قطفي قعده فتح وصيه جوزي ج٢

الرجل العجوز فضل واقف على باب الفيلا وهو ماسك الظرف بإيدين مرتعشتين.
بصيتله باستغراب وقلت:
— حضرتك مين؟
تنهد تنهيدة طويلة وقال:
— اسمي عم حسن… كنت السواق الخاص بوالد كريم زمان. اشتغلت عند العيلة أكتر من تلاتين سنة. وكريم قبل ما يموت بأسبوعين استدعاني بنفسه وسلمني الظرف ده.
حسيت قلبي بيدق أسرع.
— وقالك إيه؟
— قالي: “لو نادية عرفت الحقيقة دلوقتي هتتوجع… استنى لحد ما الوصية تتقري وبعدين سلمها الظرف.”
سكت لحظة وبص للأرض.
— واضح إن الوقت جه.
خدت الظرف من إيده.
كان قديم فعلًا.
ومتقفل بالشمع الأحمر.
دخلت الصالون وقفلت الباب ورايا.
قعدت على الكنبة اللي كنت أنا وكريم بنقضي عليها ساعات طويلة كل ليلة.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الظرف.
جواه مجموعة أوراق وصورة قديمة.
وأول ما شفت الصورة…
شهقت.
الصورة كانت لكريم وهو شاب صغير في أوائل العشرينات.
واقف جنب بنت صغيرة عمرها يمكن خمس سنين.
وكان حاضنها بحنان غريب.
تحت الصورة مكتوب بخط إيده:
“أول مرة شفت فيها أختي.”
وقفت فجأة.
أختي؟
كريم عمره ما قال إن عنده

أخت.
فتحت أول ورقة بسرعة.
وكانت رسالة طويلة.
“يا نادية…
لو بتقري الكلام ده دلوقتي، يبقى فيه سر أخفيته عن العالم كله تقريبًا.
حتى عنك.
وأتمنى تسامحيني بعد ما تعرفيه.”
بلعت ريقي وأنا بكمل.
“لما كان عندي عشرين سنة، والدي اتجوز سرًا قبل ما يتجوز والدتي.
الجواز ده استمر شهور قليلة وانتهى بسرعة.
لكن نتج عنه طفلة صغيرة اسمها سلمى.
العيلة كلها أخفت وجودها.
خصوصًا جدي.
لأنهم كانوا خايفين على السمعة وعلى الميراث.”
حسيت بصدمة جديدة تضربني.
كريم كان عنده أخت من أبوه!
كملت القراءة.
“سلمى اتربت بعيد عننا.
وأنا ماعرفتش بوجودها غير وأنا عندي اتنين وعشرين سنة.
ومن يومها حاولت أساعدها في السر.”
بدأت أفهم ليه كريم كان أحيانًا يختفي يوم كامل ويقولي عنده شغل.
ليه كان بيعمل تحويلات مالية مش بيحب يتكلم عنها.
ليه كان دايمًا يقول:
“في ناس مسؤوليتي حتى لو ماحدش يعرف.”
وصلت للصفحة التانية.
لكن السطور الجاية خلت أنفاسي تتوقف.
“من ثلاث سنين…
اكتشفت إن سلمى اتوفت.”
دموعي نزلت لوحدها.
كملت.
“لكنها سابت بنت.”
تجمدت مكاني.
“بنت عمرها وقتها ستاشر سنة.
اسمها ليلى.”
رفعت الصورة التانية الموجودة في الظرف.
كانت صورة بنت مراهقة جميلة.
ملامحها شبه كريم بشكل غريب.
نفس العيون.
نفس الابتسامة.
نفس الطيبة اللي كانت باينة في ملامحه.
وتحت الصورة مكتوب:
“آخر فرد من دمي.”
في الصفحة التالية كتب كريم:
“يا نادية…
أنا ماقدرتش أخلف.
لكن طول عمري كنت حاسس بمسؤولية تجاه ليلى.
ولذلك خصصت جزءًا من ثروتي ليها في صندوق ائتماني منفصل.
مش لأنها وريثة.
لكن لأنها بنت أختي.”
تنفست ببطء.
على الأقل ماكانش فيه سر خيانة.
ولا حياة مزدوجة.
لكن لسه فيه حاجة ناقصة.
ليه كريم أخفى كل ده؟
وصلت لآخر الصفحات.
وهنا كانت المفاجأة الحقيقية.
“أنا أخفيت الحقيقة لأن في شخص كان بيدور على ليلى من سنين.”
قطبت حاجبي.
“الشخص ده كان شريك قديم لوالدي.
وحاول يستولى على أملاك كتير تخص العيلة.”
وبعدها مباشرة.
“لو الظرف اتفتح…
يبقى غالبًا هو عرف مكانها.”
حسيت برعشة تسري في جسمي.
وفي نفس اللحظة تقريبًا…
رن هاتفي.
رقم غريب.
رديت بتردد.
جالي صوت بنت شابة بتبكي.
— حضرتك مدام نادية؟
— أيوة.
— أنا ليلى.
تجمدت في مكاني.
— ليلى؟
— أيوة… أنا آسفة إني بكلمك فجأة… بس فيه ناس بيطاردوني من يومين.
قلبي انقبض.
— إيه اللي حصل؟
صوتها كان بيرتعش.
— واحد جه بيقولي إنه يعرف جدي الحقيقي… وإن عنده ورق يثبت إن ليا حق في ممتلكات كبيرة… ولما رفضت أسمعه فضل يراقبني.
قمت واقفة فورًا.
وتذكرت كلام كريم في الرسالة.
كأن كل كلمة كتبها كانت بتحصل قدامي بالحرف.
— إنتِ فين دلوقتي؟
قالت عنوانها.
وأول ما سمعت الاسم…
اتسعت عيني من الصدمة.
لأن العنوان كان في نفس المنطقة اللي اتصورت فيها الرسائل المزورة اللي استخدمتها منى في محاولة الاستيلاء على الفيلا.
وفجأة…
بدأت قطع الأحجية كلها تركب جنب بعضها.
منى ماكنتش بتدور على الفيلا بس.
كان فيه حد أكبر منها.
حد بيلعب اللعبة من سنين.
حد عرف أسرار عيلة الشناوي كلها.
واستخدم منى كأداة صغيرة في خطة أكبر بكتير.
بصيت لصورة كريم المعلقة على الحائط.
ولأول مرة من يوم وفاته…
حسيت إنه مازال بيحميني ويوجهني.
مسحت دموعي.
قفلت الملف.
وأخذت مفاتيح العربية.
لأنني أدركت أن جلسة الوصية لم تكن نهاية المعركة…
بل كانت مجرد أول فصل في الحقيقة التي ظل كريم يحاول إخفاءها عشرين سنة كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *