أول مرة شاف فيها كمال مراته السابقة تاني، كانت شايلة صينية كاسات شامبانيا في مطعم العشا فيه أغلى من مرتب ناس كتير طول الشهر. وكانت حامل. حامل بشكل يخلي الماضي كله يقف فجأة ومياخدش نفسه. التلج كان نازل بهدوء برا الشبابيك الزجاج الكبيرة لمطعم قصر بيلمونت، واحد من أفخم مطاعم وسط شيكاغو. جوا، كل حاجة كانت كاملة زيادة عن اللزوم. الكاسات الكريستال بتلمع تحت النجف الدهبي. الأغنيا بيتكلموا بصوت واطي، والشوك الفضية بتخبط في الأطباق البورسلين بثقة ناس فاكرة إن الفلوس تمنع الوجع من الدخول. محدش بيروح المكان ده بالصدفة. الناس بتيجي عشان تتشاف. عشان تقفل صفقات. عشان تمثل إن حياتها مفيهاش شروخ. في الليلة دي، دخل كمال الدهبي من باب المطعم بهدوء راجل متعود إن كل اللي حواليه يسمعوا كلامه. طويل، هادي، لابس بدلة كحلي تحت معطف أسود غالي. شعره متسرح لورا وملامحه مفيهاش أي إحساس. جنبُه كانت ليلى هاشم. ليلى كانت من النوع اللي عالم كمال بيحبه. شيك، راقية، بنت ناس متربية وسط السلطة والنفوذ. لابسة فستان أوف وايت وألماس يلفت عين أي حد. همست وهي ماسكة دراعه العشا ده مهم المستثمرين مركزين في كل تفصيلة. رد من غير ما يبصلها عارف. في نص المطعم، كان فيه تلاتة مستثمرين قاعدين على ترابيزة خاصة. موافقتهم معناها مشروع فنادق بمليارات الشركة مستنياه من سنة ونص. كمال بنى حياته كلها على السيطرة. والليلة دي كان المفروض تثبت إنه لسه متحكم في كل حاجة. المدير استقبله بابتسامة متوترة ومشى قدامه. ناس بصت ناحيته. ست همست باسمه. راجل رفع كاسه يسلم عليه. كمال تقريبًا متفاعلش. وفجأة وقف. مش وقفة هادية جسمه كله اتجمد بين الترابيزات. ليلى خدت كام خطوة قبل ما تلاحظ إنه مبقاش جنبها. كمال؟ في إيه؟ مردش. عينه كانت متعلقة بعد المستثمرين بعد النور بعد كل حاجة على نادلة خارجة من عند مكان الخدمة. كانت شايلة صينية بإيديها الاتنين. يونيفورم أسود بسيط، وجزمتها باين عليها الاستهلاك. خصلات شعر هربانة من الكعكة اللي لمّاها ورا. وشها مرهق لكن واقفة بقوة هادية. ولما لفت نفسه وقف. نيرمين. مراته السابقة. الست اللي حضنها زمان ووعدها يحميها. الست اللي اتهمها. اللي طلقها. اللي أقنع نفسه إنها خانته. كانت واقفة بتخدم ناس غرب كأن آخر تلات سنين محصلوش. بس ده مش اللي كسره. عينه نزلت على بطنها. نيرمين كانت حامل. إيديها لمست بطنها لحظة وهي بتعدل الصينية على جنبها. حركة صغيرة، تلقائية، كلها حماية. بس كمال شافها. وحاجة جواه بردت فجأة. ليلى لاحظت نظراته. ابتسامتها اختفت ثانية ورجعت أقسى. قالت بهدوء دي شكلها مألوف مش دي الست اللي دمرت حياتك؟ الكلام ضرب ذكرى مدفونة جواه. رخامة مطبخ. ملف مقفول. وش نيرمين وهو مليان دموع. أنا معملتش كده يا كمال بالله عليك اسمعني. وصوته هو بارد لدرجة تقتل جواز أنا مبقتش أعرفك. في آخر المطعم، نيرمين رفعت عينيها. عيونهم اتقابلت. المكان كله كان بيتحرك، بس بالنسبة لكمال، الصوت اختفى. نيرمين ثبتت للحظة. وجع سريع عدى على وشها لدرجة أغلب الناس مكانوش هيلحظوه. بس هو لاحظه. كان حافظ وشها زمان. حافظ الطريقة اللي بتخبي بيها زعلها وهي رافعة دقنها. حافظ إزاي كانت تبلع دموعها قبل ما تنزل. وبعدين بصت بعيد. وكملت شغلها مش لأنها بخير، لكن لأنها مجبرة. وقفت عند ترابيزة جنب الشباك فيها أربع أشخاص. راجل ببدلة رمادي فرقع صوابعه قبل ما تتكلم. يا آنسة! نزلت الصينية بهدوء. آسفة على التأخير يا فندم. الراجل بص لها من فوق لتحت، وبعدين على بطنها. المكان ده كان عنده مستوى أحسن من كده. الست اللي معاه ضحكت ضحكة صغيرة. صوابع نيرمين شدت على الصينية. كمال حس فكه بيقفل بعنف. ليلى قربت منه متدخلش دي مش مشكلتنا. بس هو مقدرش يتحرك. الراجل رفع الكاس وبص باشمئزاز. ده غلط. قالت بهدوء أقدر أغيره لحضرتك. كان المفروض تجيبيه صح من الأول. فاهمة. لا، واضح إنك مش فاهمة. صوته علي لدرجة الترابيزات اللي جنبهم سمعته. الناس بتدفع فلوس محترمة هنا. مش المفروض نشحت خدمة محترمة. وش نيرمين فضل ثابت، بس كمال شاف الإرهاق في عينيها. شاف التعب. شاف الحمل اللي شايله فوق كتافها. ولأول مرة من تلات سنين القصة اللي كان مصدقها بدأت تتكسر. نيرمين مكانتش شكل واحدة سرقته وهربت. كانت شكل واحدة اترمت تواجه الدنيا لوحدها. الراجل زق كرسيه وقام. بصيلي وأنا بكلمك. رفعت عينيها وقالت قلت لحضرتك هغيره. ضحك بسخرية أسلوبك يفسر كل حاجة. كمال أخد خطوة لقدام. ليلى مسكت كم الجاكيت بتاعه. بلاش. بصلها فقامت سايبة إيده فورًا. الراجل مد إيده ومسَك رسغ نيرمين وهي بتحاول تمشي. الصينية اتهزت. كاس وقع. واتكسر على الأرض بصوت قطع المطعم كله. كل الناس بصت. نيرمين شهقت وسحبت إيدها، لكنه فضل ماسكها. شوفتي عملتي إيه؟! كمال وصل عندهم قبل أي حد. إيده قفلت على رسغ الراجل بثبات مرعب. سيبها. الراجل بصله بضيق وبعدها عرفه. أستاذ كمال! والله أنا بس كنت بطلب خدمة محترمة. كمال شال إيده عن نيرمين بعنف هادي. قلت سيبها. المطعم كله سكت. نيرمين كانت واقفة قريبة كفاية إنه يشوف الإرهاق تحت عينيها. قريبة كفاية يشوف رعشة إيدها قبل ما تخبيها ورا الصينية. مش شكرته. مش حتى ابتسمت. بصتله كأن وجوده بيوجع أكتر من إهانة الراجل. ليلى جريت عليهم ووشها محروق من الإحراج. كمال، الناس كلها بتتفرج. مبصلهاش حتى. الضيف عدل الجاكيت بتاعه وقال بسخرية هي تبقى إيه بالنسبة لك أصلًا؟ حكايات شروق خالد كمال سكت. لكن الصمت بتاعه كان أخطر من أي رد. المطعم كله مستني. المستثمرين واقفين بعينيهم عليه. المدير متوتر. ليلى وشها بقى شاحب من الرعب. حتى العاملين وقفوا مكانهم. ونيرمين كانت واقفة وسطهم حاسة إن الأرض بتسحب نفسها من تحت رجليها. الراجل كرر بسخرية سألتك مين دي بالنسبة لك؟ كمال بص لنيرمين للحظة طويلة. وفي اللحظة دي، كل الذكريات رجعت مرة واحدة. ليلة كتب الكتاب. إيديها وهي بترتعش جوه إيده. ضحكتها وهي بتجري تحت المطر. وآخر ليلة بينهم لما رماها بالخيانة من غير ما يسمعها. بلع ريقه وقال بصوت منخفض لكنه واضح دي مراتي. ليلى شهقت. كمال بصلها بعين باردة فسكتت فورًا. الراجل ضحك باستهزاء. مراتك السابقة تقصد. كمال رد من غير ما يحول عينه عن نيرمين وده ميخصكش. إيد نيرمين شدت على الصينية أكتر. لو سمحت متعملش مشهد. صوتها كان هادي، لكنه مليان تعب. كمال أخيرًا بص لبطنها. قلبه دق بعنف. الحسابات كلها ضربت في دماغه مرة واحدة. مدة الطلاق. آخر مرة كانوا مع بعض. تاريخ سفره. وتاريخ الحمل. حس الدم بينسحب من وشه. قال بهدوء مخيف إنتِ حامل من كام شهر؟ نيرمين اتجمدت. ليلى بصت بينهم بسرعة وفهمت السؤال قبل ما حد ينطقه. وشها فقد لونه. كمال قالتها بعصبية. لكن هو كان مركز مع نيرمين وبس. نيرمين ردت بعد ثواني طويلة ده مش مكان الكلام ده. جاوبي. ملكش دعوة. الجملة ضربته أكتر مما توقع. هو كان متعود إن الناس تخاف منه تسمع كلامه ترد فورًا. لكن نيرمين الوحيدة اللي كانت دايمًا تقدر توقف قدامه من غير خوف. حتى دلوقتي. الراجل الغني اللي كان ماسك فيها قبل شوية قال بضيق ممكن نرجع لعشانا بقى؟ واضح إن عندكم دراما عائلية كمال لف له ببطء. نظرة واحدة خلت الراجل يسكت. المدير جري بسرعة أستاذ كمال، إحنا آسفين جدًا، والآنسة نيرمين هتتنقل فورًا من الصالة لا. الكل بص له. كمال قال ببرود محدش هيلمّسها. المدير اتوتر بس العملاء لو عندك مشكلة، يبقى معايا أنا. المستثمرين على الترابيزة الرئيسية بدأوا يهمسوا لبعض. الوضع كله بيتحول لفوضى علنية. ليلى قربت من كمال وهي بتحاول تبتسم للناس حواليهم. إنت بتبوظ الليلة كلها. مش فارق. أول مرة تسمع منه الكلمة دي. ليلى وشها اتشد بعصبية عشان نادلة؟ الجملة خرجت قبل ما تفكر. وساعتها عيون المطعم كلها راحت لنيرمين. لكن نيرمين مرفعتش صوتها. ولا حتى اتعصبت. بس بصت لليلى بنظرة هادية موجوعة وقالت على الأقل أنا بشتغل بشرف. الصمت نزل على المكان كله. ليلى فتحت بقها مصدومة. إنتِ كفاية. كمال قالها بحدة. نيرمين اتحركت تمشي، لكن فجأة وشها اتغير. إيد راحت لبطنها بسرعة. الصينية وقعت من إيدها. كمال اتحرك ناحيتها فورًا قبل ما تقع. مسكها من وسطها وهي بتاخد نفسها بصعوبة. نيرمين! وشها كان أبيض. أنفاسها سريعة. حاولت تبعده سيبني لكنه حس بجسمها بيرتعش بين إيديه. المدير اتوتر حد يطلب إسعاف! واحدة من العاملات قربت بخضة هي طول اليوم تعبانة وقالت إنها حاسة بدوخة. كمال بص لها بصدمة. طول اليوم؟ البنت هزت راسها بتردد هي شغالة شيفتات زيادة من أسبوعين حاجة جواه اتكسرت. بص لنيرمين اللي كانت بتحاول توقف على رجليها بالعافية. مراته السابقة. الست اللي كانت زمان بتعيش في قصره. دلوقتي بتشتغل وهي حامل لحد ما جسمها ينهار وسط الناس. قرب وشه منها وقال بصوت منخفض إنتِ لوحدك؟ نيرمين ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة. وبعدين قالت الجملة اللي دمرت كل اللي واقفين في المكان أكيد لوحدي أصل أبو ابني رماني لما كنت محتاجاه. الجملة نزلت على كمال كأن حد ضربه في صدره. المطعم كله سكت. حتى صوت المعالق اختفى. ليلى بصت له ببطء والمستثمرين بقوا مركزين في كل تفصيلة كأنهم بيتفرجوا على فضيحة مباشرة. كمال كان لسه ماسك نيرمين بين إيديه، لكن إيده ارتخت للحظة من الصدمة. إنتِ صوته خرج مبحوح. الطفل ابني؟ نيرمين غمضت عينيها كأن السؤال أتعبها أكتر. متسألش سؤال إنت عارف إجابته. قلبه خبط بعنف. آخر ليلة بينهم رجعتله كاملة. الليلة اللي اتخانقوا فيها بسبب الملف المسروق من الشركة. الليلة اللي اتهمها إنها باعت أسراره لمنافسينه. الليلة اللي خرجت فيها من البيت وهي بتعيط، وهو سايبها تمشي من غير ما يمنعها. بعدها بأسبوع الطلاق تم. وبعدها عمره ما حاول يسمعها. كمال حس نفسه مش قادر يتنفس. ليه مخبتيش؟ ضحكت بمرارة وهي بتحاول توقف على رجليها. كنت هقول لمين؟ للراجل اللي قالي إني خسارة فيه؟ عيونه نزلت على بطنها تاني. ابنه. ابنه كان بيكبر جواها وهي بتشتغل ليل ونهار في مطعم. وابنه كان بيسمع أمه وهي بتتهان من شوية أغنيا وهو واقف يتفرج. حاجة مظلمة بدأت تتحرك جواه. ليلى قربت بسرعة وهمست بعصبية إحنا لازم نمشي حالًا. الصحافة ممكن تعرف. كمال بص لها كأنه شايفها لأول مرة. صحافة؟ أيوه، الناس كلها بتبص علينا! وهي كانت بتقع قدامك من شوية. ليلى اتوترت مش مسؤوليتي. الجملة خلت نيرمين تضحك ضحكة صغيرة متعبة وهي بتهز راسها. كمال بصلها بحدة إنتِ ساكنة فين؟ ملكش دعوة. بطلي تعاندي. وأنت تبطل تتحكم في حياتي. المدير قرب بتوتر أستاذ كمال الإسعاف في الطريق. لكن نيرمين قالت بسرعة مفيش إسعاف. كمال لف لها فورًا. إنتِ مش بخير. عارفة. يبقى تيجي المستشفى. ومين هيدفع؟ السؤال قطع الكلام كله. كمال سكت. هي كملت بصوت واطي مرتب أسبوعين عندي ميكفيش كشف واحد في مستشفى من اللي حضرتك متعود عليها. حس بإهانة لنفسه عمره ما حسها قبل كده. هو كان ملياردير. يقدر يشتري المطعم كله في لحظة. لكن الست اللي كانت مراته أم ابنه خايفة من فاتورة مستشفى. فجأة، واحدة ست كبيرة كانت قاعدة قريب قامت وقالت بصوت عالي البنت وشها أصفر حد يجيب لها كرسي! العاملين اتحركوا بسرعة. كمال ساعد نيرمين تقعد، لكنها بعدت إيده فورًا. الحركة الصغيرة وجعته أكتر من أي إهانة. ليلى فقدت أعصابها أخيرًا إنت هتفضل مهتم بيها كده قدام الكل؟! كمال رد من غير ما يبصلها آه. الكلمة خرجت حادة وصريحة. ليلى اتجمدت. إنت بتحرجني. روحي البيت يا ليلى. بصتله مصدومة. إنت بتطردني؟ قولت روحي. وشها احمر من الذل، لكنها لمحت نظرات الناس حواليها، فحاولت تلم نفسها. قبل ما تمشي، بصت لنيرمين بكره واضح وهمست إنتِ عمرك ما هتعرفي ترجعي مكانك. نيرمين ردت بهدوء متعب أنا بس بحاول أعيش. ليلى سابت المكان وهي مخنوقة من الغيظ. أول ما اختفت، كمال نزل على ركبته قدام نيرمين. أغنى راجل في المكان كله راكع قدام نادلة حامل. المنظر لوحده صدم الناس. قال بصوت واطي ليه موصلتيش ليا؟ نيرمين بصت له ثواني طويلة. وبعدين قالت وصلت. حواجبه اتعقدت. طلعت من جيبها موبايل قديم، فتحت رسالة، ولفت الشاشة ناحيته. رقم مجهول. لكن الرسالة كانت منه. أو بالأصح من مكتبه. السيد كمال لا يرغب بأي تواصل مستقبلي معك. أي محاولة اتصال أخرى سيتم التعامل معها قانونيًا. إيده بردت. رفع عينه ببطء. أنا مشوفتش الرسالة دي قبل كده. عارفة. مين بعتها؟ نيرمين بصت ناحية باب المطعم اللي خرجت منه ليلى من شوية. ولأول مرة كمال بدأ يفهم إن أكبر خيانة في حياته يمكن ماكنتش من نيرمين أصلًا. كمال فضل باصص لشاشة الموبايل كأنه شايف كارثة. الرسالة بتاريخ من سنتين ونص. يعني بعد طلاقهم بأيام. إيده قفلت على التليفون بقوة. مين كان ماسك اتصالاتي وقتها؟ نيرمين ردت بتعب سكرتيرتك القديمة وليلى. اسمها خرج من بقها بهدوء، لكن أثره كان زي السكين. فجأة تفاصيل كتير بدأت تركب في دماغه. ليلى كانت أول واحدة جابتله ملف السرقة. هي اللي أصرت إن نيرمين بتسرب معلومات الشركة. هي اللي كانت دايمًا موجودة وقت خناقاتهم. وهي اللي قربت منه أكتر بعد الطلاق مباشرة. كمال حس بغثيان. طول السنين دي كان مقتنع إن نيرمين خانته. بينما هي كانت بتحاول توصله إنه هيبقى أب. رفع عينه ليها ببطء. إنتِ اشتغلتي هنا من إمتى؟ من سبع شهور. طول الوقت ده وإنتِ كده؟ ابتسمت ابتسامة مكسورة. الحياة مبتقفش عشان حد يا كمال. الكلمة ضربته. زمان كانت بتناديه حبيبي. دلوقتي اسمه طالع من بقها غريب وبارد. الإسعاف وصل أخيرًا، لكن نيرمين قامت بسرعة أول ما شافتهم. لا أنا كويسة. المسعف قرب يا فندم لازم نفحصك. قولت لا. لكن جسمها خانها. أول ما وقفت، ترنحت. كمال مسكها فورًا. المرة دي مابعدتش إيده. يمكن لأنها فعلًا مبقاش عندها طاقة. قال للمسعفين بنبرة أوامر هنروح مستشفى دلوقتي. نيرمين هزت راسها بتعب. مش معايا تأمين. وأنا معايا. مش عايزة منك حاجة. قرب منها أكتر وهمس بصوت متكسر لأول مرة بس أنا عايز. عينها اتهزت للحظة. كأن الجملة لمست جزء فيها كانت بتحاول تدفنه. لكن قبل ما ترد، صوت حد قطعهم. أستاذ كمال! واحد من المستثمرين كان واقف قريب، وشه متوتر. الإعلام برا المطعم دلوقتي. في ناس صورت اللي حصل. كمال حتى مالتفتش. قال وهو باصص لنيرمين يلغوا الاجتماع. الراجل اتصدم. بس الصفقة مش فارقة. المستثمر سكت فورًا. كل الموجودين لاحظوا حاجة عمرها ما حصلت قبل كده كمال الدهبي الرجل اللي بيبيع أي حد مقابل شغله ساب صفقة بمليارات عشان ست حامل. وعشان الست دي تحديدًا. نيرمين لاحظت نظرات الناس، فشدت نفسها وقالت بضعف أنا مش عايزة شفقة. كمال بص لها بحدة. فاكرة إن ده شفقة؟ أمال إيه؟ إحساس بالذنب؟ معرفش يرد. لأن الحقيقة كانت أسوأ. هو كان مرعوب. مرعوب يكون ظلمها فعلًا. مرعوب يكون ابنه اتربى جوه تعبها ودموعها وهو بعيد. ومرعوب أكتر من فكرة إنها ممكن تكرهه للأبد. المسعف قال بجدية ضغطها واطي جدًا. لازم تتحرك حالًا. كمال خلع معطفه وحطه على كتف نيرمين. الحركة رجعتلها ذكرى غصب عنها. زمان أول شتاء بعد جوازهم عمل نفس الحركة وهي بردانة. نفس الريحة. نفس الدفا. عينيها دمعت فجأة، فلفت وشها بسرعة. لكن كمال شاف. وشاف كمان إنها لسه بتوجع. وفجأة فهم إن جزء منها لسه بيحبه، وده اللي مخلي وجوده مؤلم بالشكل ده. خرج بيها من المطعم وسط ذهول الناس والكاميرات اللي بدأت تتجمع برا. أول ما الباب اتفتح، الفلاشات ضربت وشهم. أستاذ كمال! هل الطفل ابنك؟! هل رجعتوا لبعض؟! إيه حقيقة خيانة مراتك السابقة؟! نيرمين اتجمدت من الرعب. كمال لف جسمه حواليها فورًا يحميها من الكاميرات. واحد من الصحفيين صرخ هل صحيح إنها كانت بتشتغل كنادلة عشان تصرف على نفسها؟! كمال وقف فجأة. لف ببطء ناحية الصحفي. ونظرته كانت مرعبة لدرجة إن الشارع كله سكت. قال بصوت منخفض وخطير أي صورة ليها هتنزل هقفل المؤسسة اللي نشرتها بنفسي. ولا كاميرا اتحركت بعدها. فتح باب عربيته بنفسه وساعد نيرمين تركب. قبل ما يقفل الباب، مسكت دراعه فجأة. أول مرة تلمسه بإرادتها من سنين. بصلها بسرعة. وقالت بصوت مرتعش لو عرفت الحقيقة كلها يا كمال عمرك ما هتسامح نفسك. حكايات شروق خالد الكلمة فضلت ترن في ودنه طول الطريق. عمرك ما هتسامح نفسك. كمال كان سايق بسرعة وسط شوارع شيكاغو المغطية بالتلج، لكن لأول مرة من سنين، دماغه مكانتش مركزة في الشغل ولا الصفقات. كانت مركزة فيها. في الست اللي قاعدة جنبه منهكة، ساندة راسها على الكرسي وعينيها مقفولة بالعافية. وفي الطفل اللي جواها. ابنه. كل شوية كان يبصلها بطرف عينه، كأنه بيتأكد إنها لسه موجودة. لحد ما لاحظ حاجة. إيدها. صوابعها كانت متجمدة وناشفة بشكل يخض. مد إيده بهدوء وشغل التدفئة أعلى. نيرمين فتحت عينيها نص فتحة وقالت بتعب مش لازم تعمل كده. رد من غير ما يبصلها لازم. سكتت. بعد عشر دقايق وصلوا مستشفى خاص من أفخم مستشفيات المدينة. أول ما العربية وقفت، طاقم كامل خرج يجري أول ما عرفوا مين وصل. لكن كمال نزل الأول ولف ناحية الباب بتاعها بنفسه. لما حاولت تنزل لوحدها، جسمها خانها تاني. كمال لحقها وشالها قبل ما تقع. شهقت بخضة نزلني! لأ. الناس بتبص. يبصوا. دخل بيها المستشفى وسط ذهول الموظفين. الممرضات كانوا بيبصوا لنيرمين بدهشة. كلهم عارفين مين كمال الدهبي. بس محدش عمره شافه شايل حد بالشكل ده. الدكتور دخلهم أوضة الفحص بسرعة. هي في الشهر السابع تقريبًا قال وهو بيراجع المؤشرات. واضح إنها تحت ضغط شديد وسوء تغذية. كمال حس الكلمة خبطته. سوء تغذية؟ بص لنيرمين بصدمة. هي بصت بعيد. الدكتور كمل وكمان في إرهاق واضح. محتاجة راحة فورًا. كمال سأل بصوت منخفض والبيبي؟ الدكتور رفع عينه في خطر لو الضغط ده استمر. قلبه وقع. حرفيًا حس بالخوف لأول مرة من سنين. مش خوف خسارة فلوس. خوف فقدان. الدكتور خرج يجهز التحاليل، وسابهم لوحدهم. الأوضة بقت هادية بشكل مؤلم. كمال قرب ببطء. إنتِ مكنتيش بتاكلي كويس؟ نيرمين ضحكت بسخرية خافتة. كان عندي أولويات أهم. زي إيه أهم من صحتك؟ بصتله مباشرة لأول مرة من المطعم. الإيجار. العلاج. تجهيزات البيبي. كل كلمة كانت بتخبط فيه. قعد قدامها وقال بصوت مبحوح ليه معملتيش قضية نفقة؟ ابتسمت بمرارة. عشان كنت هثبت إزاي إن الطفل ابنك؟ تحليل. والمحامين بتوعك كانوا هيخلوا حياتي جحيم. سكت. لأنها عندها حق. هو كان وقتها وحش. مكسور وغضبان ومقتنع إنها خانته. وكان ممكن يدمر أي حد يقف قدامه. نيرمين بصت لسقف الأوضة وقالت بهدوء أنا كنت تعبانة يا كمال ومفيش طاقة عندي أحاربك. الجملة كسرت آخر حاجة جواه. نزل بعينه للأرض. أول مرة في حياته يحس بالخجل من نفسه. وفجأة الباب خبط بعنف. السكرتيرة الجديدة دخلت بسرعة ووشها متوتر. أستاذ كمال في مشكلة. رفع عينه بضيق. إيه؟ بلعت ريقها الصحافة نشرت الصور. ورفعت التابلت قدامه. العنوان كان ضخم الملياردير كمال الدهبي يظهر مع زوجته السابقة الحامل ومصادر تؤكد أن الطفل ابنه. تحت العنوان عشرات الصور. صورته وهو شايلها. وهو حاضنها يحميها من الكاميرات. وهو باصصلها كأن الدنيا كلها واقفة عليها. نيرمين وشها شحب فورًا. يا نهار أبيض لكن الأسوأ لسه جاي. السكرتيرة قالت بتردد وفي حد سرب معلومات قديمة عن قضية السرقة اللي حصلت وقت الطلاق كمال حس معدته اتقبضت. مين؟ مش معروف بس الأخبار بتقول إن في مستندات جديدة ظهرت. نيرمين بصتله بخوف حقيقي لأول مرة. كمال لكن موبايله رن قبل ما تكمل. رقم قديم. مجرد ما شاف الاسم جسمه كله شد. ليلى هاشم. رد ببرود إيه؟ صوتها كان متوتر بشكل غريب إنت لازم تيجي حالًا. مش فاضي. كمال الشرطة عندي. سكت. ليلى خدت نفس مرتعش وقالت الجملة اللي قلبت كل حاجة في حد بعتلهم تسجيل يثبت إن ملف السرقة كان متفبرك. الأوضة كلها سكتت. كمال حس الدم بيضرب في ودنه بعنف. إيه التسجيل؟ ليلى كانت بتتنفس بسرعة. مش عارفة حد بعته للشرطة وللصحافة مع بعض. مين؟ قسمًا بالله معرفش! كمال قفل المكالمة من غير رد. إيده كانت مشدودة على الموبايل لدرجة إن مفاصله ابيضت. نيرمين كانت باصة له بقلق. كمال رفع عينه لها ببطء. ولأول مرة من سنين، كان شكله مكسور فعلًا. إنتِ كنتِ بتقولي الحقيقة. الجملة خرجت منه تقيلة. نيرمين ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع. متأخر أوي. وفعلًا كان متأخر. متأخر بعد سنين من الوحدة. بعد ما شافها وهي حامل وبتشتغل لحد الإغماء. بعد ما دمر حياتهم بإيده. الباب اتفتح، والدكتور دخل بنتائج التحاليل. لازم المدام ترتاح تحت الملاحظة الليلة. كمال رد فورًا تمام. لكن نيرمين قالت بسرعة لا. هو لف لها بضيق. لا إيه؟ مش هبات هنا. إنتِ تعبانة. وعندي شغل بكرة. كمال بص لها كأنه مش مستوعب. إنتِ بتهزري؟ لو غبت يوم كمان هيطردوني. قام واقف فجأة بعصبية. يجرؤوا! كمال قالتها بتعب. مش كل الناس تخاف منك. الكلمة رجعته للحقيقة. هي عايشة في عالم تاني غير عالمه. عالم الناس اللي يوم غياب يضيع أكل الشهر. طلع موبايله فورًا واتصل بحد اشتريلي مطعم بيلمونت. نيرمين فتحت عينيها بصدمة. إنت مجنون؟! الراجل على الخط اتوتر أفندم؟ كمال رد ببرود قاتل قولت اشتري المطعم النهاردة. نيرمين مدت إيدها وخطفت الموبايل وقفلت الخط. كمال اتصدم. هي بصتله بغضب حقيقي لأول مرة بطل تحل كل حاجة بفلوسك! هما كانوا بيستغلوكي! وأنا مش محتاجة حد ينقذني! إنتِ حامل بابني وبتقعي من التعب! الجملة طلعت عالية. الصمت نزل بعدها مباشرة. أنفاسهم الاتنين كانت سريعة. نيرمين عينيها لمعت بالدموع، لكنها رفعت دقنها بعناد. افتكرت دلوقتي إنه ابنك؟ الكلمة وجعته. لكن قبل ما يرد، الباب اتفتح تاني. ومش أي حد دخل. أم كمال. صفية الدهبي. ست في أواخر الستينات، ملامحها حادة وراقية، لابسة معطف أسود طويل ونظرتها تخوف أي حد. أول ما دخلت، عينها راحت مباشرة لنيرمين. وللحظة وشها فقد قوته. يا ساتر نيرمين اتجمدت. واضح إنها آخر شخص كانت مستعدة تشوفه. صفية قربت ببطء، وعينيها نزلت على بطن نيرمين. وإيدها اترعشت. دي حامل؟ كمال رد بصوت متوتر أيوه. رفعت عينها له. منك؟ بلع ريقه. أيوه. صفية رجعت خطوة كأن الأرض مالت بيها. وبعدين فجأة لفت وضربت كمال بالقلم على وشه. الصوت دوّى في الأوضة. نيرمين شهقت. حتى الدكتور اتجمد مكانه. كمال نفسه مبقاش يتحرك. صفية كانت بتترعش من الغضب والصدمة. إنت عملت إيه؟! أمي خرست! أول مرة حد يكلمه بالطريقة دي من سنين. دموع ظهرت في عينيها وهي بتشاور على نيرمين. البنت دي دخلت بيتنا وهي يتيمة ومكسورة وكانت بتحبك أكتر من نفسها! كمال نزل عينه للأرض. صفية قربت أكتر وصوتها انكسر وأنت رميتها؟ وهي حامل؟! نيرمين همست بسرعة لو سمحتِ الموضوع خلص. صفية بصتلها بحزن مرعب. خلص إزاي يا بنتي؟ وساعتها قالت نيرمين أخطر جملة سمعها كمال الليلة كلها لأن اللي ضاع بينا مكانش جواز وبس كان ابننا الأول كمان. كمال رفع راسه فجأة. إيه؟ الأوضة كلها اتجمدت. حتى صوت الأجهزة الطبية بقى عالي وسط الصمت. نيرمين كانت باصة قدامها، مش قادرة تبص له. أما صفية فوشها بقى أبيض بالكامل. ابنكم الأول؟ دموع نيرمين نزلت أخيرًا. بهدوء. وجع قديم واضح بقاله سنين مستخبي. كمال قرب خطوة، صوته بقى مبحوح نيرمين تقصدي إيه؟ ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة. فاكر الليلة اللي طردتني فيها من البيت؟ قلبه اتقبض. إزاي ينساها؟ كانت أسوأ ليلة في حياته رغم إنه طول الوقت أقنع نفسه بالعكس. نيرمين كملت وهي بتحاول تتحكم في صوتها بعدها بيومين نزل عليا نزيف. صفية حطت إيدها على بقها بصدمة. كمال حس رجليه بترتعش. لا كنت حامل وقتها. الجملة خبطته كأنها طلقة. حامل. يعني لما كان بيصرخ فيها ويتهمها بالخيانة كانت شايلة ابنه. نيرمين مسحت دموعها بسرعة. روحت المستشفى لوحدي. كمال قرب أكتر، الرعب باين في عينيه. ليه محدش بلغني؟! بصتله أخيرًا. والنظرة دي عمره ما هينساها. لأنك وقتها كنت باعتلي ورقة تمنعني حتى أتواصل معاك. الكلام خنقه. افتكر الرسالة. افتكر ليلى. افتكر إنه عمره ما تأكد بنفسه من أي حاجة. هو صدق اللي حب يسمعه. ونيرمين دفعت التمن. صوته خرج متقطع البيبي مات؟ دموعها نزلت أكتر، وهزت راسها ببطء. كمال رجع لورا كأنه اتضرب في صدره. إيده راحت للحائط يسند نفسه. ابنه. كان عنده ابن وخسره من غير حتى ما يعرف إنه موجود. صفية كانت بتعيط بصمت. أما نيرمين، فكانت منهكة أكتر من إنها تنهار. قالت بهدوء موجوع بعدها عرفت إني لو فضلت مستنية منك رحمة هموت. كمال رفع عينه لها. عشان كده اختفيتِ. عشان كده بقيت لوحدي. كل كلمة كانت بتقطع فيه. سنين وهو فاكر نفسه الضحية. وهي كانت شايلة موت طفلهم جوا قلبها لوحدها. فجأة الباب اتفتح بعنف. السكرتيرة دخلت مرعوبة أستاذ كمال لازم تشوف ده حالًا. كان معاها لابتوب مفتوح. فيديو شغال. الصورة مهزوزة وقديمة واضح إنها من كاميرا مراقبة داخل مكتب. ليلى. واقفة قدام خزنة الملفات. ومعاها راجل كمال عرفه فورًا. عادل السيوفي. أكبر منافس ليه في السوق. صوت ليلى طلع واضح في التسجيل أول ما يشوف الملف هيطلقها فورًا. عادل ضحك ومتأكدة إنه مش هيشك؟ ليلى ردت بثقة كمال عمره ما بيسامح الخيانة خصوصًا لو جت من اللي بيحبهم. إيد كمال شدت على طرف المكتب بعنف. الفيديو كمل. عادل قال بس ليه تعملي كل ده؟ ليلى ابتسمت. الابتسامة اللي كانت زمان تعجبه دلوقتي بقت مرعبة. وقالت لأن طول ما نيرمين موجودة عمري ما هكون أنا الست الأولى في حياته. الصمت بعد الفيديو كان مرعب. صفية قعدت ببطء على الكرسي من الصدمة. أما نيرمين فقفلت عينيها كأنها خلاص معندهاش طاقة لأي وجع جديد. كمال كان واقف ثابت. لكن جواه كل حاجة كانت بتنهار. مش بس لأنه ظلم مراته. ولا لأنه خسر ابنه الأول. لكن لأنه أخيرًا فهم الحقيقة الكاملة هو بنفسه سلّم الست اللي بيحبها للدمار بإيديه. حكايات شروق خالد الأوضة فضلت ساكتة ثواني طويلة. كمال كان واقف قدام شاشة اللابتوب، عينيه ثابتة على صورة ليلى كأن عقله رافض يستوعب. كل حاجة اتكسرت في لحظة. جوازه. ابنه الأول. والسنين اللي ضيعها وهو بيكره الشخص الوحيد اللي كان وفيّ ليه فعلًا. نيرمين قامت ببطء من على السرير. أنا عايزة أمشي. كمال لف بسرعة. إنتِ رايحة فين؟ بيتي. مفيش خروج. ضحكت بمرارة. لسه بتدي أوامر؟ قرب منها خطوة. إنتِ تعبانة. وأنا تعبت منك أكتر. الجملة نزلت عليه تقيلة. صفية قامت بسرعة ومسكت إيد نيرمين بحنان يا بنتي اقعدي الليلة بس. نيرمين بصتلها بحزن. والله يا طنط ما عاد عندي قدرة. كمال قلبه وجعه من كلمة طنط. زمان كانت بتنادي أمه ماما. هو بنفسه قتل الإحساس ده. السكرتيرة قالت بتوتر أستاذ كمال الشرطة قبضت على ليلى. رفع عينه ببطء. عادل؟ بيحاول يهرب. في بلاغ رسمي ضده دلوقتي. كمال مردش. لأول مرة الانتقام مش فارق معاه. كل اللي فارق معاه كان الست اللي واقفة قدامه بتحاول تمسك نفسها بالعافية. نيرمين حطت إيدها على بطنها فجأة. أنفاسها اتغيرت. الدكتور قرب بسرعة في ألم؟ هزت راسها وهي بتعض على شفايفها. شوية كمال اتحرك ناحيتها فورًا. شوية إزاي؟ الدكتور بص للأجهزة ووشه اتشد. التوتر مأثر على النبض. قلب كمال وقع. يعني إيه؟ يعني لازم تهدى حالًا. بس إزاي تهدى؟ في نفس اليوم اللي عرفت فيه إن جوزها السابق دمر حياتها ظلم وإن ابنهم الأول مات بسبب اللي حصل؟ نيرمين بدأت تتنفس بصعوبة. كمال نزل قدامها بسرعة ومسَك إيديها. بصيلي. هي حاولت تبعد نظرها. لكنه قال برجاء عمره ما استخدمه مع حد عشان خاطري. عينها اترفعت له ببطء. ولأول مرة شافت الرعب الحقيقي في عينيه. مش غضب. مش سيطرة. خوف. قال بصوت مهزوز متسبنيش أنا كمان. الجملة كسرت آخر حيطان جوه نيرمين. دموعها نزلت وهي بتحاول تاخد نفسها. الدكتور قال بسرعة كويس خليها هادية. كمال فضل ماسك إيديها. ولا مرة سابها. بعد شوية النبض بدأ يستقر. الدكتور تنهد براحة البيبي استجاب بس مفيش أي ضغط بعد كده. كمال غمض عينيه للحظة كأنه نجا من الموت. نيرمين كانت مرهقة لدرجة إنها بالكاد قادرة تفتح عينيها. قال الدكتور لازم تنام. الممرضة جهزت المحاليل، وصفية خرجت مع الدكتور. وفضلوا هما الاتنين لوحدهم. الأوضة هادية إلا من صوت الأجهزة. كمال كان لسه قاعد جنبها. نيرمين همست بتعب مش لازم تفضل. لازم. ليه؟ سؤال بسيط لكنه كان أصعب سؤال اتسأله في حياته. بصلها ثواني طويلة. وبعدين قال الحقيقة أخيرًا لأني لسه بحبك. الدموع لمعت في عينيها فورًا. لكنها ضحكت وسط وجعها. الحب جه متأخر أوي يا كمال. عارف. متأخر بعد إيه؟ بعد ما دفنت ابني لوحدي؟ بعد ما اشتغلت وأنا حامل؟ بعد ما بقيت بخاف أرد على أي رقم غريب عشان أفتكر إنك ممكن تكون بعت حد يأذيني؟ كل كلمة كانت خنجر. كمال نزل بعينه للأرض. ومفيش رد ينفع. لأنها معاها حق في كل حاجة. نيرمين بصت للسقف وقالت بصوت مكسور أنا كنت بموت كل يوم وإنت ولا دريت. سكت شوية. وبعدين قال لو ينفع أرجع الزمن كنت هحرق الدنيا كلها قبل ما أصدق إنك تخونيني. عينها اتهزت. الكلام طلع صادق بشكل موجع. لكن الجروح كانت أعمق من الكلام. فجأة تليفون نيرمين رن. كمال أخده تلقائيًا يبص مين. واسم المتصل خلّى ملامحه تتغير فورًا. محمود أبو زيد. نيرمين اتوترت بسرعة وحاولت تاخد الموبايل. هات التليفون. كمال ضيق عينه. مين ده؟ ملكش دعوة. لكن قبل ما ترد أكتر، المكالمة اتقفلت ووصلت رسالة بعدها مباشرة. كمال لمح أول سطر بالغلط. لو عرف جوزك الحقيقي بالحقيقة، هنروح كلنا في داهية كمال حس قلبه وقف لحظة. عينيه ثبتت على الرسالة. نيرمين خطفت الموبايل من إيده بسرعة، لكن كان خلاص شاف أول سطر. مين محمود أبو زيد؟ مفيش. متكدبيش عليا. نيرمين بصت بعيد وهي بتضغط على التليفون بقوة. قولت مفيش. كمال قام واقف، القلق رجع يضربه بعنف. في إيه تاني أنا معرفوش؟ سكتت. وده كان أسوأ رد ممكن تدّيه. كمال قرب منها أكتر، صوته بقى أخفض الجملة اللي في الرسالة معناها إيه؟ نيرمين غمضت عينيها بتعب. أرجوك مش دلوقتي. يبقى في حاجة. كمال الطفل الكلمة وقفت بينهم. هو بلع ريقه بصعوبة. الطفل ابني فعلًا صح؟ نيرمين فتحت عينيها بصدمة وغضب في نفس الوقت. إنت بجد بتسألني السؤال ده بعد كل اللي حصل؟ أنا بس صوته اتكسر. أنا مبقتش واثق في أي حاجة. الجملة جرحتها بوضوح. ضحكت بوجع وهي بتهز راسها. عارف إيه أسوأ حاجة؟ إنك لسه شايفني متهمة حتى بعد ما عرفت الحقيقة. كمال حس بنفسه يختنق. هو فعلًا خاف. مش منها من نفسه. من فكرة إنه ممكن يكون اتأخر قوي لدرجة إن الحقيقة نفسها بقت مشوشة. نيرمين سحبت نفس طويل وقالت محمود يبقى دكتور. دكتور إيه؟ دكتور النساء اللي كنت بتابع معاه. كمال سكت. هي كملت وهو الوحيد اللي كان يعرف إني حامل من البداية. التوتر جواه خف شوية لكن الرسالة لسه مزعجة. طب يقصد إيه ب جوزك الحقيقي؟ نيرمين بصتله ثواني طويلة. وبعدين قالت بهدوء يقصدك. ليه ميقولش اسم جوزك السابق؟ سكتت لحظة وكأنها بتحارب حاجة جواها. لأن في الورق إحنا مطلقناش. كمال اتجمد. إيه؟ ليلى وقفت إجراءات الطلاق النهائية. الأرض حرفيًا مالت تحت رجليه. إنتِ بتقولي إيه؟ الورق الأخير متبعتش للمحكمة. مستحيل. كنت هقولك بس بعد الرسالة اللي وصلتني فهمت إنك مش عايز حتى تسمع اسمي. كمال رجع لورا بصدمة. يعني طول السنين دي نيرمين كانت لسه مراته قانونيًا. والطفل اللي جاي مش بس ابنه. ده ابن مراته اللي عمره ما انفصل عنها أصلًا. حط إيده على وشه وهو بيحاول يستوعب. ليلى لعبت بيه للدرجة دي؟ وفجأة حاجة أخطر ضربت دماغه. رفع عينه بسرعة استني نيرمين قلبها دق بخوف من نبرته. قال ببطء لو الطلاق متمش يبقى كل أوراق الميراث والشركات لسه باسمك كزوجتي. وشها شحب فورًا. كمال لاحظ. إنتِ عرفتي. نزلت عينها للأرض. نيرمين إنتِ عرفتي من إمتى؟ همست من سنة تقريبًا. وليه مخبتيش؟! رفعت عينيها له فجأة، والدموع فيها. لأن أول مرة حاولت أصلح الوضع حد حاول يقتلني. الصمت انفجر في الأوضة. كمال حس جسمه كله برد. إيه؟ نيرمين كانت بتترعش وهي بتحكي فرامل عربيتي اتقطعت وأنا راجعة من مكتب المحامي. الهواء اختفى من صدره. وده حصل إمتى؟! بعد ما اكتشفت إن الطلاق مزور بأسبوع. كمال قرب منها ببطء، الرعب واضح في وشه. بلغتي الشرطة؟ ضحكت بمرارة. وأقولهم مين؟ إن في ملياردير حواليا ناس مستعدين يقتلوني عشان الورق؟ قلبه بدأ يدق بعنف مرعب. كل حاجة بقت أوضح. ليلى. عادل. الورق المزور. إخفاء الطلاق. محاولة قتل. وفجأة فهم حاجة أخيرة خلت الدم يتجمد في عروقه. لو نيرمين لسه مراته قانونيًا ولو ابنها وريث رسمي لكل حاجة يملكها يبقى في ناس مش هتسمح إن الطفل ده يتولد أصلًا. وفي اللحظة دي بالذات نور الأوضة قطع مرة واحدة. والمستشفى كلها غرقت في الضلمة. حكايات شروق خالد الضلمة نزلت فجأة على الأوضة كلها. صوت الأجهزة الطبية طلع حاد ومخيف قبل ما تتحول للطاقة الاحتياطية. نيرمين شهقت بخضة ومسكت بطنها فورًا. كمال قلبه وقف. دكتور! لكن برا الأوضة كان فيه دوشة غريبة. صوت جري. وصوت حد بيزعق. وبعدين صوت طلقة. نيرمين اتجمدت. كمال لف ناحية الباب فورًا، كل حواسه اشتغلت مرة واحدة. غريزة قديمة جواه رجعت غريزة الراجل اللي اتربى وسط صفقات قذرة وأعداء مستعدين يعملوا أي حاجة عشان الفلوس. قال بسرعة انزلي تحت السرير. نيرمين بصتله بصدمة. إيه؟! دلوقتي! صوته خلاها تطيعه من غير نقاش. لسه بتحاول تنزل بالعافية، الباب اتفتح بعنف. واحد من رجال أمن المستشفى دخل وهو متوتر وعرقان. أستاذ كمال لازم نخرج حالًا! في إيه؟ في راجل دخل بسلاح وسأل عن أوضة المدام. الدم اتجمد في عروق نيرمين. كمال عينه بقت مرعبة. فين الحراسة بتاعتي؟ في اشتباك تحت. كمال شتم تحت نفسه. كان فاكر إنه لحق يحميها. لكن واضح إن اللعبة أكبر وأوسخ مما تخيل. الممرض الكهربا الاحتياطية اشتغلت أخيرًا، والنور رجع خافت ومتقطع. كمال لمح ظل حد واقف آخر الطرقة برا الأوضة. ورا الزجاج. راجل لابس أسود. وبيبص مباشرة عليهم. كمال دفع رجل الأمن بسرعة خدها من الباب الخلفي. وأنت؟ هعطلكم. نيرمين مسكت دراعه فورًا. لا! لف لها بسرعة. وشها كان مليان خوف حقيقي عليه لأول مرة من سنين. متسبنيش. الجملة ضربت قلبه بعنف. مد إيده ولمس وشها للحظة قصيرة. عمري ما هسيبك تاني. وبعدين سحب المسدس الصغير من رجل الأمن. نيرمين شهقت إنت معاك سلاح؟! بصلها بنظرة موجوعة. في عالمي لازم. صوت خطوات قربت من الأوضة. كمال فتح الباب نص فتحة. وفي اللحظة دي الراجل اللي في الطرقة رفع سلاحه. كمال ضرب الباب بسرعة، والرصاصة خبطت في الحيطة جنب راسه. نيرمين صرخت. رجل الأمن خدها بسرعة ناحية الباب الخلفي. كمال خرج للطرقة وهو ماسك السلاح بثبات مخيف. الراجل الأسود جري. كمال جري وراه فورًا. المستشفى كانت في حالة فوضى. ناس بتصرخ. ممرضات مستخبية. وأفراد الأمن بيجروا في كل اتجاه. الراجل نزل على السلالم الخلفية. كمال نزل وراه لحد الجراج السفلي. المكان كان ضلمة ورطب وصوت الخطوات بيرن فيه. وفجأة الراجل اختفى. كمال وقف يلف بعينه بسرعة. سكون. خطير زيادة عن اللزوم. وفجأة صوت جه من وراه رميت كل حاجة عشانها فعلًا كمال لف بسرعة ورفع السلاح. الراجل كان واقف بين العربيات. لكن أول ما النور الخافت جه على وشه كمال اتصدم. يوسف؟! يوسف الحديدي. مدير الأمن الشخصي بتاعه من أكتر من عشر سنين. الراجل اللي كان بيثق فيه أكتر من نفسه. يوسف ابتسم بسخرية حزينة. متوقعتش تعرفني بسرعة. كمال عينه ضاقت. إنت اللي بعت الراجل فوق؟ لا أنا جيت أحذرك. بسلاح؟ عشان لو حد شافني. كمال فضل موجه السلاح عليه. اتكلم. يوسف بص حواليه بتوتر. في ناس من مجلس الإدارة متورطة. في إيه؟ في كل حاجة. قلب كمال بدأ يدق بعنف. يوسف قرب خطوة وهمس عادل السيوفي مكنش لوحده كان شغال مع اتنين من شركتك. مين؟ يوسف بلع ريقه. أخوك. الصمت انفجر. كمال حس كأن حد ضربه في دماغه. رامي؟! يوسف هز راسه ببطء. رامي الدهبي هو اللي زور أوراق الطلاق وهو اللي دفع للي حاول يقتل نيرمين. كمال رجع خطوة وهو مش مستوعب. أخوه؟! أخوه اللي رباه بعد موت أبوهم؟ يوسف كمل بسرعة كانوا خايفين من الورثة. ورثة إيه؟! أنت معندكش أولاد رسميين ولو نيرمين خلفت، كل حاجة هتروح للطفل. الغضب بدأ يحرق جسمه. لكن يوسف قال الجملة اللي شلت أنفاسه تمامًا والمصيبة إنهم عرفوا إن البيبي مش الطفل الوحيد اللي عايش. كمال ثبت مكانه. إيه؟ يوسف اتنفس بسرعة كأنه بيحاول يلحق يخلص الكلام قبل ما حد يوقفه. في تقرير قديم اتسحب من أرشيف المستشفى عن الحمل الأول لنيرمين. الاسم نفسه كان بيخبط في دماغ كمال زي المطرقة. يوسف كمل الجنين ما ماتش طبيعي. الهواء اتسحب من الجراج كله. كمال حس صوته بيختفي اتقتل؟ يوسف هز راسه ببطء تحليل السموم كان فيه آثار مادة محفزة لانفصال المشيمة حاجة محدش يلاحظها غير لو حد دقق. كمال رجع خطوة. رجله خبطت في عربية ووقعت المفتاح من إيده. مين عمل كده؟ يوسف سكت لحظة. وبعدين قال الكلمة اللي كسرت آخر حاجة في كمال رامي ومعاه دكتور من طرفه. العالم كله سكت. كمال مسك راسه بإيده. مش بس لأنه فقد طفل. لكن لأنه طول السنين دي كان بيحمي قاتل ابنه وهو فاكره أخوه. فجأة صوت ضرب جاي من فوق. رصاص. كمال رفع عينه فورًا. نيرمين! ركض ناحية السلم بسرعة جنونية. يوسف جري وراه استنى! في خطة! لكن كمال ماكانش سامع أي حاجة. طلع السلم بسرعة ورجع لطابق المستشفى. الفوضى كانت أكبر. نور بيومض. صرخات في كل مكان. وفي نص الدخان والضلمة شافها. نيرمين. واقفة قدام باب الطوارئ، ماسكة بطنها، وواحد لابس أسود ماسكها من دراعها. سلاحه على راسها. كمال وقف مكانه. الدنيا كلها اختفت. صوته طلع منخفض لكن مرعب سيبها. الراجل لف ناحيته وضحك. أخيرًا جه البطل. نيرمين كانت بتترعش. كمال متقربش. لكن هو ما سمعش. كان مركز بس في حاجة واحدة. إنها مراته. وابنه. والمرتين اللي ضاعوا منه بسبب نفس الشبكة القذرة اللي حوالينه. قال ببطء عايز إيه؟ الراجل ضغط السلاح أكتر على راسها. أوامر رامي. كمال عينه ضاقت. قول له ييجي بنفسه. هو مشغول بيوقّع على نهاية كل حاجة دلوقتي.