الجنينان والاختيار الذي لا يرحم شروق خالد ج١
الست اللي دمرت حياتك؟
الكلام ضرب ذكرى مدفونة جواه.
رخامة مطبخ.
ملف مقفول.
وش نيرمين وهو مليان دموع.
أنا معملتش كده يا كمال بالله عليك اسمعني.
وصوته هو بارد لدرجة تقتل جواز أنا مبقتش أعرفك.
في آخر المطعم، نيرمين رفعت عينيها.
عيونهم اتقابلت.
المكان كله كان بيتحرك، بس بالنسبة لكمال، الصوت اختفى.
نيرمين ثبتت للحظة. وجع سريع عدى على وشها لدرجة أغلب الناس مكانوش هيلحظوه.
بس هو لاحظه.
كان حافظ وشها زمان. حافظ الطريقة اللي بتخبي بيها زعلها وهي رافعة دقنها. حافظ إزاي كانت تبلع دموعها قبل ما تنزل.
وبعدين بصت بعيد.
وكملت شغلها مش لأنها بخير، لكن لأنها مجبرة.
وقفت عند ترابيزة جنب الشباك فيها أربع أشخاص. راجل ببدلة رمادي فرقع صوابعه قبل ما تتكلم.
يا آنسة!
نزلت الصينية بهدوء. آسفة على التأخير يا فندم.
الراجل بص لها من فوق لتحت، وبعدين على بطنها. المكان ده كان عنده مستوى أحسن من كده.
الست اللي معاه ضحكت ضحكة صغيرة.
صوابع نيرمين شدت على الصينية.
كمال حس فكه بيقفل بعنف.
ليلى قربت منه متدخلش دي مش مشكلتنا.
بس هو مقدرش يتحرك.
الراجل رفع الكاس وبص باشمئزاز. ده غلط.
قالت بهدوء أقدر أغيره لحضرتك.
كان المفروض تجيبيه صح من الأول.
فاهمة.
لا، واضح إنك مش فاهمة. صوته علي لدرجة الترابيزات اللي جنبهم سمعته. الناس بتدفع فلوس محترمة هنا. مش المفروض نشحت خدمة محترمة.
وش نيرمين فضل ثابت، بس كمال شاف الإرهاق في عينيها. شاف التعب. شاف الحمل اللي شايله فوق كتافها.
ولأول مرة من تلات سنين القصة اللي كان مصدقها بدأت تتكسر.
نيرمين مكانتش شكل واحدة سرقته وهربت.
كانت شكل واحدة اترمت تواجه الدنيا لوحدها.
الراجل زق كرسيه وقام. بصيلي وأنا بكلمك.
رفعت عينيها وقالت قلت لحضرتك هغيره.
ضحك بسخرية أسلوبك يفسر كل حاجة.
كمال أخد خطوة لقدام.
ليلى مسكت كم الجاكيت بتاعه. بلاش.
بصلها فقامت سايبة إيده فورًا.
الراجل مد إيده ومسَك رسغ نيرمين وهي بتحاول تمشي.
الصينية اتهزت.
كاس وقع.
واتكسر على الأرض بصوت قطع المطعم كله.
كل الناس بصت.
نيرمين شهقت وسحبت إيدها، لكنه فضل ماسكها.
شوفتي عملتي إيه؟!
كمال وصل عندهم قبل أي حد.
إيده قفلت على رسغ الراجل بثبات مرعب. سيبها.
الراجل بصله بضيق وبعدها عرفه.
أستاذ كمال! والله أنا بس كنت بطلب خدمة محترمة.
كمال شال إيده عن نيرمين بعنف هادي. قلت سيبها.
المطعم كله سكت.
نيرمين كانت واقفة قريبة كفاية إنه يشوف الإرهاق تحت عينيها. قريبة كفاية يشوف رعشة إيدها قبل ما تخبيها ورا الصينية.
مش شكرته.
مش حتى ابتسمت.
بصتله كأن وجوده بيوجع أكتر من إهانة الراجل.
ليلى جريت عليهم ووشها محروق من الإحراج. كمال، الناس كلها بتتفرج.
مبصلهاش حتى.
الضيف عدل الجاكيت بتاعه وقال بسخرية هي تبقى إيه بالنسبة لك أصلًا؟
حكايات شروق خالد
كمال سكت.
لكن الصمت بتاعه كان أخطر من أي رد.
المطعم كله مستني.
المستثمرين واقفين بعينيهم عليه. المدير متوتر. ليلى وشها بقى شاحب من الرعب. حتى العاملين وقفوا مكانهم.
ونيرمين كانت واقفة وسطهم حاسة إن الأرض بتسحب نفسها من تحت رجليها.
الراجل كرر بسخرية سألتك مين دي بالنسبة لك؟
كمال بص لنيرمين للحظة طويلة.
وفي اللحظة دي، كل الذكريات رجعت مرة واحدة.
ليلة كتب الكتاب.
إيديها وهي بترتعش جوه إيده.
ضحكتها وهي بتجري تحت المطر.
وآخر ليلة بينهم لما رماها بالخيانة من غير ما يسمعها.
بلع ريقه وقال بصوت منخفض لكنه واضح دي مراتي.
ليلى شهقت. كمال
بصلها بعين باردة فسكتت فورًا.
الراجل ضحك باستهزاء. مراتك السابقة تقصد.
كمال رد من غير ما يحول عينه عن نيرمين وده ميخصكش.
إيد نيرمين شدت على الصينية أكتر. لو سمحت متعملش مشهد.
صوتها كان هادي، لكنه مليان تعب.
كمال أخيرًا بص لبطنها.
قلبه دق بعنف.
الحسابات كلها ضربت في دماغه مرة واحدة.
مدة الطلاق.
آخر مرة كانوا مع بعض.
تاريخ سفره.
وتاريخ الحمل.
حس الدم بينسحب من وشه.
قال بهدوء مخيف إنتِ حامل من كام شهر؟
نيرمين اتجمدت.
ليلى بصت بينهم بسرعة وفهمت السؤال قبل ما حد ينطقه.
وشها فقد لونه.
كمال قالتها بعصبية.
لكن هو كان مركز مع نيرمين وبس.
نيرمين ردت بعد ثواني طويلة ده مش مكان الكلام ده.
جاوبي.
ملكش دعوة.
الجملة ضربته أكتر مما توقع.
هو كان متعود إن الناس تخاف منه تسمع كلامه ترد فورًا.
لكن نيرمين الوحيدة اللي كانت دايمًا تقدر توقف قدامه من غير خوف.
حتى دلوقتي.
الراجل الغني اللي كان ماسك فيها قبل شوية قال بضيق ممكن نرجع لعشانا بقى؟ واضح إن عندكم دراما عائلية
كمال لف له ببطء.
نظرة واحدة خلت الراجل يسكت.
المدير جري بسرعة أستاذ كمال، إحنا آسفين جدًا، والآنسة نيرمين هتتنقل فورًا من الصالة
لا.
الكل بص له.
كمال قال ببرود محدش هيلمّسها.
المدير اتوتر بس العملاء
لو عندك مشكلة، يبقى معايا أنا.
المستثمرين على الترابيزة الرئيسية بدأوا يهمسوا لبعض. الوضع كله بيتحول لفوضى علنية.
ليلى قربت من كمال وهي بتحاول تبتسم للناس حواليهم. إنت بتبوظ الليلة كلها.
مش فارق.
أول مرة تسمع منه الكلمة دي.
ليلى وشها اتشد بعصبية عشان نادلة؟
الجملة خرجت قبل ما تفكر.
وساعتها عيون المطعم كلها راحت لنيرمين.
لكن نيرمين مرفعتش صوتها.
ولا حتى اتعصبت.
بس بصت لليلى بنظرة هادية موجوعة وقالت على الأقل أنا بشتغل بشرف.
الصمت نزل على المكان كله.
ليلى فتحت بقها مصدومة. إنتِ
كفاية.
كمال قالها بحدة.
نيرمين اتحركت تمشي، لكن فجأة وشها اتغير.
إيد راحت لبطنها بسرعة.
الصينية وقعت من إيدها.
كمال اتحرك ناحيتها فورًا قبل ما تقع.
مسكها من وسطها وهي بتاخد نفسها بصعوبة.
نيرمين!
وشها كان أبيض.
أنفاسها سريعة.
حاولت تبعده سيبني
لكنه حس بجسمها بيرتعش بين إيديه.
المدير اتوتر حد يطلب إسعاف!
واحدة من العاملات قربت بخضة هي طول اليوم تعبانة وقالت إنها حاسة بدوخة.
كمال بص لها بصدمة. طول اليوم؟
البنت هزت راسها بتردد هي شغالة شيفتات زيادة من أسبوعين
حاجة جواه اتكسرت.
بص لنيرمين اللي كانت بتحاول توقف على رجليها بالعافية.
مراته السابقة.
الست اللي كانت زمان بتعيش في قصره.
دلوقتي بتشتغل وهي حامل لحد ما جسمها ينهار وسط الناس.
قرب وشه منها وقال بصوت منخفض إنتِ لوحدك؟
نيرمين ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة.
وبعدين قالت الجملة اللي دمرت كل اللي واقفين في المكان
أكيد لوحدي أصل أبو ابني رماني لما كنت محتاجاه.
الجملة نزلت على كمال كأن حد ضربه في صدره.
المطعم كله سكت.
حتى صوت المعالق اختفى.
ليلى بصت له ببطء والمستثمرين بقوا مركزين في كل تفصيلة كأنهم بيتفرجوا على فضيحة مباشرة.
كمال كان لسه ماسك نيرمين بين إيديه، لكن إيده ارتخت للحظة من الصدمة.
إنتِ صوته خرج مبحوح. الطفل ابني؟
نيرمين غمضت عينيها كأن السؤال أتعبها أكتر.
متسألش سؤال إنت عارف إجابته.
قلبه خبط بعنف.
آخر ليلة بينهم رجعتله كاملة.
الليلة اللي اتخانقوا فيها بسبب الملف المسروق من الشركة. الليلة اللي اتهمها إنها باعت أسراره لمنافسينه. الليلة اللي خرجت فيها من البيت وهي بتعيط، وهو سايبها تمشي من غير ما يمنعها.
بعدها بأسبوع الطلاق تم.
وبعدها عمره ما حاول يسمعها.
كمال حس نفسه مش قادر يتنفس.
ليه مخبتيش؟
ضحكت بمرارة وهي بتحاول توقف على رجليها. كنت هقول لمين؟ للراجل اللي قالي إني خسارة فيه؟
عيونه نزلت على بطنها تاني.
ابنه.
ابنه كان بيكبر جواها وهي بتشتغل ليل ونهار في مطعم.
وابنه كان بيسمع أمه وهي بتتهان من شوية أغنيا وهو واقف يتفرج.
حاجة مظلمة بدأت تتحرك جواه.
ليلى قربت بسرعة وهمست بعصبية إحنا لازم نمشي حالًا. الصحافة ممكن تعرف.
كمال بص لها كأنه شايفها لأول مرة.
صحافة؟
أيوه، الناس كلها بتبص علينا!
وهي كانت بتقع قدامك من شوية.
ليلى اتوترت مش مسؤوليتي.
الجملة خلت نيرمين تضحك ضحكة صغيرة متعبة وهي بتهز راسها.
كمال بصلها بحدة إنتِ ساكنة فين؟
ملكش دعوة.
بطلي تعاندي.
وأنت تبطل تتحكم في حياتي.
المدير قرب بتوتر أستاذ كمال الإسعاف في الطريق.
لكن نيرمين قالت بسرعة مفيش إسعاف.
كمال لف لها فورًا. إنتِ مش بخير.
عارفة.
يبقى تيجي المستشفى.
ومين هيدفع؟
السؤال قطع الكلام كله.
كمال سكت.
هي كملت بصوت واطي مرتب أسبوعين عندي ميكفيش كشف واحد في مستشفى من اللي حضرتك متعود عليها.
حس بإهانة لنفسه عمره ما حسها قبل كده.
هو