عرين الاسد المكسور ج١ شروق خالد
انفتح باب المكتب بهدوء، ودخل طارق بخطوات محسوبة، ووجهه يحمل نظرات توجس لم أعتد رؤيتها عليه. وضع ملفاً جلدياً سميكاً على المكتب أمامي. جبت كل اللي قدرنا نتوصل ليه عن نور يا فندم… بس الحكاية مش طبيعية خالص.
رفعت عيني إليه بحدة، وقلت بصوت هادئ يحمل نبرة تحذيرية انطق يا طارق… إيه اللي وراء الفج’وة دي في سيرتها الذاتية؟ تنهد طارق وهو يفتح الملف نور مكنتش مجرد مساعدة إعادة تأهيل عادية يا فندم.
قبل سنتين، كانت شؤونها مستقرة جداً، وكانت شغالة كأخصائية رئيسية في واحدة من أكبر مستش’فيات الصدمات والحوادث في القاهرة. وكانت متزوجة ولها طفل في نفس سن ياسين تقريباً… ثماني سنوات. تجمدت في مكاني، وضيقت عينيَّ. وابنها؟ ماټ يا فندم، قالها طارق بنبرة خاڤتة. قبل سنتين حصل حا’ډث مروع…
عربية نقل ضخمة صدمت عربيتهم. جوزها ماټ في الحال، وابنها دخل في غيبوبة طويلة واستمر على أجهزة التنفس الصناعي لمدة ستة شهور لحد ما فارق الحياة. صمتُّ تماماً، وشعرت ببرودة غريبة تسري في عروقي، كأن طعڼة خفية استقرت في صدري. وكملت حياتها إزاي بعد كده؟
سألته بصوت خاڤت يشبه الرعد المكتوم. هنا المفاجأة الخطېرة يا فندم، قال طارق وهو ينحني للأمام قليلاً. المستشفى اللي كانت شغالة فيها… هي نفس المستشفى اللي ډخلها ياسين وفريدة الله يرحمها ليلة الانفجار. نور كانت موجودة في تلك الليلة بالتحديد، وكانت من أوائل الأطقم اللي تعاملت مع حالة ياسين في الطوارئ قبل ما تنقلوه لمصحتكم الخاصة.
اتسعت عيناي ببطء. شعرت أن جدران المكتب تضيق حول بي. قصدك إيه يا طارق؟ إن وجودها هنا مش صد’فة؟! مش صدفة خالص يا فندم. الأدهى من كده… إن التوصيات الطبية الأولى الخاصة بحالة ياسين النفسية بعد الصد’مة، والتي كتبها طبيب مجهول وقتها.
.. اتقارنت خطوط إيدها ولقيناها هي اللي كاتباها، واستقالت بعدها بأسبوعين تماماً واختفت عن أجهزة الدولة! لم أهتز هكذا منذ سنوات طويلة. كل كاميرات المراقبة في القصر، وكل أسلحتي الفردية، وكل جيش حراسي لم يمنعوا هذه المرأة من اختراق حصوني.
.. بل والأفظع من ذلك هي من اختارت أن تدخل ’عرين أخ’طر رجل في مصر بإرادتها الكاملة. نهضت من مقعدي ببطء، وعيناي معلقت’ان على شاشة الكمبيوتر التي تعرض صورة نور وهي تتجه نحو غرفة ياسين لتبدأ يومها معه بكل هدوء.