الجنينان والاختيار الذي لا يرحم شروق خالد ج١

كان ملياردير.
يقدر يشتري المطعم كله في لحظة.
لكن الست اللي كانت مراته أم ابنه خايفة من فاتورة مستشفى.
فجأة، واحدة ست كبيرة كانت قاعدة قريب قامت وقالت بصوت عالي البنت وشها أصفر حد يجيب لها كرسي!
العاملين اتحركوا بسرعة.
كمال ساعد نيرمين تقعد، لكنها بعدت إيده فورًا.
الحركة الصغيرة وجعته أكتر من أي إهانة.
ليلى فقدت أعصابها أخيرًا إنت هتفضل مهتم بيها كده قدام الكل؟!
كمال رد من غير ما يبصلها آه.
الكلمة خرجت حادة وصريحة.
ليلى اتجمدت.
إنت بتحرجني.
روحي البيت يا ليلى.
بصتله مصدومة. إنت بتطردني؟
قولت روحي.
وشها احمر من الذل، لكنها لمحت نظرات الناس حواليها، فحاولت تلم نفسها.
قبل ما تمشي، بصت لنيرمين بكره واضح وهمست إنتِ عمرك ما هتعرفي ترجعي مكانك.
نيرمين ردت بهدوء متعب أنا بس بحاول أعيش.
ليلى سابت المكان وهي مخنوقة من الغيظ.
أول ما اختفت، كمال نزل على ركبته قدام نيرمين.
أغنى راجل في المكان كله راكع قدام نادلة حامل.
المنظر لوحده صدم الناس.
قال بصوت واطي ليه موصلتيش ليا؟
نيرمين بصت له ثواني طويلة.
وبعدين قالت وصلت.
حواجبه اتعقدت.
طلعت من جيبها موبايل قديم، فتحت رسالة، ولفت الشاشة ناحيته.
رقم مجهول.
لكن الرسالة كانت منه.
أو بالأصح من مكتبه.
السيد كمال لا يرغب بأي تواصل مستقبلي معك. أي محاولة اتصال أخرى سيتم التعامل معها قانونيًا.
إيده بردت.
رفع عينه ببطء. أنا مشوفتش الرسالة دي قبل كده.
عارفة.
مين بعتها؟
نيرمين بصت ناحية باب المطعم اللي خرجت منه ليلى من شوية.
ولأول مرة
كمال بدأ يفهم إن أكبر خيانة في حياته يمكن ماكنتش من نيرمين أصلًا.
كمال فضل باصص لشاشة الموبايل كأنه شايف كارثة.
الرسالة بتاريخ من سنتين ونص.
يعني بعد طلاقهم بأيام.
إيده قفلت على التليفون بقوة. مين كان ماسك اتصالاتي وقتها؟
نيرمين ردت بتعب سكرتيرتك القديمة وليلى.
اسمها خرج من بقها بهدوء، لكن أثره كان زي السكين.
فجأة تفاصيل كتير بدأت تركب في دماغه.
ليلى كانت أول واحدة جابتله ملف السرقة.
هي اللي أصرت إن نيرمين بتسرب معلومات الشركة.
هي اللي كانت دايمًا موجودة وقت خناقاتهم.
وهي اللي قربت منه أكتر بعد الطلاق مباشرة.
كمال حس بغثيان.
طول السنين دي كان مقتنع إن نيرمين خانته.
بينما هي كانت بتحاول توصله إنه هيبقى أب.
رفع عينه ليها ببطء. إنتِ اشتغلتي هنا من إمتى؟
من سبع شهور.
طول الوقت ده وإنتِ كده؟
ابتسمت ابتسامة مكسورة. الحياة مبتقفش عشان حد يا كمال.
الكلمة ضربته.
زمان كانت بتناديه حبيبي.
دلوقتي اسمه طالع من بقها غريب وبارد.
الإسعاف وصل أخيرًا، لكن نيرمين قامت بسرعة أول ما شافتهم. لا أنا كويسة.
المسعف قرب يا فندم لازم نفحصك.
قولت لا.
لكن جسمها خانها.
أول ما وقفت، ترنحت.
كمال مسكها فورًا.
المرة دي مابعدتش إيده.
يمكن لأنها فعلًا مبقاش عندها طاقة.
قال للمسعفين بنبرة أوامر هنروح مستشفى دلوقتي.
نيرمين هزت راسها بتعب. مش معايا تأمين.
وأنا معايا.
مش عايزة منك حاجة.
قرب منها أكتر وهمس بصوت متكسر لأول مرة بس أنا عايز.
عينها اتهزت للحظة.
كأن الجملة لمست جزء فيها كانت بتحاول تدفنه.
لكن قبل ما ترد، صوت حد قطعهم.
أستاذ كمال!
واحد من المستثمرين كان واقف قريب، وشه متوتر. الإعلام برا المطعم دلوقتي. في ناس صورت اللي حصل.
كمال حتى مالتفتش.
قال وهو باصص لنيرمين يلغوا الاجتماع.
الراجل اتصدم. بس الصفقة
مش فارقة.
المستثمر سكت فورًا.
كل الموجودين لاحظوا حاجة عمرها ما حصلت قبل كده
كمال الدهبي الرجل اللي بيبيع أي حد مقابل شغله ساب صفقة بمليارات عشان ست حامل.
وعشان الست دي تحديدًا.
نيرمين لاحظت نظرات الناس، فشدت نفسها وقالت بضعف أنا مش عايزة شفقة.
كمال بص لها بحدة. فاكرة إن ده شفقة؟
أمال إيه؟ إحساس بالذنب؟
معرفش يرد.
لأن الحقيقة كانت أسوأ.
هو كان مرعوب.
مرعوب يكون ظلمها فعلًا.
مرعوب يكون ابنه اتربى جوه تعبها ودموعها وهو بعيد.
ومرعوب أكتر من فكرة إنها ممكن تكرهه للأبد.
المسعف قال بجدية ضغطها واطي جدًا. لازم تتحرك حالًا.
كمال خلع معطفه وحطه على كتف نيرمين.
الحركة رجعتلها ذكرى غصب عنها.
زمان أول شتاء بعد جوازهم عمل نفس الحركة وهي بردانة.
نفس الريحة.
نفس الدفا.
عينيها دمعت فجأة، فلفت وشها بسرعة.
لكن كمال شاف.
وشاف كمان إنها لسه بتوجع.
وفجأة فهم إن جزء منها لسه بيحبه، وده اللي مخلي وجوده مؤلم بالشكل ده.
خرج بيها من المطعم وسط ذهول الناس والكاميرات اللي بدأت تتجمع برا.
أول ما الباب اتفتح، الفلاشات ضربت وشهم.
أستاذ كمال! هل الطفل ابنك؟!
هل رجعتوا لبعض؟!
إيه حقيقة خيانة مراتك السابقة؟!
نيرمين اتجمدت من الرعب.
كمال لف جسمه حواليها فورًا يحميها من الكاميرات.
واحد من الصحفيين صرخ هل صحيح إنها كانت بتشتغل كنادلة عشان تصرف على نفسها؟!
كمال وقف فجأة.
لف ببطء ناحية الصحفي.
ونظرته كانت مرعبة لدرجة إن الشارع كله سكت.
قال بصوت منخفض وخطير أي صورة ليها هتنزل هقفل المؤسسة اللي نشرتها بنفسي.
ولا كاميرا اتحركت بعدها.
فتح باب عربيته بنفسه وساعد نيرمين تركب.
قبل ما يقفل الباب، مسكت دراعه فجأة.
أول مرة تلمسه بإرادتها من سنين.
بصلها بسرعة.
وقالت بصوت مرتعش لو عرفت الحقيقة كلها يا كمال عمرك ما هتسامح نفسك.
حكايات شروق خالد
الكلمة فضلت ترن في ودنه طول الطريق.
عمرك ما هتسامح نفسك.
كمال كان سايق بسرعة وسط شوارع شيكاغو المغطية بالتلج، لكن لأول مرة من سنين، دماغه مكانتش مركزة في الشغل ولا الصفقات.
كانت مركزة فيها.
في الست اللي قاعدة جنبه منهكة، ساندة راسها على الكرسي وعينيها مقفولة بالعافية.
وفي الطفل اللي جواها.
ابنه.
كل شوية كان يبصلها بطرف عينه، كأنه بيتأكد إنها لسه موجودة.
لحد ما لاحظ حاجة.
إيدها.
صوابعها كانت متجمدة وناشفة بشكل يخض.
مد إيده بهدوء وشغل التدفئة أعلى.
نيرمين فتحت عينيها نص فتحة وقالت بتعب مش لازم تعمل كده.
رد من غير ما يبصلها لازم.
سكتت.
بعد عشر دقايق وصلوا مستشفى خاص من أفخم مستشفيات المدينة.
أول ما العربية وقفت، طاقم كامل خرج يجري أول ما عرفوا مين وصل.
لكن كمال نزل الأول ولف ناحية الباب بتاعها بنفسه.
لما حاولت تنزل لوحدها، جسمها خانها تاني.
كمال لحقها وشالها قبل ما تقع.
شهقت بخضة نزلني!
لأ.
الناس بتبص.
يبصوا.
دخل بيها المستشفى وسط ذهول الموظفين.
الممرضات كانوا بيبصوا لنيرمين بدهشة.
كلهم عارفين مين كمال الدهبي.
بس محدش عمره شافه شايل حد بالشكل ده.
الدكتور دخلهم أوضة الفحص بسرعة.
هي في الشهر السابع تقريبًا قال وهو بيراجع المؤشرات. واضح إنها تحت ضغط شديد وسوء تغذية.
كمال حس الكلمة خبطته.
سوء تغذية؟
بص لنيرمين بصدمة.
هي بصت بعيد.
الدكتور كمل وكمان في إرهاق واضح. محتاجة راحة فورًا.
كمال سأل بصوت منخفض والبيبي؟
الدكتور رفع عينه في خطر لو الضغط ده استمر.
قلبه وقع.
حرفيًا حس بالخوف لأول مرة من سنين.
مش خوف خسارة فلوس.
خوف فقدان.
الدكتور خرج يجهز التحاليل، وسابهم لوحدهم.
الأوضة بقت هادية بشكل مؤلم.
كمال قرب ببطء. إنتِ مكنتيش بتاكلي كويس؟
نيرمين ضحكت بسخرية خافتة. كان عندي أولويات أهم.
زي إيه أهم من صحتك؟
بصتله مباشرة لأول مرة من المطعم. الإيجار. العلاج. تجهيزات البيبي.
كل كلمة كانت بتخبط فيه.
قعد قدامها وقال بصوت مبحوح ليه معملتيش قضية نفقة؟
ابتسمت بمرارة. عشان كنت هثبت إزاي إن الطفل ابنك؟
تحليل.
والمحامين بتوعك كانوا هيخلوا حياتي جحيم.
سكت.
لأنها عندها حق.
هو كان وقتها وحش.
مكسور وغضبان ومقتنع إنها خانته.
وكان ممكن يدمر أي حد يقف قدامه.
نيرمين بصت لسقف الأوضة وقالت بهدوء أنا كنت تعبانة يا كمال ومفيش طاقة عندي أحاربك.
الجملة كسرت آخر حاجة جواه.
نزل بعينه للأرض.
أول مرة في حياته يحس بالخجل من نفسه.
وفجأة الباب خبط بعنف.
السكرتيرة الجديدة دخلت بسرعة ووشها متوتر. أستاذ كمال في مشكلة.
رفع عينه بضيق. إيه؟
بلعت ريقها الصحافة نشرت الصور.
ورفعت التابلت قدامه.
العنوان كان ضخم
الملياردير كمال الدهبي يظهر مع زوجته السابقة الحامل ومصادر تؤكد أن الطفل ابنه.
تحت العنوان عشرات الصور.
صورته وهو شايلها.
وهو حاضنها يحميها من الكاميرات.
وهو باصصلها كأن الدنيا كلها واقفة عليها.
نيرمين وشها شحب فورًا. يا نهار أبيض
لكن الأسوأ لسه جاي.
السكرتيرة قالت بتردد وفي حد سرب معلومات قديمة عن قضية السرقة اللي حصلت وقت الطلاق
كمال حس معدته اتقبضت.
مين؟
مش معروف بس الأخبار بتقول إن في مستندات جديدة ظهرت.
نيرمين بصتله بخوف حقيقي لأول مرة. كمال
لكن موبايله رن قبل ما تكمل.
رقم قديم.
مجرد ما شاف الاسم جسمه كله شد.
ليلى هاشم.
رد ببرود إيه؟
صوتها كان متوتر بشكل غريب إنت لازم تيجي حالًا.
مش فاضي.
كمال الشرطة عندي.
سكت.
ليلى خدت نفس مرتعش وقالت الجملة اللي قلبت كل حاجة
في حد بعتلهم تسجيل يثبت إن ملف السرقة كان متفبرك.
الأوضة كلها سكتت.
كمال حس الدم بيضرب في ودنه بعنف.
إيه التسجيل؟
ليلى كانت بتتنفس بسرعة. مش عارفة حد بعته للشرطة وللصحافة مع بعض.
مين؟
قسمًا بالله معرفش!
كمال قفل المكالمة من غير رد.
إيده كانت مشدودة على الموبايل لدرجة إن مفاصله ابيضت.
نيرمين كانت باصة له بقلق. كمال
رفع عينه لها ببطء.
ولأول مرة من سنين، كان شكله مكسور فعلًا.
إنتِ كنتِ بتقولي الحقيقة.
الجملة خرجت منه تقيلة.
نيرمين ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع. متأخر أوي.
وفعلًا كان متأخر.
متأخر بعد سنين من الوحدة.
بعد ما شافها وهي حامل وبتشتغل لحد الإغماء.
بعد ما دمر حياتهم بإيده.
الباب اتفتح، والدكتور دخل بنتائج التحاليل.
لازم المدام ترتاح تحت الملاحظة الليلة.
كمال رد فورًا تمام.
لكن نيرمين قالت بسرعة لا.
هو لف لها بضيق. لا إيه؟
مش هبات هنا.
إنتِ تعبانة.
وعندي شغل بكرة.
كمال بص لها كأنه مش مستوعب. إنتِ بتهزري؟
لو غبت يوم كمان هيطردوني.
قام واقف فجأة بعصبية. يجرؤوا!
كمال قالتها بتعب. مش كل الناس تخاف منك.
الكلمة رجعته للحقيقة.
هي عايشة في عالم تاني غير عالمه.
عالم الناس اللي يوم غياب يضيع أكل الشهر.
طلع موبايله فورًا واتصل بحد اشتريلي مطعم بيلمونت.
نيرمين فتحت عينيها بصدمة. إنت مجنون؟!
الراجل على الخط اتوتر أفندم؟
كمال رد ببرود قاتل قولت اشتري المطعم النهاردة.
نيرمين مدت إيدها وخطفت الموبايل وقفلت الخط.
كمال اتصدم.
هي بصتله بغضب حقيقي لأول مرة بطل تحل كل حاجة بفلوسك!
هما كانوا بيستغلوكي!
وأنا مش محتاجة حد ينقذني!
إنتِ حامل بابني وبتقعي من التعب!
الجملة طلعت عالية.
الصمت نزل بعدها مباشرة.
أنفاسهم الاتنين كانت سريعة.
نيرمين عينيها لمعت بالدموع، لكنها رفعت دقنها بعناد. افتكرت دلوقتي إنه ابنك؟
الكلمة وجعته.
لكن قبل ما يرد، الباب اتفتح تاني.
ومش أي حد دخل.
أم كمال.
صفية الدهبي.
ست في أواخر الستينات، ملامحها حادة وراقية، لابسة معطف أسود طويل ونظرتها تخوف أي حد.
أول ما دخلت، عينها راحت مباشرة لنيرمين.
وللحظة وشها فقد قوته.
يا ساتر
نيرمين اتجمدت.
واضح إنها آخر شخص كانت مستعدة تشوفه.
صفية قربت ببطء، وعينيها نزلت على بطن نيرمين.
وإيدها اترعشت.
دي حامل؟
كمال رد بصوت متوتر أيوه.
رفعت عينها له.
منك؟
بلع ريقه. أيوه.
صفية رجعت خطوة كأن الأرض مالت بيها.
وبعدين فجأة
لفت وضربت كمال بالقلم على وشه.
الصوت دوّى في الأوضة.
نيرمين شهقت.
حتى الدكتور اتجمد مكانه.
كمال نفسه مبقاش يتحرك.
صفية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *