نور التي عادت من الرماد ج٢
العربية وقفت بعيد عن المخزن.
الهوا كان تقيل بريحة البحر والصدأ، وصوت القطر البعيد بيشق الليل كل كام دقيقة.
المكان مهجور… لكن فيه نور طالع من جوه.
نورا نزلت أول واحدة رغم الوجع اللي مزق ضهرها.
مازن جري يمسكها: — “إنتِ هتقعي.”
زقت إيده بهدوء. — “مش قبل ما آخد ابني.”
عادل كان ماسك مسدسه وعينه على المخزن.
الباب الحديد الأخضر كان قدامهم… نفس الباب اللي نورا شافته في ذكرياتها.
قلبها دق بعنف.
وفجأة… افتكرت.
هي صغيرة، مستخبية ورا صناديق خشب. أمها بتعيط. وأبوها بيزعق في كمال: — “الفلوس دي مش هتطلع بره البلد!”
ثم صوت طلقة.
نورا شهقت فجأة وهي ماسكة دماغها.
مازن قرب بسرعة: — “نورا؟”
بصتله وعينيها مليانة رعب: — “هو قتل بابا هنا.”
الصمت ضرب المكان.
وعادل قفل عينه بألم… كأنه كان عارف الحقيقة دي طول عمره.
لكن قبل ما حد يتكلم…
صوت طفل صغير طلع من جوه المخزن: — “ماما!”
نورا جريت.
كل الوجع اختفى.
كل الخوف اختفى.
كل اللي فضِل… هو صوت ابنها.
دفعت الباب الحديد بكل قوتها.
وصوت صريره دوّى في المكان.
المخزن كان واسع وضلمة، فيه لمبات صفرا ضعيفة وصناديق قديمة متكومة.
وفي النص…
كان ساند جالس على كرسي، ملفوف ببطانية.
وأول ما شافها… بكى.
— “ماما!”
نورا جريت عليه وحضنته بقوة وهي بتنهار من العياط.
— “أنا هنا… خلاص يا حبيبي… خلاص.”
لكن فجأة…
صوت تصفيق بطيء طلع من الضلمة.
كمال خرج بهدوء.
لابس نفس البدلة الرمادي. وعلى وشه نفس الابتسامة الباردة.
— “مشهد مؤثر.”
مازن وقف قدام نورا فورًا.
عادل رفع مسدسه: — “انتهت يا كمال.”
كمال ضحك. — “لو كنت عايز أقتلها… كنت عملتها من زمان.”
نورا حضنت ابنها أكتر.
— “إنت قتلت أهلي.”
كمال بص لها طويلًا.
ثم قال: — “لا.” وأشار لعادل. — “هو اللي قتلهم.”
الدنيا سكتت.
مازن لف لعادل بصدمة.
نورا قامت ببطء، والطفل في حضنها.
— “إنت كداب.”
كمال مد إيده ناحية عادل: — “اسأليه ليه اختفى خمس سنين.” — “اسأليه مين اللي أخدك بعد الحادثة.” — “واسأليه ليه فقدتي ذاكرتك أصلًا.”
عادل وشه بقى أبيض.
نورا قلبها بدأ يقع.
كمال طلع فلاشة صغيرة من جيبه. — “أخوكي سامي سجّل كل حاجة قبل ما يهرب.”
رماها على الأرض قدامهم.
مازن أخدها بسرعة وشغلها على اللابتوب الصغير اللي معاه.
ثواني…
وظهر فيديو.
كاميرا مهزوزة. ليل. وصوت سامي بيتنفس بعنف.
— “أنا بسجل ده لو مت.”
الصورة اتحركت…
وأظهرت عربية فؤاد المقلوبة والنار ماسكة فيها.
نورا اتجمدت.
لكن اللي بعدها… حطمها.
لأن الفيديو أظهر عادل.
واقف.
حي.
قدام العربية.
وأبوها بيصرخ من جوه: — “خد نور وامشي!”
في الفيديو… عادل كان ماسك نور الصغيرة فعلًا.
لكن بدل ما ينقذهم…
شد أخوه من هدومه بعنف.
وقال: — “الشرطة جاية! لازم نهرب!”
وأبوها كان بيصرخ: — “مراتي لسه جوه!”
لكن عادل…
سابهم.
سابهم يتحرقوا.
الفيديو وقف.
الصمت اللي بعده كان مرعب.
نورا بصت لعادل… كأنها بتشوفه لأول مرة.
وعادل أخيرًا انهار.
وقع على ركبته وقال بصوت مكسور: — “كنت خايف…”