طبق الكرنب وحساب السنين ج٢ نرمين همام
— “توقفهم؟” .. قاطعته بنظرة قاطعة .. “يا إبراهيم، أنت عندك فوق الثلاثين سنة.. لسه ما فهمتش؟ في نظر أبوك وأمك، فلوسك ملكهم وفلوس مراتك برضه ملكهم! فاكر إنك بكلمتين هتقدر تغير الطبع اللي اترسخ فيهم طول السنين دي؟”
سكت، لأنه من جوه عارف إن كل كلمة قلتها صح 100%.
— “المشكلة بيننا عمرها ما كانت فلوس وبس يا إبراهيم.. المشكلة في الاحترام، والحدود، وإنك ما عرفتش تعمل خط فاصل بين عيلتك وبين بيتك الصغير! كنت دايماً عايز ترضي الكل، وفي الآخر خذلت بيتك. عايز مراتك تضحي من غير ما تنطق، وعايز تطلع الابن البار المطيع لأهلك على حسابها.. ومفيش حد يقدر يلعب الدورين دول مع بعض من غير ما يتهدم بيته!”
كلماتي كانت زي المشرط اللي بيشيل الداء، وهو غمض عينه من الألم.
وفي اللحظة دي، تليفونه اتهز بجنون.. كانت أمه.
بص للشاشة، وشه اتقلب، وبصلي بتردد.. وفي الآخر داس على زرار الكتم. بس المكالمة كانت بتعافر وتتكرر.
اضطر يطلع البلكونة يرد.
ما مشيتش وراه، بس من صوت رغيه المكتوم وزعيق حماتي اللي كان طالع من السماعة وهي بتصرخ وتدعي، كان واضح كل حاجة: حماتي بتبكي وتضغط عليه عشان يرضخ ويديهم الفلوس.
بعد عشر دقايق، دخل وشه أصفر زي الورقة وعينيه زاغة:
— “أمي بتقول… لو ما خليتكيش تدي الثمانين ألف لحسين من غير شروط… تعتبرني مش ابنها وما تعرفنيش تاني.”
— “أها.” .. رديت ببرود روتيني.
— “وبتقول كمان… إني أطلقك! بتقول عائلة أبو سيف ما بتشيلش كواين يحسبوا بالقرش وما يحترقوش الحما!” .. كان بيحرث في الكلمات وهو باصصلي بألم وشك.
قلبي انقبض من قسوتهم، بس من بره فضلت هادية زي المية.
— “وأنت رأيك إيه؟” .. سألته.
ده كان الاختبار الأخير ليه. إجابته هي اللي هتقرر هل الجوازة دي كملت ولا اتفضت.
بصلي وعينيه بتغلي من الصراع.. الوقت كان بيمشي ثقيل.
وفجأة، وكأنه استجمع كل قوته، طلع محفظته، وطلع فيزة المرتب، وطلع عقد الشقة ورخصة العربية وحطهم كلهم على ترابيزة الصالة قدامي.
— “سمر،” .. رفع راسه وعينيه حمر .. “الحاجات دي كلها باسمك من النهاردة. البيت ده أنتِ صاحبته، وأنا مش هتصرف في جنيه تاني.. أنا بس بطلب منكِ طلب واحد: بلاش تمشي وتسبيني.”
تصرفه ده كان بره توقعاتي تماماً!
بصيت لكومة الأوراق والفيز المطروحة قدامي وأنا مذهولة.. هل الأستاذ صحي بجد وعايز يسلم لي الركاب؟ ولا دي حركة ذكية منه عشان يهرب من المواجهة ويرميني أنا في وش أهله؟!