواك…”
توقف قليلًا، ثم أكمل:
“كنت أنا اللي بكبر.”
في تلك اللحظة…
بدأت مليكة تتحرك على الأرض ببطء شديد.
لكنها لم تكن
تنظر إليهم.
كانت تنظر إلى سفيان فقط، وتهمس بصوت ضعيف جدًا كأنه آخر ما تبقى منها:
“متصدقوش… هو بيكذب…”
ثم رفعت يدها بصعوبة، وأشارت نحو صدره هو.
“هو مش برا… هو جواك.”
سفيان تراجع خطوة بعنف.
“اسكتي!” صرخ، لكن صوته كان مهزوزًا.
الظل توقف فجأة.
ثم… ساد صمت كامل.
كأن العالم كله حبس أنفاسه.
وبهدوء شديد، قال الصوت:
“هي أول مرة تقول الحقيقة من البداية.”
ثم اقترب الظل من سفيان.
ومدّ شيئًا يشبه اليد… لكن ليس يدًا تمامًا.
وقبل أن يلمسه مباشرة…
انطفأ كل شيء.
حتى صوته هو.
لكن في الظلام الكامل…
سمع سفيان آخر جملة، ليست من الخارج هذه المرة…
بل من داخله هو نفسه: