امي التي خدعتني ج3

بعد العزيمة بأيام، كنت أظن إن القصة خلاص انتهت.
إن كل واحد أخذ درسه، وإن الحياة أخيرًا هدأت علينا.
لكن بعض الأسرار… ما تطلع إلا بعد ما تظن إنك تجاوزت كل شيء.
في صباح هادئ، كنت أرتب المخزن القديم بالحوش. الصندوق الخشب اللي ما فتحته من سنوات كان مليان أوراق قديمة تخص أبو نورة.
دفاتر. فواتير. رسائل. وصور صفراء أطرافها متآكلة.
وأثناء ترتيبي، طاح ظرف صغير خلف الصندوق.
كان مغبر بشكل واضح، ومكتوب عليه بخط زوجي:
“يفتح إذا رجعت نورة للبيت بقلبها.”
وقفت مكاني.
حتى يدي بردت.
ناديت: “نورة.”
جت تركض وهي مستغربة.
ولما شافت الخط… شهقت.
جلسنا جنب بعض بالحوش، وفتحنا الظرف ببطء.
داخله رسالة قصيرة… ومفتاح.
الرسالة كانت تقول:
“إذا وصلتم لهذي الرسالة، فمعناه إن الله جمعكم بعد تعب طويل. والمفتاح هذا لصندوق صغير بالمزرعة القديمة.”
المزرعة القديمة.
المكان اللي كان أبو نورة يروح له دائمًا قبل مرضه، ثم انباع بعد وفاته بسنوات.
لكن المفتاح؟ وش بقى هناك أصلًا؟
في اليوم التالي، ركبنا السيارة أنا ونورة وسالم وريان، ورحنا للمزرعة القديمة خارج الديرة.
المكان كان شبه مهجور. النخل يابس ببعض الجهات، والسور مكسور.
لكن قلبي دق بقوة أول ما نزلت.
كأن الذكريات كانت تنتظرني هناك.
مشينا للمستودع الصغير الخلفي، والمفتاح فعلًا فتح الباب الصدئ.
داخل المستودع كان فيه صندوق معدني قديم.
فتحناه…
وللحظة، محد تكلم.
داخله أشرطة كاسيت قديمة، وبعض الذهب البسيط، ودفتر أسود.
أخذت الدفتر وفتحته.
وكان يوميات زوجي.
كل صفحة فيها تاريخ… وكلام كتبه طوال سنوات مرضه الأخيرة.
عن خوفه علي. عن نورة. عن الوحدة بعده.
لكن الصفحة اللي كسرتنا كلنا كانت الأخيرة.
كتب فيها:
“إذا أخطأت نورة يومًا، لا تخلون الخطأ يسرقها منكم. الناس أحيانًا يضيعون وهم يظنون إنهم ينجون.”
نورة انفجرت بالبكاء.
حتى سالم غطى وجهه بيده.
وأكمل أبو نورة في السطر الأخير:
“وأنتِ يا أم نورة… أعرف إن قلبك بيتعب، لكنه أقوى بيت عرفته بحياتي.”
ما قدرت أكمل القراءة.
حضنت الدفتر لصدري وبكيت لأول مرة بدون أحاول أكون قوية.
ريان اقترب بهدوء وسأل: “ستي… جدي كان يحبكم كثير صح؟”
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت: “كان يحبنا بطريقة تخلي أثره يعيش حتى بعد موته.”
رجعنا البيت قبل المغرب.
وفي تلك الليلة، اجتمعنا بالحوش.
شغل سالم أحد أشرطة الكاسيت القديمة بمسجل صغير جابه من السوق.
وفجأة… طلع صوت أبو نورة.
واضح. دافئ. كأنه جالس معنا.
كان يسجل خواطره العادية، يضحك أحيانًا، يتكلم عن الزرع، وعن نورة وهي صغيرة، وعنّي وأنا أزعل إذا نسي يجيب الخبز.
ضحكنا… وبكينا بنفس الوقت.
أما أنا، فكنت جالسة أسمع صوته وأحس إن الغياب مو دائم مثل ما نظن.
بعض الناس يتركون وراءهم حب يكمل يعيش عنهم.
وقبل ما ينتهي التسجيل، قال أبو نورة جملة خلت الحوش كله يسكت:
“إذا سمعتوا صوتي يومًا… فمعناه إنكم رجعتوا لبعض، وهذا أهم من أي فلوس بالدنيا.”
ونظرت حولي.
لنورة. لسالم. لريان.
ثم رفعت عيني لشجرة الليمون اللي كبرت معنا كل هالسنين…
وأخيرًا حسيت إن البيت اكتمل من جديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *