رحت البنك اسحب
مراجعة أي مستندات اتقدمت باسمي من غير علمي.
بعد مراجعة أولية، اتضح إن فيه طلبات مرتبطة بالعقار اتقدمت بالفعل، لكن نقل الملكية ما اكتملش، وإن فيه تناقضات في التوكيل والتوقيعات.
أما مبلغ ال ألف جنيه، فكان لسه موجودًا في الحساب، والبنك رفض صرفه بسبب الاشتباه في المستندات.
لأول مرة من يوم ما دخلت البنك، حسّيت إن فيه فرصة ألحق بيها اللي باقي من حياتي.
لكن المشكلة إن كريم ما كانش يعرف إن الخطة بدأت تقع.
وكان يوم الخميس، اللي كان مستني فيه يستلم الفلوس، قرب.
يوم الأربعاء بالليل، موبايلي رن.
كان كريم.
فضلت باصص للاسم على الشاشة شوية، وبعدها رديت.
أيوه يا كريم.
صوته كان متوتر، لكنه حاول يخفي ده.
عامل إيه يا بابا؟ بقالي كتير ما كلمتكش. إنت زعلان مني في حاجة؟
كنت عايز أقوله إنت قتلتني على الورق يا كريم، ولسه بتسألني أنا زعلان منك ليه؟
لكن تماسكت وقلت
الحمد لله يا ابني. إنت عامل إيه؟
سكت لحظة، وبعدها قال
أنا محتاج أجيلك بكرة. فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
سألته
موضوع إيه؟
قال بسرعة
مش هينفع في التليفون. بكرة هفهمك كل حاجة.
قبل ما يقفل، سمعت صوت نادين في الخلفية، بتقوله بعصبية
قوله إن لازم ييجي بنفسه، وإن الورق لازم يخلص بكرة!
وبعدها الخط اتقفل فجأة.
فضلت ماسك الموبايل، وقلبي بيدق.
هو كان جاي علشان يواجهني؟ ولا علشان يتأكد إن كل حاجة خلصت؟
بلغت الضابط بالمكالمة، واتفقنا إن أي مقابلة تحصل تبقى في إطار قانوني آمن، من غير ما أعرّض نفسي للخطر.
تاني يوم، كريم وصل البيت لوحده.
فتحته الباب، وأول ما شافني، وقف مكانه.
كان وشه شاحب، وعينيه فيها أرق واضح، ولما دخل الصالة، فضل باصص لصورة أمه المعلقة على الحيطة.
قال بصوت مكسور
وحشتيني يا أمي.
الجملة دي وجعتني أكتر من كل الورق اللي شوفته.
لأنه، رغم كل اللي عمله، كان لسه ابني اللي أمه ماتت وهي بتحاول تنقذه من نفسه.
قعد قدامي، وفضل يفرك إيديه في بعض.
قلتله
خير يا كريم؟ إيه الموضوع المهم؟
رفع عيني ليا، وقال
يا بابا، أنا عارف إنك هتزعل، بس أنا في مصيبة. عليّا ديون كبيرة، وفيه ناس هتضيع مستقبلي لو ما دفعتش.
بصيتله وقلت
وعلشان كده قررت تموتني؟
اتجمّد مكانه.
وشه اتغيّر، وبصلي كأنه مش فاهم أنا بقول إيه.
قلتله وأنا بطلع صورة شهادة الوفاة من الدرج
تعرف الورقة دي يا كريم؟
بص عليها، وبعدها رجع بصلي.
شفايفه بدأت ترتعش، لكنه ما قدرش ينطق.
حطيت قدامه صورة طلب نقل ملكية البيت، وقلت
ودي كمان؟ والتوقيع اللي باسمك؟ واسم مراتك والمحامي اللي كان بيجهز نقل الملكية؟
فجأة، قام من مكانه.
يا بابا، اسمعني! الموضوع مش زي ما إنت فاهم!
صرخت فيه لأول مرة من سنين
أمال زي إيه؟! إنت كتبت إني متوفي وأنا قاعد قدامك! إنت خليتني ميت في ورق الحكومة علشان تاخد فلوسي وبيتي! كنت مستني إيه؟ أروح أدفن نفسي بإيدي علشان ترتاح؟!
حط إيده على وشه وانهار في العياط.
أنا ما كنتش عايز أوصل لكده!
ردّيت عليه
لكنك وصلت. وإنت اللي اخترت الطريق ده خطوة خطوة.
فضل ساكت شوية، وبعدها قال جملة كشفتلي آخر جزء من الحكاية
شريف هو اللي قاللي إن الموضوع مضمون، وإن محدش هيسأل بعد ما شهادة الوفاة تتسجل. وممدوح كان بيهددني إنه هيأذيني لو ما دفعتش اللي عليّا. ونادين قالتلي إنها هتقدر تخلّص الإجراءات.
سألته
ونادين كانت عارفة إنك بتزوّر وفاتي؟
هز راسه ببطء.
أيوه.
الكلمة خرجت منه بالعافية.
هي اللي جابتلي صور من ورقك القديم، وهي اللي عرفتني أقدر أقدّم الطلبات منين. وشريف جهّز الورق، وقال إننا هنخلص من الديون، ونبيع البيت، وبعدها نسافر ونبدأ من جديد.
بصيتله بذهول.
تسافروا؟ وتسيبوني أنا؟!
غطّى وشه بإيديه وقال
أنا كنت جبان يا بابا. كنت عارف إن اللي بعمله غلط، بس كل ما كنت أحاول أرجع، كانوا يهددوني. وفي الآخر أقنعت نفسي إنك مش هتتضرر، وإنك مش هتعرف حاجة.
قلتله بحزن
إنت فاكر إن الموت ورقة يا كريم؟ ده كان ممكن يوقف معاشي، ويضيّع حقوقي، ويخليني عاجز أثبت حقي. وإنت كنت مستعد تاخد البيت اللي أمك عاشت فيه، وتسيبني من غير حاجة!
رفع عيني وقال
أنا عارف إني ما استاهلش تسامحني.
كنت لسه هرد، لكنه طلع من جيبه فلاشة صغيرة، وحطها على الترابيزة.
قال
دي عليها تسجيلات ومراسلات بين نادين وشريف وممدوح. سجلتها من غير ما يعرفوا، بعد ما فهمت إنهم مش ناويين يسيبوني حتى بعد ما ياخدوا الفلوس.
بصيت للفلاشة، لكن ما لمستهاش.
قلتله
ليه جايبها دلوقتي؟
رد بصوت مخنوق
لأنهم اتفقوا إن بعد ما الفلوس تتحول، أنا اللي هلبس كل حاجة لو حصلت مشكلة. شريف كان بيقول إن كل التوقيعات باسمي، وإن نادين تقدر تنكر إنها تعرفني. وممدوح كان ناوي ياخد الفلوس كلها بحجة سداد الديون.
سألته
وإنت عايزني أعمل إيه؟ أخبيك عندي؟ أقول للشرطة إنك كنت مغلوب على أمرك؟
هز راسه وقال
لا. أنا عايزك تسلّم التسجيلات للشرطة. أنا مستعد أقول الحقيقة كلها.
لأول مرة من بداية المصيبة، حسّيت إن ابني بدأ يشوف حجم اللي عمله.
لكن الاعتراف ما كانش كفاية، وكان لازم الحقيقة تتثبت من غير ما نغامر بسلامة أي حد.
بلغت الضابط إن كريم موجود معايا، وإنه مستعد يقدّم مستندات وأدلة. وبعدها، وبالتنسيق مع الجهات المختصة، سلّمنا الفلاشة والمراسلات، واتعملت الإجراءات اللازمة لفحصها والتحقق من صحتها.
كريم خرج من البيت مع الجهات المختصة علشان يدلي بأقواله رسميًا.
وأنا فضلت واقف عند الباب، شايفه بيبعد عني، ومش عارف أنا كده أنقذت ابني، ولا أخيرًا وقفت قدام الحقيقة اللي كنت بهرب منها سنين.
التحقيقات استمرت أسابيع.
وفحصت الجهات المختصة المستندات، وراجعت سجلات تقديم الطلبات، وبدأت تتبع الإجراءات اللي اتعملت باسمي.
واتضح إن شهادة الوفاة اتسجلت اعتمادًا على مستندات مزورة، وإن فيه تلاعب حصل في إجراءات استخراجها. كمان ظهرت مخالفات وتوقيعات مشكوك فيها في ملف العقار، واتأكد إن نقل الملكية ما اكتملش.
أما التسجيلات والمراسلات، فساعدت المحققين في كشف دور شريف وممدوح، وفي مطابقة أجزاء من الخطة مع المستندات والتحويلات المالية.
نادين أنكرت في البداية إنها كانت تعرف تفاصيل اللي بيحصل، لكن مراجعة المراسلات والبيانات الرسمية كشفت تناقضات في أقوالها، واتخذت ضدها الإجراءات القانونية المناسبة.
وشريف، اللي كان فاكر إنه يقدر يختفي ورا توقيعات وأوراق، اتكشف دوره في تجهيز مستندات غير صحيحة. أما ممدوح، فبدأت التحقيقات معاه في وقائع التهديد والديون والتحويلات المرتبطة بالقضية.
ما كانش كل شيء سهل، ولا كل دليل معناه إدانة تلقائية، لكن التحقيق مشي في طريقه، وكل واحد بقى مسؤول عن دوره الحقيقي.
وبعد مراجعة الأوراق، اتخذت الجهات المختصة إجراءات تصحيح بيانات وفاتي، ورجعت أقدر أتعامل بمعرفتي الحقيقية، واتحفظ على حسابي لحين استكمال الإجراءات المطلوبة، من غير ما الفلوس تخرج من البنك.
أما البيت، فتم وقف أي إجراء متعلق بنقل ملكيته، واتأكدت إن مستنداته الأصلية سليمة، وإن مفيش تنازل صحيح صادر مني.
لما رجعت البيت بعد أول جلسة تحقيق، دخلت أوضتي، وطلعت صورة فاطمة من الدرج.
قلت لها
كنتِ خايفة عليه، وأنا كمان كنت خايف عليه. بس إحنا الاتنين نسينا إن الخوف على حد مش معناه إننا نسيبه يدمّر