مفاتيح باسمي

شيء مهم.

شيء يمكن هم نسوه.

فسألتها السؤال اللي كنت أخاف من جوابه.

«عندك الرسائل؟»

ترددت دليلة.

ثواني بس.

لكن كانت كافية عشان أعرف إن الحقيقة أسوأ مما تخيلت.

فتحت جوالها.

دخلت محادثة يوجين.

نزلت بالشاشة.

كان التاريخ موجود.

والوقت موجود.

وأول رسالة مكتوب فيها:

«لمي أغراضك واطلعي.»

كملت قراءة.

وكان فيه أكثر.

كلمات ما تنقال لزوجة.

تهديدات مغلفة ببرود.

ورسائل من أمه تقول فيها: «هذا بيت ولدي، وإنتي ضيفة وانتهت ضيافتك.»

لما بدأت دليلة تبكي مرة ثانية، كنت أنا خلاص مددت يدي داخل شنطتي.

طلعت المفاتيح الأصلية.

وحطيتها بهدوء على الطاولة جنب جوالها.

وقلت لها: «هم طردوك من بيت باسمي؟ زين… خلينا نشوف من اللي بيطلع آخر واحد.»

واللي صار بعدها، هو الشي اللي ما توقعوه أبداً…

دليلة رفعت عيونها لي، فيها خوف… وفيها شيء ثاني.
أمل صغير جدًا.
يمكن أول مرة من شهور تحس إن أحد واقف بصفها فعلًا.
أخذت المفاتيح من الطاولة، وقمت.
قلت لها: «البسي عبايتك.»
ارتبكت. «وين رايحين؟»
لبست شنطتي على كتفي، وأخذت ملف البيت من الدرج اللي أحفظ فيه كل أوراقي المهمة.
الصك. العقد. الفواتير باسمي.
ثم التفت لها وقلت: «راجعين بيتك.»
طول الطريق، كانت دليلة ساكتة.
كل شوي تلتفت لي كأنها مو مستوعبة إني فعلًا راجعة معها.
أما أنا… فكنت هادئة بشكل أخافني.
لأن بعض الغضب، إذا وصل مرحلة معينة، يصير بارد.
وصلنا البيت قبل المغرب.
السيارة اللي اشتريتها لهم قبل خمس سنين كانت واقفة بالحوش. والستائر اللي اختارتها بنتي بيدها كانت لسه بالشبابيك.
كل شيء يخصها…
ومع ذلك خلوها تنام بموقف سوبرماركت.
دقيت الباب.
مرة وحدة فقط.
فتحته أم يوجين.
أول ما شافتني، تغير وجهها.
لكنها بسرعة رجعت ابتسامتها المصطنعة وقالت: «ياهلا… لو دقيتي كان—»
قاطعتها وأنا أمشي للداخل: «وين يوجين؟»
حاولت توقفني. «هذا مو وقت مناسب.»
لفيت لها ببطء.
«البيت باسمي. الوقت اللي يناسبني أنا.»
صمتت.
وهنا عرفت إنهم أخيرًا بدوا يفهمون المشكلة.
دخل يوجين من الصالة، وعلى وجهه ذاك التعبير المستفز اللي يسويه الناس لما يظنون إن عندهم السيطرة.
لكن أول ما شاف دليلة واقفة وراي… اختفت ثقته شوي.
«دليلة، أنا كنت بتصل—»
«لا تتعب نفسك.» قلتها وأنا أفتح الملف وأطلع الصك.
حطيته على الطاولة قدامه.
«تعرف وش هذا؟»
أمه قربت بسرعة، وملامحها بدأت تتوتر.
أما هو فحاول يضحك. «خالتي، لا نكبر الموضوع، هذا بيني وبين زوجتي.»
نظرت له مباشرة.
«لما طردت زوجتك وولدها من بيت مو ملكك… صار الموضوع بيني وبينك.»
الصمت اللي نزل على الصالة كان ثقيل.
دليلة كانت واقفة خلفي تضم ذراعيها حول نفسها. واضح إنها متعودة تدخل أي مواجهة وهي متوقعة تنهزم.
لكن هالمرة لا.
يوجين حاول يهدأ صوته: «هي طلعت بنفسها.»
هنا دليلة أخيرًا رفعت رأسها.
صوتها كان مرتعش… لكنه واضح: «بعد ما قلت لي اطلعي قبل ما أطلعك غصب.»
رميت جوالها على الطاولة. الرسائل كانت مفتوحة.
وجهه شحب.
وأمه تدخلت بسرعة: «أكيد كانت لحظة عصبية، وكل الأزواج—»
«اسكتي.»
قلت الكلمة بهدوء، لكن حتى أنا حسيت حدتها.
أمه سكتت فعلًا.
كملت: «أنتِ قلتي لبنتي إنها ضيفة؟»
ما ردت.
«طيب اسمعيني زين… الضيف الحقيقي هنا هو ولدك.»
يوجين شد فكه. «إنتِ ما تقدرين تطرديني.»
ابتسمت لأول مرة.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم طلعت ورقة ثانية من الملف.
عقد الملكية.
وفيه بند واضح: حق السكن مؤقت وغير قابل للنقل أو التصرف.
يعني قانونيًا؟
البيت لي.
وليس له أي حق فيه.
مديت الورقة ناحيته وقلت: «أقدر.»
لأول مرة… الخوف بان بعينه.
الخوف الحقيقي.
مو خوف خسارة زواج.
خوف خسارة المكان اللي كان عايش فيه مطمئن خمس سنين كأنه ملكه.
أمه بدأت تصرخ: «بعد كل اللي سواه ولدنا لكم؟!»
لفيت لها بسرعة: «وش سوى؟»
سكتت.
لأنها تعرف. كلهم يعرفون.
يعرفون إن بنتي كانت تطبخ، وتنظف، وتتنازل، وتصغر نفسها كل يوم عشان ترضيهم.
ويعرفون إنهم رغم كل هذا… كسروها.
يوجين حاول يقرب من دليلة. «خلينا نتفاهم بعيد عن أمك.»
لكنها تراجعت خطوة.
وهنا فقط فهم.
فهم إن الشي اللي انكسر فيها… يمكن ما يرجع.
طلعت هاتفي واتصلت بشخص واحد.
المحامي.
قلت بهدوء وأنا أنظر مباشرة ليوجين: «أبغى أبدأ إجراءات إخلاء رسمية… وأرفع طلب حضانة مؤقتة بسبب الطرد والإساءة النفسية.»
أمه شهقت.
أما يوجين… فوقف يطالعني كأنه يشوفني لأول مرة.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانت هنا.
لأن وسانتياغو، اللي كان ساكت طول الوقت عند الباب… ترك يد أمه فجأة.
ومشى لين وقف قدام أبوه.
ثم قال بصوت طفولي صغير هز البيت كله:
«ليش خليت ماما تبكي وتنام بالسيارة؟»
ولا أحد جاوبه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *