مفاتيح باسمي

لقيت بنتي نايمة في موقف سوبرماركت، وحفيدي في المرتبة الخلفية. وبعدها همست لي: «زوجي وأمه طردوني من البيت اللي إنتي شريتيه»… وساعتها عرفت إنهم ما كانوا يدرون هم دخلوا حرب مع مين.

بنتي ما كانت تزور ذاك الموقف.

كانت تعيش فيه.

لقيتها نايمة على كرسي السواق، راسها مايل على القزاز، شعرها متشابك، ووجهها عليه تعب ما يجي من ليلة وحدة سيئة. في الخلف، كان حفيدي نايم تحت بطانية باهتة، متكور على نفسه كأن السيارة صارت غرفته.

كأن هذا الشي صار أكثر من مرة.

وقفت عند الباب ثواني، أطالع من خلال الزجاج، أحاول أخلي عقلي يستوعب اللي عيني تشوفه.

بعدين دقيت.

مرة.

مرتين.

لما فتحت دليلة عيونها وشافتني واقفة هناك، ما ابتسمت ابتسامة البنت يوم تشوف أمها فجأة.

انرعبت.

مو تفاجأت.

انرعبت.

رعب إنسانة شايلة فوق صدرها شيء أكبر منها بكثير، وساكتة عنه من زمان.

نزلت القزاز كم سنتيمتر بس.

وقالت الجملة اللي شقت صدري نصين.

«زوجي وأمه طردوني من البيت اللي إنتي شريتيه.»

لين اليوم ما أدري وش اللي وجعني أكثر.

الكلام نفسه.

ولا الطريقة اللي قالته فيها، كأنها فعلاً مصدقة إنها ما لها حق بأي شيء.

بنتي عمرها واحد وثلاثين سنة.

سنين وهي تشتغل معلمة ابتدائي. ذكية، قوية، من النوع اللي يحل كل شيء بدون ما يطلب مساعدة من أحد. هي البنت اللي كانت تضحك وسط المصيبة وتقول: «بنلقى لها حل.»

ومع ذلك كانت هناك.

نايمة في موقف سوبرماركت مع ولدها أبو خمس سنوات، والشمس آخر العصر تحرق الإسفلت، والناس تمشي بعربات التسوق جنبهم كأن الدنيا طبيعية.

بس ولا شيء كان طبيعي.

مو بعد اللي شفته.

قبل خمس سنوات، يوم تزوجت يوجين، أعطيتها الشي الوحيد اللي احتجت عمر كامل عشان أفهم قيمته.

الأمان.

بعت قطعة أرض ورثتها، واشتريت بيت حلو بسور وحوش وثلاث غرف. خليت الصك باسمي، لكن عطيتهم المفاتيح وقلت لهم ابنوا حياتكم هناك. كنت أبي بنتي تملك شيء أنا ما ملكته يوم كنت صغيرة.

بيت ما يقدر أحد ياخذه منها.

أذكر يوم سلمتهم المفاتيح.

دليلة بكت.

يوجين ضمني وقال: «ما راح أخذلك أبد.»

بعض الوعود ما تنكسر بصوت عالي.

تنتظر.

وبعد سنين، تنهار بثقل كل الثقة اللي حطيتها فيها.

مع الوقت، بنتي صارت تزورني أقل.

في البداية قلت لنفسي: زواج.
ثم قلت: أمومة.
ثم قلت: تعب.

وبعدين ظهرت أمه.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *