حدود الكرامه ج٢ منى السيد

الجزء الثالث والأخير
نزلت شاهندة درجات السلم ورجليها بتخبط في بعض زي اللي واخدة على دماغها بخشبة، وفي إيدها الصينية والشفشق لسه زي ما هو، ساقط فيه التلج وسايح، ونقط الماية بتنزل على طرف عبايتها. طلعت من بوابة العمارة، لقت محمود راكن عربيته السيراتو الفضية على جنب، فاتح الإزاز نص فتحة وساند بدراعه، أول ما شافها طالعة لوحدها ووشها أصفر زي الليمونة المخللة، رزع دراعه على الدريكسيون وفتح الباب ونزل يجري في إيه يا شاهندة؟! أمي فين؟ منزلتش معاكي ليه؟!
شاهندة حطت الصينية على كبوت العربية بصوت رزع مكتوم، وبصت له وعينيها بتلمع بدموع قهر حقيقي أمك قالتلي لأ يا محمود. قالتلي مش راجعة، ومش داخلة شقتكم دي تاني. محمود برّق بعينيه، حس إن ودانه بتصفّر يعني إيه قالت لأ؟! إنتِ نزلتي ولا بوظتي الدنيا تاني؟ اتكلمتي بأسلوبك الناشف؟ ما عرفتيش تقولي كلمتين يبلوا الريق؟! والله ما اتكلمت غير بكل أدب! صوتها علي بالخنقة عيطت واعتذرت وقولتلها العيال متبهدلين والبيت واقف وهي قافلة دماغها زي الحجر! بتقولي الستات مش تركة، وبتقولي

عيالك ركبي انتي وجوزك يشيلوهم، وبتقولي أنا عايشة لنفسي خلاص! اطلع انت بقى شاطر واقنعها!
محمود سابها على الرصيف وطلع يجري على السلم، طالع تلات درجات تلات درجات ونهجانه واصل لآخر المدخل. وقف قدام باب شقة أمه، الباب الخشب الأرو القديم اللي ياما خبط عليه وهو راجع من المدرسة هدومه تراب، وياما خبط عليه وهو راجع من الجامعة مخڼوق، وكان بيتفتح له في ثانية بضحكة وريحة أكل تفتح النفس.
دق الباب دقتين تلاتة ورا بعض، وبعدين نادى بصوت مړعوپ يا أمي! افتحي يا أمي أنا محمود، افتحي كلميني!
الباب اتفتح بعد دقيقة، تهاني كانت ماسكة المقص والمتر في إيدها، بصت له بهدوء مفيش فيه لا ڠضب ولا لهفة، كأنها بتشوف جار معدي خير يا محمود؟ بتخبط كده ليه الجيران هيقولوا إيه؟ يا أمي حرام عليكي، بتعملي فينا كده ليه؟! محمود دخل خطوة جوة الصالة ومسك إيدها وباسها من وشها وضهرها كأنه طفل ضايع في مول يعني خلاص؟ بعتيني أنا والعيال عشان كلمة فارغة؟ ده أنا ابنك الوحيد يا ماما! أنا ضهرك وسندك! تهاني سحبت إيدها من بين إيديه بالراحة، مش بقسۏة،
بس بثبات ميرجعش إنت ابني يا محمود، وروحي من جوة، وعمري ما أبيعه. بس ضهري وسندي ده كان بيبقى فين لما كان ضهري بيتقطم في شيل ابنك عشان سيادتك بتلعب بلايستيشن في الأوضة بعد ما رجعت من شغلك مهدود؟ كان فين سندك لما مراتك كانت بترمي عليا الكلمة زي السم وإنت بتضحك عشان متزعلهاش؟ والله العظيم مكنت واخد بالي يا ماما! حقك عليا، رقبتي سدادة، اطلبي اللي انتي عايزاه بس متسيبيناش نغرق! مش هطلب حاجة يا محمود، لإني مش عايزة حاجة. اللي كنت بعمله كان لله وعشان بحبك، بس لما يتحول لعبودية واستباحة، يبقى ربنا نفسه ميرضاش بده. روح يا ابني، روح لبيتك ولمراتك، اتعلموا تبقوا عيلة من غير ما تدوسوا على ضهر حد عشان تعلوا.
محمود وقف يبص لأمه كأنه بيشوفها لأول مرة. شاف التجاعيد اللي حوالين عينيها، شاف صوابع إيدها اللي مفاصِلها وارمة من الروماتيزم، شاف الوقفة الصامتة المستقرة اللي مفهاش خوف. عرف ساعتها، باليقين اللي بيقطع أي شك، إن تهاني الطيبة اللي بتسكت ماټت ودفنت يوم الجمعة اللي فات، وإن اللي قدامه دي ست تانية خالص، حرة ومكتفية،
ومش هتقبل ترجع

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *