بابا هو الى ضربني

بابا… هو ضربني تاني!.. بعد 20 دقيقة اقتحم أبوها الفيلا وكانت الصدمة أكبر من أي كابوس!بابا… هو ضربني تاني.
همستها بنتي… وبعد عشرين دقيقة كنت واقف جوه قصرهم، ومن اللحظة دي حياتنا كلنا اتغيرت للأبد.
الساعة كانت 104 الضهر، أول يوم عيد، واللواء المتقاعد محمود الشاذلي كان متوقع يقضي يوم هادي في بيته على أطراف القاهرة.
ريحة اللحمة المشوية طالعة من المطبخ، والقهوة السادة لسه سخنة، والبطاطس بالروزماري في الفرن. الشباك مفتوح، والهوا الربيعي داخل، وصوت العصافير مالي الجنينة.
لأول مرة من سنين طويلة…
مفيش أوامر.
مفيش مكالمات طوارئ.
مفيش أزمة لازم يحلها.
التقاعد أخيرًا علّمه يعني إيه يعيش في هدوء.
وفجأة…
موبايله اهتز فوق السفرة.
بص للشاشة…
وابتسم أول ما شاف الاسم.
سارة.
بنته.
رد قبل الرنة التانية.
كل سنة وإنتِ طيبة يا حبيبتي…
لكن ما لحقش يكمل.
بدل صوتها المعتاد…
سمع نفس متقطع.
وبعدين عياط مكتوم.
وبعدها همسة بالكاد اتسمعت
بابا… بالله عليك… تعالى خدني…
محمود اتجمد مكانه.
وبعد ثانية واحدة قالت أربع كلمات خلّت الدم يتجمد في عروقه
هو ضربني تاني…
كوباية القهوة وقعت من إيده واتكسرت على الأرض.
لكن حتى ما بصّش عليها.
فضل واقف كأنه فقد القدرة على الحركة.
سارة كانت متجوزة كريم منصور بقالها ست سنين.
قدام الناس كلها، كريم كان رجل أعمال مشهور، وصاحب شركة كبيرة للأمن السيبراني، وشركته شغالة مع بنوك ومستشفيات وجهات حكومية. الجرائد كانت بتتكلم عنه باعتباره نموذج للنجاح، والجمعيات الخيرية كانت بتشكره على تبرعاته، والبرامج التلفزيونية كانت بتعرضه كأنه الزوج المثالي.
لكن الحقيقة…
ما كانش يعرفها غير سارة.
كان بيتحكم في كل جنيه تصرفه.
يراجع كل رسالة توصلها.
يختار لها هدومها.
يسألها عن أي مكالمة.
وبالراحة… قدر يقنعها إن كل الناس، حتى أبوها، عايزين يخربوا حياتها.
محمود لاحظ التغيير.
بطلت تزوره.
كل عزومة كانت بتتحجج بأي سبب عشان تلغيها.
وكل كدمة كانت ليها حكاية.
وقعت

في الحمام.
خبطت في الدولاب.
اتكعبلت في الكرسي.
كان نفسه يصدقها…
لكن جواه كان عارف إن كل كلمة كدبة بتخبي وجع أكبر.
قال بسرعة وهو بيدور على مفاتيح عربيته
إنتِ فين دلوقتي؟
ردت بصوت مرتعش
في البيت…
وسكتت لحظة، قبل ما تكمل
المرة دي أسوأ يا بابا… هو…
فجأة…
صرخت.
وبعدين صوت حاجة معدنية وقعت على الأرض.
وبعدها صوت راجل بيزعق بغضب
إنتِ غبية ولا إيه؟!
وفجأة…
الخط اتقفل.
محمود فضل يبص للموبايل.
ولا اتصال رجع.
ولا رسالة.
ولا أي حاجة.
في أقل من ثانية كان خارج من المطبخ.
خطف مفاتيح عربيته القديمة، نصف نقل موديل 98، العربية اللي استحملت معاه سنين الخدمة والسفر وما خذلتوش يوم.
لكن قبل ما يفتح باب البيت…
وقف قدام دولاب خشب قديم في طرقة البيت…
محمود فتح الدولاب بإيده اللي كانت بترتعش لأول مرة من سنين.
على الرف العلوي كان صندوق حديد صغير.
فتح القفل بسرعة…
طلع منه مسدسه المرخص، لكن فضل يبصله ثواني.
تنفس ببطء…
ورجعه مكانه.
قال لنفسه بصوت منخفض
أنا رايح أرجّع بنتي… مش رايح أفتح حرب.
قفل الصندوق، وخد بدلًا منه ملف بني قديم.
الملف ده كان فيه كل حاجة جمعها خلال السنتين اللي فاتوا.
صور لسارة وهي بتحاول تخفي كدماتها.
تقارير طبية كانت بتقول سقوط عرضي.
ورسائل قصيرة كانت بتمسحها بعد ما تبعتها بدقايق، لكنه كان مصورها قبل ما تختفي.
من وقتها وهو حاسس إن اليوم ده هييجي…
لكن عمره ما تخيل إنه هيكون بالسرعة دي.
رماه على الكرسي اللي جنبه في العربية، وداس البنزين.
…
الطريق كان شبه فاضي بسبب العيد.
العربية القديمة كانت بتتهز مع كل مطب، لكن محمود ما رفعش رجله من على البنزين.
كل إشارة…
كل دقيقة…
كانت بالنسباله ممكن تفرق بين حياة وموت.
حاول يتصل بسارة.
مرة.
اتنين.
عشرة.
الموبايل مقفول.
اتصل بكريم.
الخط رن…
وبعدين اتقفل.
بعد دقيقة وصلت رسالة.
إحنا مشغولين دلوقتي… هكلم حضرتك بعدين.
ابتسامة باردة ظهرت على وش محمود.
يبقى لسه قادر يمسك الموبايل.
زاد السرعة أكتر.
…
بعد حوالي
خمس عشرة دقيقة، وهو داخل شارع الفيلا، لاحظ حاجة خلت إحساسه بالخطر يزيد.
كل العربيات قدام البيت موجودة.
عربية كريم.
عربية السواق.
وعربية الحارس.
لكن…
بوابة الفيلا كانت مفتوحة نص فتحة.
وده عمره ما كان بيحصل.
وقف عربيته بعيد شوية.
نزل بهدوء.
ولاحظ إن الحارس اللي دايمًا بيقف على البوابة… مش موجود.
لف حواليه بسرعة.
ولا أي أثر ليه.
سكون غريب كان مغطي المكان.
لا صوت موسيقى.
لا صوت ضحك.
حتى الكلاب اللي كانت بتملأ الجنينة نباح…
مختفية.
محمود حس إن في حاجة غلط أكبر بكتير من مجرد خناقة بين زوجين.
قرب من الباب الرئيسي.
كان مفتوح هو كمان.
مد إيده…
ودفعه بهدوء.
صرير الباب قطع الصمت.
دخل خطوة…
واتنين…
وبعدين وقف مكانه.
الأرضية الرخامية اللامعة كان عليها آثار زجاج مكسور.
كرسي مقلوب.
مزهرية متحطمة.
وفي آخر الممر…
كان فيه خيط رفيع جدًا من الدم، كأنه حد كان بيجرّ رجله وهو ماشي.
محمود حس قلبه بينزل في رجليه.
رفع صوته لأول مرة
سارة!
ماحدش رد.
لكن بعد ثواني…
سمع صوت خافت جدًا.
صوت خبطة…
جاية من الدور العلوي.
رفع عينه ناحية السلم.
وفي نفس اللحظة…
شاف ظل شخص واقف في آخر الطرقة فوق… بيراقبه من غير ما يتحرك.
ولما محمود حاول يركز في ملامحه…
الظل اختفى فجأة، كأنه ما كانش موجود أصلاً…محمود اندفع ناحية السلم من غير ما يفكر.
سنين الخدمة علمته إن الخوف بيتأجل…
لكن الوقت عمره ما بيستنى.
طلع أول درجة…
وبعدين التانية…
وكل خطوة كانت بتكشف تفاصيل أكتر.
على الدرابزين…
كان فيه آثار خدوش جديدة، كأن حد كان بيتشبث بيه بكل قوته.
وعلى السجادة…
نقطة دم…
وبعدين نقطة تانية…
وبعدين اختفت.
وصل لنص السلم.
وفجأة…
سمع صوت أنين خافت.
صوت بنت.
بابا…
قلبه دق بعنف.
سارة!
جرى آخر كام درجة دفعة واحدة.
فتح أول أوضة…
فاضية.
التانية…
مكتب كريم.
اللاب توب مفتوح، والشاشة شغالة على كاميرات مراقبة من كل ركن في الفيلا.
أكتر من عشرين كاميرا.
كاميرا الجنينة.
كاميرا المطبخ.
كاميرا
الممرات.
وحتى…
كاميرا داخل أوضة النوم.
محمود وقف مذهول.
كان بيراقبها في كل نفس…
لكن ما كانش عنده وقت.
خرج بسرعة.
وفي آخر الطرقة…
شاف باب مقفول.
الباب الوحيد اللي كان عليه قفل إلكتروني.
وقبل ما يقرب منه…
سمع خبطة قوية من وراه.
لف بسرعة…
لكن الممر كان فاضي.
ثانية بعدها…
النور طفى.
الدور كله غرق في ضلمة كاملة.
صوت تكة إلكترونية اتسمع.
وبعدين صوت راجل خارج من سماعات مخفية في السقف.
هادئ…
بارد…
ومستفز.
أهلاً يا سيادة اللواء.
محمود ثبت مكانه.
الصوت كمل
كنت عارف إنك هتيجي… لذلك حضرت استقبال يليق بيك.
محمود بص حواليه وهو بيحاول يحدد مصدر الصوت.
كريم! لو راجل اطلع قدامي!
ضحكة قصيرة اترددت في الممر.
العصبية مش هتفيدك… لأن كل خطوة بتاخدها من ساعة ما دخلت الفيلا… متصورة.
في اللحظة دي…
الشاشات الصغيرة اللي كانت معلقة على الحيطان اشتغلت مرة واحدة.
كل شاشة جابت زاوية مختلفة لمحمود.
واقف.
ماسك الملف.
بيبص حواليه.
كأنه هو اللي تحت المراقبة.
ثم ظهر وجه كريم على كل الشاشات.
كان مبتسم…
بهدوء غريب.
وقال
لو قربت خطوة واحدة من الباب اللي قدامك… في حد هيتأذى.
وقبل ما محمود يرد…
جاله صوت خافت جدًا…
خارج من ورا الباب المقفول.
بابا… متفتحش…
لكن اللي خلّى الدم يتجمد في عروقه…
إن الصوت اللي سمعه بعد همسة سارة مباشرة…
ماكانش صوت كريم.
كان صوت طفل صغير بيبكي… وكأنه محبوس معها داخل الغرفة محمود اتجمد مكانه.
طفل؟
سارة وكريم عمرهم ما خلفوا.
إذن… مين الطفل اللي بيعيط؟
قرب من الباب خطوة واحدة، وهو بيحاول يسمع.
صوت سارة رجع تاني… أضعف من الأول.
بابا… امشي… بالله عليك امشي…
لكن بكاء الطفل كان بيزيد.
محمود حس إن في حاجة مش راكبة.
سارة عمرها ما كانت هتطلب منه يسيبها.
إلا لو كانت خايفة عليه.
رفع عينه ناحية كاميرا صغيرة فوق الباب.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال بصوت عالي، وهو عارف إن كريم بيسمعه
لسه بتلعب ألعاب نفسية يا كريم؟
ثواني…
وإجابة كريم خرجت من
السماعات.
وأنت لسه فاكر إنك أذكى واحد في المكان.
محمود ما ردش.
بدل كده، بدأ يبص في الممر كله.
كل كاميرا.
كل حساس حركة.
كل فتحة تهوية.
كلها متوزعة بدقة.
ابتسم تاني.
إذن… كل اللي بيحصل متخطط له.
وفجأة…
نزل على ركبة واحدة.
وكأنه بيربط رباط الجزمة.
لكن

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *