نور التي عادت من الرماد ج٢

الأوضة كلها سكتت.
مازن أخد الميدالية من إيد نورا وبصلها بتركيز: — “هو بيستدرجنا.”
عادل هز راسه فورًا: — “طبعًا. المكان ده متراقب أكيد.”
لكن نورا… كانت باصة للميدالية كأنها شايفة شبح.
بيت فؤاد القديم.
البيت اللي اتقفل بعد موت أهلها مباشرة. البيت اللي محدش دخلُه من خمس سنين.
وفجأة، ذكرى قديمة ضربتها.
هي صغيرة… بتجري في ممر طويل. وأبوها بيركع قدام لوحة كبيرة ويقول: — “لو ضعتِ يوم يا نور… البيت هيفكرك بنفسك.”
شهقت بخفة.
مازن لاحظ: — “إنتِ فاكرة حاجة؟”
رفعت عينيها ببطء: — “فيه حاجة مستخبية هناك.”
عادل شد فكه: — “وده بالضبط اللي كمال عايزه.”
الصمت نزل عليهم.
لأنهم كلهم فهموا الحقيقة: كمال مش بيطاردهم عشوائي.
هو بيوجههم.
لكن ليه؟
وفجأة، نورا قالت: — “هروح.”
مازن انفجر فورًا: — “مستحيل.”
— “هو عايزني أفتكر حاجة.”
— “أو عايز يقتلك.”
نورا بصتله بثبات: — “كان عملها من زمان لو ده هدفه.”
الجملة سكتته.
لأنها حقيقية.
كمال كان عنده فرص كتير.
لكنه كل مرة… كان يقربهم من الحقيقة أكتر.
وده اللي كان مرعب.
الساعة 3 الفجر…
العربية وقفت قدام قصر ضخم مهجور على أطراف المدينة.
البيت القديم.
النباتات طالعة حوالين السور. والشبابيك ضلمة. والمكان كله عليه إحساس إن الزمن وقف فيه يوم الحادثة.
ساند كان نايم عند المربية في البيت، بعد ما نورا أصرت ما تجيبوش.
نزلت من العربية ببطء.
أول ما بصت للبيت… قلبها وجعها.
هنا اتربت. هنا كانت آخر ليلة مع أهلها.
عادل فتح الباب الرئيسي بالمفتاح القديم.
صوت الصرير طلع مرعب وسط السكون.
دخلوا.
ريحة التراب والخشب القديم مالية المكان.
والغريب…
كل حاجة تقريبًا مكانها.
الصور. الأثاث. حتى البيانو الأبيض اللي كانت أمها بتعزف عليه.
نورا قربت منه ببطء ولمست المفاتيح.
نغمة واحدة طلعت خافتة…
وفجأة دموعها نزلت.
لكن مازن فجأة وقف.
— “إحنا مش لوحدنا.”
الكل اتجمد.
صوت خطوات خفيفة طلع من فوق.
عادل طلع سلاحه فورًا.
— “مين هناك؟!”
مفيش رد.
لكن بعد ثواني…
نور خافت ظهر فوق السلم.
وشخص نازل ببطء.
ولما نورا شافته…
شهقت.
لأنها عرفته فورًا.
سامي.
أكبر بخمس سنين. مرهق. وشعره مليان شايب.
لكنه سامي.
الرجل اللي اختفى بعد موت أهلها.
والرجل اللي الكل افتكر إنه هرب.
سامي وقف في آخر السلم وبص لنورا طويلًا.
ثم قال بصوت متعب جدًا:
— “آسف إني اتأخرت يا نور.”
نورا فضلت باصة له كأن عقلها رافض يصدق.
سامي.
أخوها.
الولد اللي شافت بعينيها العربية بتولع وهو جوه… واللي عاشت خمس سنين فاكرة إنه مات.
خطوة واحدة أخدتها ناحيته، ثم وقفت فجأة. الخوف دخل بينها وبينه.
— “إنت… حي؟”
سامي نزل آخر درجة ببطء. واضح إن جسمه مرهق، لكن عينه كانت نفس العينين اللي كانت بتحميها وهي صغيرة.
— “كنت لازم أختفي.”
عادل قرب منه بعصبية وانفعال مكبوت سنين: — “بعد كل ده؟!”
سامي بصله ببرود موجوع. — “إنت آخر واحد له حق يسألني.”
الجملة نزلت كصفعة.
أما نورا… فكانت بتحاول تستوعب إن جزء من عيلتها لسه موجود.
مازن بص لسامي بشك: — “إنت كنت فين كل السنين دي؟”
سامي سكت لحظة… ثم قال: — “بهرب.”
رفع عينه لنورا مباشرة: — “لأن اللي قتلوا بابا وماما مكانوش مجرد رجال أعمال.”
طلع نفس طويل متعب.
— “كان فيه منظمة كاملة.”
الصمت اتكسر بصوت الريح برا البيت.
عادل عقد حواجبه: — “منظمة إيه؟”
سامي ضحك ضحكة قصيرة بلا روح. — “ناس فوق القانون… فوق الشرطة… فوق أي حد.”
ثم طلع ملف قديم من تحت جاكته ورماه على الترابيزة.
— “ومش كمال الجبالي اللي كان قائدهم.”
قلب نورا دق بعنف.
— “إيه؟”
سامي بص لها بجدية: — “كمال كان مجرد واجهة.”
الدنيا لفت للحظة حواليها.
كل الرعب… كل الدم… كل المطاردة… وكان فيه حد أكبر مستخبي؟
مازن فتح الملف بسرعة. صور. تحويلات مالية. أسامي مسؤولين. وأول صورة كانت لرجل كبير واقف جنب فؤاد والد نورا.
نورا قربت ببطء. وشها شحب أول ما شافته.
— “ده…”
سامي كمّل: — “الدكتور شريف المنياوي.”
عادل اتصدم: — “وزير الصحة السابق؟!”
سامي هز راسه. — “والشريك الحقيقي في مستشفى الرحمة.”
الهواء نفسه بقى تقيل.
نورا افتكرت فورًا. الدكتور شريف كان صديق مقرب لوالدها. كان بيزورهم البيت. كان بيجيب لها شوكولاتة وهي صغيرة.
يعني… الوحش كان قريب طول الوقت.
وفجأة… صوت باب القصر اتقفل بعنف تحت.
الكل اتجمد.
ثم صوت خطوات بطيئة بدأ يطلع السلم.
خطوة…
خطوة…
خطوة…
وساند فجأة صرخ من أوضة المربية تحت: — “ماماااا!”
قلب نورا وقف.
مازن جري فورًا ناحية السلم، لكن سامي مسكه بعنف: — “استنى!”
— “ابني تحت!”
سامي صرخ لأول مرة: — “وده اللي هما عايزينه!”
لكن فات الأوان.
نور قوي ضرب وشهم فجأة.
وصوت رجالة ملي المكان.
— “محدش يتحرك!”
عادل رفع سلاحه فورًا.
وفي آخر السلم… ظهر رجل ستيني أنيق، لابس قفازات جلد سوداء، وبيبتسم بهدوء مرعب.
الدكتور شريف المنياوي.
بص لنورا كأنه بيشوف طفلة رجعتله بعد غياب طويل.
ثم قال بابتسامة هادئة: — “كبرتي يا نور.”
نورا جسمها كله اتجمد.
الصوت… الابتسامة… حتى طريقة وقوفه.
كلها رجّعت لها طفلة صغيرة كانت بتجري في جنينة البيت، والرجل ده يربّت على راسها ويقول: — “نور هتبقى أذكى من أبوها.”
لكن دلوقتي… كل حاجة فيه بقت مرعبة.
مازن رفع سلاحه فورًا: — “فين الولد؟!”
الدكتور شريف حتى ما بصلهوش. كل اهتمامه كان على نورا.
— “أبوك كان بيحبك جدًا.”
نورا شهقت بغضب: — “متجبش سيرة بابا على لسانك!”
ابتسم بهدوء. — “للأسف… أبوكي كان مثالي أكتر من اللازم.”
سامي قرب خطوة، وعينه مليانة كراهية: — “إنت اللي أمرت بقتلهم.”
الدكتور شريف بصله طويلًا. ثم قال: — “وأنت اللي هربت.”
الجملة خلت سامي يسكت للحظة.
نورا بصت لأخوها بصدمة: — “إيه؟”
سامي شد فكه بعنف. واضح إنه كان مخبي حاجة.
لكن قبل ما يتكلم… صوت بكاء ساند طلع تاني من تحت.
المرة دي كان أقرب.
نورا قلبها انهار: — “ساند!”
تحركت بسرعة ناحية السلم، لكن اتنين رجالة مسلحين ظهروا من الضلمة ووقفوا قدامها.
مازن شد زناد سلاحه: — “ابعدوا عنها!”
الدكتور شريف رفع إيده بهدوء: — “متقلقوش… حفيدي بخير.”
الكل اتصدم.
نورا شهقت: — “إيه؟!”
ابتسم وهو ينزل درجة واحدة: — “فاكرة ليه اخترت أراقبك كل السنين دي؟”
قلبها بدأ يدق بعنف مرعب.
— “فاكرة ليه كمال عمره ما قتلك؟”
الهواء اختفى من صدرها.
الدكتور شريف بص مباشرة لساند اللي بدأ يطلع السلم ماسك إيد راجل من الحراسة.
الطفل أول ما شاف نورا جري عليها وهو بيعيط: — “ماما!”
حضنته بقوة كأنها بتحاول تخبيه جوه روحها.
لكن الدكتور قال بهدوء قاتل: — “لأن دمنا واحد.”
الصمت بعدها كان مرعب.
مازن لف له ببطء: — “إنت مجنون.”
الدكتور شريف تجاهله.
عينه كانت ثابتة على نورا: — “أبوك الحقيقي… مات قبل ما تتولدي.”
نورا حست الأرض بتميد تحتها.
— “كداب…”
صوتها خرج ضعيف جدًا.
الدكتور طلع صورة قديمة من جيبه ورماها ناحيتها.
الصورة كانت لأمها… واقفة جنب الدكتور شريف. وشكلهم قريب بشكل مخيف.
ومن ورا الصورة تاريخ. قبل ميلادها بسنة.
إيد نورا بدأت ترتعش.
— “أمك كانت بتحاول تهرب منك.”
عادل صرخ: — “اخرس!”
لكن الدكتور كمل ببرود: — “فؤاد عرف الحقيقة متأخر… ومع ذلك ربّاكي كأنك بنته.”
الدموع لمعت في عين نورا رغمًا عنها.
كل ذكرياتها مع أبوها… ضحكته… حضنه… خوفه عليها…
كانت حقيقية.
لكن الحقيقة الجديدة كانت بتكسرها من جوه.
سامي بص للدكتور بكره: — “إنت السبب في كل حاجة.”
الدكتور هز راسه بهدوء: — “لا. الطمع هو السبب.”
ثم بص لنورا: — “وأبوك أخد حاجة مكانتش بتاعته.”
مازن قرب من نورا يحاول يسندها: — “متسمعيش كلامه.”
لكنها كانت بتنهار بصمت.
وفجأة… ساند رفع راسه الصغيرة وبص للدكتور شريف.
ثم قال بعفوية: — “إنت زعلت ماما.”
الجملة نزلت على المكان كله بغرابة.
الدكتور سكت.
بص للطفل طويلًا.
ولأول مرة… ملامحه اتحركت فعلًا.
كأن حاجة إنسانية قديمة لمسته للحظة.
لكن اللحظة اختفت بسرعة.
رفع عينه لنورا وقال: — “تعالي معايا… وأنا أضمن حياة ابنك.”
مازن صرخ فورًا: — “مستحيل!”
لكن الدكتور كان لسه باصص لها هي فقط.
— “النسخة التانية من الملفات عندك يا نور.”
نورا رفعت عينها ببطء.
هو يعرف.
يعرف إنها افتكرت.
لأن فجأة… صورة البيانو الأبيض لمعت في دماغها.
وأبوها راكع قدامه وهو يقول: — “لو حصلّي حاجة… الحقيقة هتفضل تعزف.”
نورا شهقت بخفة.
الحقيقة هتفضل تعزف.
عينيها اتحركت ببطء ناحية البيانو الأبيض الموجود آخر الصالة.
الدكتور شريف لاحظ فورًا. وابتسم.
— “أهو… الذاكرة رجعت.”
مازن فهم إن فيه حاجة خطيرة. وقف قدام نورا مباشرة: — “متروحيش ناحية البيانو.”
لكن نورا كانت كأنها بتتحرك بقوة أكبر منها.
خطوة…
ثم خطوة…
وقلبها بيدق بعنف.
كل حاجة حواليها بقت بعيدة. صوت الرجال. صوت السلاح. حتى خوفها.
كل اللي كانت سمعاه… صوت أبوها.
“الحقيقة هتفضل تعزف.”
وقفت قدام البيانو. إيديها المرتعشة لمست المفاتيح.
نغمة واحدة خرجت.
دو…
ثم بعدها… سمعت صوت “تكّة” خفيفة جدًا.
عادل انتبه فورًا: — “فيه حاجة اتحركت.”
نورا نزلت على ركبتها ببطء. بصت تحت البيانو.
ولقت درج صغير جدًا مستخبي في الخشب.
قلبها وقف تقريبًا.
الدكتور شريف نزل السلم بهدوء: — “هاتيه يا نور.”
لكن قبل ما تفتح الدرج… سامي صرخ: — “متديهولوش!”
الرعب والانفعال انفجروا في نفس اللحظة.
واحد من رجال الدكتور رفع سلاحه ناحية سامي.
مازن ضرب الراجل فورًا.
وفجأة… القصر كله اتحول لفوضى.
طلقات.
صراخ.
زجاج بيتكسر.
نورا حضنت ساند بسرعة على الأرض وهي بتحاول تحميه بجسمها.
عادل بدأ يضرب نار وهو يزعق: — “طلعوهم برا!”
لكن وسط الفوضى… الدكتور شريف كان بيتحرك ناحية البيانو فقط.
عينه مليانة جشع مرعب.
عرفت وقتها إن اللي جوه الدرج أخطر من أي حاجة.
بسرعة رهيبة فتحت الدرج.
ولقت فلاشة سوداء صغيرة… ومعها ظرف قديم.
الدكتور شريف ابتسم بانتصار: — “أخيرًا.”
لكن نورا فتحت الظرف أولًا.
وفيه رسالة بخط أبوها.
إيديها اترعشت وهي تقرأ أول سطر:
“لو بتقري الرسالة دي يا نور… يبقى أنا فشلت أحميكم.”
دموعها نزلت فورًا.
لكن صوت الرصاص حواليها كان بيقرب.
أبوها كان كاتب بسرعة واضحة ومتعبة:
“الناس اللي ورا مستشفى الرحمة مش مجرد فاسدين… هما بيستخدموا الأطفال المرضى في تجارب غير قانونية.”
نورا شهقت.
عادل اتجمد مكانه.
أما الدكتور شريف… فابتسامته اختفت.
الرسالة كمّلت:
“والدكتور شريف مش أخطر واحد.”
الصمت نزل للحظة غريبة.
حتى صوت الضرب وقف ثانية.
نورا رفعت عينها ببطء.
الدكتور لأول مرة… بان عليه القلق.
كملت القراءة:
“فيه اسم واحد بس لازم تخافي منه يا نور…”
لكن قبل ما تشوف الاسم…
طلقة دوّت.
الرسالة طارت من إيدها.
ومازن وقع على الأرض.
— “مازن!!”
نورا صرخت بكل قوتها.
ساند بدأ يعيط بعنف.
مازن كان ماسك كتفه والدم بينزل بغزارة، لكنه بص لنورا وصرخ: — “اهربي!”
الدكتور شريف انتهز اللحظة وخطف الفلاشة من الأرض بسرعة.
سامي جرى ناحيته بجنون: — “لااا!”
لكن الدكتور صوب سلاحه مباشرة على ساند.
الدنيا كلها وقفت.
نورا حضنت ابنها بقوة مرعبة.
الدكتور صوته بقى بارد جدًا: — “الملف ده يقدر يوقع دول كاملة.”
ثم بص لنورا: — “وأنتِ هتختاري دلوقتي… الحقيقة؟ ولا ابنك؟”
دموعها نزلت وهي بتترعش.
أبوها… الحقيقة… دم أهلها…
وفي حضنها… ابنها اللي بيرتعش من الخوف.
ثواني طويلة عدّت كأنها عمر.
ثم نورا رفعت عينيها ببطء.
وقالت بصوت مكسور: — “خدها.”
مازن صرخ من الأرض: — “نورا لا!”
لكنها كانت لسه باصة لابنها فقط.
الدكتور شريف ابتسم بانتصار بارد. وأخذ خطوة للخلف.
لكن فجأة…
ساند رفع وشه الصغير من حضن أمه.
وبص للدكتور.
ثم قال بخوف بريء: — “إنت شرير.”
الجملة كانت بسيطة جدًا.
لكنها ضربت الدكتور بشكل غريب.
إيده اتهزت للحظة.
وفي نفس الثانية…
صوت طلقة جديدة دوّى في القصر.
الدكتور شريف وقف مصدوم.
وبص ببطء لصدره.
بقعة دم بدأت تنتشر على بدلته.
خلفه مباشرة… كان سامي ماسك السلاح بإيد مرتعشة ودموعه نازلة.
— “خلصت.” قالها بصوت مبحوح.
الفلاشة وقعت من إيد الدكتور على الأرض.
وجسمه وقع بعدها بثواني.
الدنيا سكتت.
سكتة تقيلة لدرجة إن صوت نفس ساند وهو بيعيط كان واضح وسط القصر كله.
الدكتور شريف واقع على الأرض، عينه مفتوحة بصدمة، والدم بينتشر حوالينه ببطء.
وسامي… واقف مكانه متجمد، والسلاح بيترعش في إيده.
كأنه هو نفسه مش مستوعب اللي عمله.
نورا حضنت ابنها أكتر، وجسمها كله بيترعش.
مازن ضغط على جرحه وهو بيبص لسامي: — “إنت قتلته.”
سامي رد بصوت مكسور: — “كان هيموتنا كلنا.”
لكن قبل ما حد يتكلم…
الدكتور شريف ضحك.
ضحكة ضعيفة متقطعة.
الكل بصله بصدمة.
الرجل رفع راسه بصعوبة، والدم طالع من بقه.
ثم همس: — “فاكرين… إن ده النهاية؟”
الرعب رجع يزحف في المكان.
الدكتور بص لنورا مباشرة.
— “النسخة… اتبعتت بالفعل.”
قلبها وقف.
— “إيه؟”
ابتسم بوجع: — “من ساعة ما دخلتوا القصر.”
عادل قرب منه بعنف: — “لمين؟!”
لكن الدكتور كان خلاص بيموت.
عينيه بدأت تزيغ.
وآخر كلمة خرجت منه كانت:
— “للرجل… اللي محدش يعرفه.”
ثم سكت تمامًا.
الميت الحقيقي المرة دي.
الصمت اللي بعده كان مرعب أكتر من الرصاص.
لأنهم فهموا الحقيقة.
فيه حد تاني.
حد أكبر.
وهو دلوقتي معاه الملفات كلها.
بعد ساعة…
القصر كان مليان شرطة.
إسعاف.
محققين.
لكن نورا كانت قاعدة في أوضة مكتب أبوها القديم، حاضنة ساند وهو نايم على رجلها من التعب والبكاء.
مازن أخدوه المستشفى. الطلقة عدت جنب العظمة، وهيعيش.
أما سامي… فكان قاعد برا الأوضة، ساكت تمامًا بعد ما سلّم نفسه.
عادل دخل بهدوء وقف قدامها.
لأول مرة… كان باين عليه إنه عجوز فعلًا.
— “الشرطة لقت سيرفر كامل تحت القصر.”
نورا رفعت عينها ببطء.
— “وفيه أسماء كتير جدًا.”
سكت لحظة.
ثم قال: — “بس فيه مشكلة.”
قلبها اتقبض.
— “إيه؟”
عادل بص لها بجدية: — “فيه اسم اتمسح قبل ما نوصل.”
الهواء برد فجأة.
— “اسم مين؟”
عادل هز راسه: — “مش عارفين.”
لكن نورا عرفت.
لأن خوف أبوها طول السنين… ماكانش من كمال. ولا من الدكتور شريف.
كان من الشخص اللي محدش يقدر يوصله.
وفجأة… ساند فتح عينه بنعاس.
وبص لنورا.
— “خلصنا من الوحش؟”
الدموع لمعت في عينها.
لكنها مقدرتش تجاوب.
لأنها لأول مرة… مش متأكدة.
بعد أسبوعين…
البلد كلها كانت مقلوبة.
تسريبات. اعتقالات. قنوات بتتكلم عن “ملفات الرحمة”.
ناس كبيرة وقعت.
وزراء سابقين اختفوا.
وشركات اتقفلت في ليلة واحدة.
لكن وسط كل ده…
نورا اختفت.
ماحدش عرف هي فين.
حتى مازن، بعد ما خرج من المستشفى، ملقاش أي أثر ليها.
كل اللي وصل له… رسالة واحدة بس.
وصلت في ظرف أبيض بدون عنوان.
فتحها بإيد مرتعشة.
وكان مكتوب فيها بخط نورا:
“لو لقيت الرسالة دي… يبقى أنا مشيت قبل ما يلاقوني.”
قلبه وجعه بعنف.
وكملت:
“فيه ناس لسه عايشة. وناس مستعدة تقتل ساند عشان الملفات.”
سطور قصيرة…
لكن آخر سطر هو اللي كسره:
“أول مرة أحب حد كان متأخر… بس حقيقي.”
مازن قفل عينه بقهر.
لأنه فهم.
دي كانت وداع.
بعد ست شهور…
في مدينة ساحلية صغيرة بعيدة…
ست شابة ماشية ماسكة إيد طفل صغير بيضحك وهو يجري قدام البحر.
شعرها بقى أقصر. وعيونها أهدى.
لكن الحزن لسه ساكنها.
الطفل لف ناحيتها فجأة: — “ماما! بص السمكة!”
ابتسمت له.
— “شايفاها يا حبيبي.”
لأول مرة من سنين… كان عندها شيء يشبه السلام.
لكن وهي طالعة مفاتيح البيت من شنطتها…
حاجة وقفت قلبها.
علامة صغيرة محفورة على الباب.
نفس الشعار القديم.
شعار المنظمة.
إيدها بردت فورًا.
وببطء…
لفت رأسها ناحية الشارع.
وكان فيه راجل واقف بعيد. لابس أسود. ملامحه مستخبية.
بيراقبها.
أول ما عيونهم اتقابلت…
ابتسم.
ثم مشي.
ونورا فهمت الحقيقة المرعبة أخيرًا…
الحرب… لسه ما بدأتش أصلًا.
بعد ما شافت الشعار على باب البيت، نورا ما نمتش الليلة دي.
فضلت قاعدة جنب سرير ساند، ماسكة سكينة المطبخ بإيد، وكل صوت برا يخلي قلبها يقف.
هي هربت آلاف الكيلومترات… ومع ذلك وصلوا لها.
وده معناه حاجة واحدة: مفيش مكان آمن.
الصبح، وهي خارجة تشتري أكل، لقت ظرف متساب قدام الباب.
نفس الورق الأسود.
إيديها بردت وهي تفتحه.
جواه صورة ليها… متصورة وهي ماشية مع ساند على البحر من كام ساعة بس.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“الهروب بيطول اللعبة… مش بينهيها.”
وفي آخر الورقة عنوان.
مقبرة قديمة خارج المدينة.
ليلًا…
نورا وصلت المكان ومعاها مسدس عادل القديم.
المقابر كانت مهجورة، والهوا مليان تراب وبرد.
وفي آخر الممر… كان واقف الرجل اللي شافته قدام البيت.
لابس أسود بالكامل.
لكن أول ما قرب للنور…
نورا شهقت.
مازن.
واقف قدامها مرهق، دقنه طويلة، وعينه مليانة خوف حقيقي.
— “إنت؟!”
مازن قرب بسرعة: — “اسمعيني بسرعة… إحنا متراقبين.”
نورا رفعت السلاح فورًا: — “إزاي لقيتني؟”
— “سامي هو اللي وصلني.”
الجملة صدمتها.
— “سامي؟! هو مش في السجن؟”
مازن بلع ريقه: — “هربوه.”
قلبها وقع.
— “مين؟”
مازن بص حواليه قبل ما يهمس: — “المنظمة دخلت السجن وخدت كل اللي يعرف الحقيقة.”
ثم طلع ورقة قديمة ومدهالها.
كانت خريطة.
وفي نصها دائرة حمرا على مكان واحد.
“مصحة الرحمة القديمة.”
نورا شهقت: — “المستشفى اتحرق.”
مازن هز راسه: — “الواجهة بس.”
ثم قال أخطر جملة: — “الزعيم الحقيقي هناك.”
بعد يومين…
نورا ومازن دخلوا المصحة المهجورة سرًا.
المكان كان أسوأ من أي كابوس. ريحة أدوية. غرف صدئة. وأصوات أجهزة شغالة رغم إن المكان المفروض مقفول من سنين.
ساند كان مستخبي مع مربية موثوق فيها بعيد عنهم.
نورا كانت ماشية وقلبها بيدق بجنون.
وفجأة…
سمعت صوت أطفال.
تجمدت.
اتبعت الصوت لحد ما وصلت لباب حديد.
فتحته ببطء…
واتصدمت.
أطفال.
كتير.
بعضهم مرضى. وبعضهم نايمين تحت أجهزة.
وعلى الحيطة… شعار المنظمة.
الدم هرب من وشها.
— “يا نهار أبيض…”
لكن قبل ما تتحرك…
صوت هادي طلع من الضلمة:
— “أخيرًا وصلتي.”
النور اشتغل مرة واحدة.
ورجل عجوز قاعد على كرسي متحرك ظهر قدامهم.
شعره أبيض بالكامل. وعينه حادة بشكل مخيف.
نورا اتجمدت.
لأنها عرفته.
الصورة القديمة اللي كانت عند أبوها.
الرجل اللي كان واقف دائمًا بعيد في كل الاجتماعات.
الرجل اللي محدش كان بيذكر اسمه.
ابتسم بهدوء وقال: — “أنا كنت مستني بنت فؤاد.”
مازن رفع سلاحه فورًا: — “إنت مين؟”
الرجل ابتسم أكتر.
— “أنا السبب إن كل الناس اللي عرفتوهم ماتوا.”
الصمت بقى خانق.
ثم قال: — “واسمي… يوسف عز الدين.”
وفجأة… وراءهم، باب المصحة اتقفل إلكترونيًا.
واتحبسوا جوا.
صوت قفل الأبواب دوّى في المصحة كلها.
مازن جرى ناحية الباب يفتحه، لكن مفيش فايدة.
يوسف عز الدين كان بيتفرج عليهم بهدوء غريب، كأنه متأكد إن اللعبة انتهت.
نورا بصت للأطفال الممددين على الأجهزة، وصوتها اتهز: — “إنتو بتعملوا فيهم إيه؟”
يوسف شبك صوابعه فوق الكرسي المتحرك. — “بننقذهم.”
مازن صرخ: — “دي تجارب!”
ابتسم يوسف. — “العالم بيتبني على تضحيات يا بني.”
ثم بص لنورا مباشرة: — “أبوك فهم ده متأخر.”
قلبها وجعها بعنف. — “أبويا كان أشرف منك.”
يوسف ضحك بخفة. — “عشان كده مات.”
وفجأة… شاشة ضخمة نورت خلفه.
وظهر عليها ساند.
نورا شهقت: — “ساند!”
الولد كان نايم على سرير أبيض، واضح إنه مخدَّر.
مازن لف ناحية يوسف بجنون: — “إنت قولت إنه بأمان!”
يوسف رد بهدوء قاتل: — “وأنا كدبت.”
في اللحظة دي نورا فهمت. هما كانوا بيلعبوا بيهم من البداية. حتى هروبها كان محسوب.
يوسف ضغط زر صغير.
وفجأة، صفارات إنذار بدأت تشتغل.
— “بعد عشر دقايق المكان كله هيتقفل بالحرق الذاتي.”
مازن اتصدم: — “إنت مجنون!”
يوسف ابتسم: — “وأنا مش بسيب أسرار ورايا.”
ثم بص لنورا للمرة الأخيرة: — “أبوك ضيع حياته عشان يحاول يوقفني… نشوف إنتِ هتعملي إيه.”
واتحرك كرسيه الكهربائي ناحية ممر جانبي واختفى.
نورا ومازن جروا في الممرات بجنون يدوروا على ساند.
الدخان بدأ يطلع من فتحات التهوية.
والأطفال بيعيطوا في كل مكان.
نورا وقفت فجأة. — “مش هنسيبهم.”
مازن بص لها بصدمة: — “المكان هينفجر!”
— “مش هكرر اللي عملوه معايا.”
الجملة سكتته.
وبدأوا يفكوا الأطفال من الأجهزة ويطلعوهم للمخارج الجانبية.
الدخان زاد. والنار بدأت تمسك في الأدوار السفلية.
لحد ما أخيرًا…
وصلت نورا لأوضة بيضا في آخر الممر.
ووسطها… كان ساند.
نايم بهدوء.
جريت عليه وهي بتعيط: — “حبيبي!”
لكن أول ما شالته…
سمعت صوت تكة.
قلبها وقف.
بصت تحت السرير.
قنبلة.
عدادها شغال.
دقيقة و27 ثانية.
مازن شهق: — “اخرجي!”
لكن نورا بصت للقنبلة… ثم للولد اللي في حضنها… ثم للأطفال برا.
وفهمت إنهم مش هيلحقوا كلهم.
إيدها اترعشت. لكن فجأة افتكرت أبوها.
“الحقيقة تستحق تضحية.”
رفعت عينها لمازن. وقالت بهدوء موجوع: — “طلّع الأطفال.”
مازن فهم فورًا. — “لا.”
— “مازن… مفيش وقت.”
دموعه نزلت بعنف. — “مش هسيبك.”
نورا قربت منه بسرعة وباسته لأول مرة بصدق كامل.
ثم همست: — “عيش… عشان ساند.”
ودفعته برا الأوضة وقفلت الباب الإلكتروني.
مازن جن جنونه. — “نورااا!”
لكنها كانت بالفعل راجعة للقنبلة.
ساند صحي نص صحوة وهو بيبص لها بخوف: — “ماما؟”
حضنته بقوة. والدموع نازلة على وشه الصغير.
ثم بصت للعداد…
40 ثانية.
وفجأة…
صوت سامي طلع من السماعات: — “ابعدي!”
النور قطع للحظة.
ثم باب الطوارئ الخلفي اتفتح فجأة.
سامي ظهر وسط الدخان.
وشه مليان حروق جديدة، لكنه كان حي.
— “في ممر تهوية تحت السرير!”
بسرعة رهيبة شالوا السرير، وظهر نفق ضيق.
مازن كسر الباب من بره في نفس اللحظة.
والثلاثة دخلوا النفق قبل الانفجار بثواني.
المصحة انفجرت بالكامل.
النار ولعت السما.
والشرطة والإسعاف وصلوا بعد دقائق.
يوسف عز الدين… اختفى.
جثته ما اتلاقتش.
لكن المنظمة اتكسرت.
الملفات اتسربت للعالم كله. وأسماء ضخمة وقعت.
وسامي أخيرًا سلّم نفسه بعد ما أنقذ الأطفال.
أما نورا…
فبعد سنة كاملة…
كانت واقفة على البحر، وساند بيلعب قدامها في الرمل.
مازن قرب منها بهدوء. وفي إيده علبة صغيرة.
ابتسم بتوتر: — “يمكن أكون اتأخرت في كل حاجة… بس عمري ما بطلت أحبك.”
نورا بصت له طويلًا.
ثم بصت لابنها… للبحر… وللسما الهادية أخيرًا.
وأخيرًا، بعد سنين خوف وهروب ونار…
ابتسمت.
النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *