رحت البنك اسحب
لمحة نيوز
وقالت بصوت أوطى
لأن اسمها موجود في المستندات دي، ومش مجرد اسم عابر. فيه توقيع منسوب ليها مرتبط بإصدار شهادة الوفاة دي.
حسّيت ببرودة غريبة بتسري في جسمي.
يعني كريم ما كانش لوحده!
مراته، اللي المفروض إنها فاهمة كويس خطورة الورق الحكومي والتزوير، كانت مشاركة معاه في حاجة بالشكل ده؟
مدّتلي الأستاذة منى ورقة تانية، وقالت
وفيه حاجة أخطر من كده لازم تشوفها بنفسك.
بصّيت على الورقة، ولقيت اسم شخص تالت، ومعاه رقم ملف وتاريخ إجراء رسمي اتعمل قبل تسجيل وفاتي بأيام.
لكن اللي خلاني أحس إن رجلي مش شايلاني، مش الاسم نفسه…
إنما طبيعة الإجراء اللي اتعمل.
الإجراء ده ما كانش له أي علاقة بسحب الفلوس من البنك.
كان متعلق بملكية عقار!
عقار أنا أملكه، وما عمري ما قلت لابني إن عندي مستنداته الأصلية محفوظة في مكان محدش يعرفه غيري ومراتي الله يرحمها.
رفعت عيني للأستاذة منى، وقلتلها بصوت متقطّع
هو ابني كان عايز فلوسي بس؟ ولا كان ناوي ياخد مني كل حاجة؟
ما ردّتش فورًا.
اكتفت إنها تقلّب آخر صفحة في الملف، وبعدها قالت جملة خلتني أفهم إن موضوع وفاتي ما كانش نهاية الحكاية…
دي كانت مجرد أول خطوة في خطة أكبر، خطة لو كانت نجحت، ما كنتش هخسر فيها تحويشة عمري وبس… كنت ممكن أخسر بيتي، واسمي، وكل حاجة تعبت أربعين سنة علشان أبنيها.
الجزء التاني والأخير مات في الورق لكنه رجع يدفن سر ابنه!
الأستاذة منى فضلت باصة للورقة اللي في إيدها ثواني، وبعدها رفعت عيني ليا وقالت
يا عم حسن، أنا مش عايزة أخض حضرتك أكتر، بس لازم تعرف إن فيه طلب اتقدّم لنقل ملكية العقار اللي حضرتك ساكن فيه، والطلب ده اتقدّم باعتبار إنك متوفي، وإن ابنك هو الوريث الوحيد ليك!
حسّيت إن الكرسي اللي قاعد عليه بيتحرك من تحتي.
بيتي!
البيت اللي اشتريته من أربعين سنة، واللي كل حيطة فيه شاهدة على يوم من عمري مع فاطمة. البيت اللي رجعتله بعد كل فرح صوّرته، وأنا شايل الكاميرا على كتفي وظهري واجعني، علشان ألاقي مراتي مستنياني بكوباية شاي وابتسامة تخليني أنسى تعب الدنيا.
كريم مش بس كان عايز فلوسي، ده كان عايز يمسح وجودي من الدنيا كلها!
سألت الأستاذة منى وأنا بحاول أسيطر على صوتي
مين الشخص التالت اللي حضرتك قولتيلي عليه؟
فتحت الملف، وورّتني صورة من طلب نقل الملكية.
كان اسم محامي اسمه شريف الدمنهوري، وتحته توقيع منسوب ليا، بيأكد إني وافقت على إجراءات نقل العقار لابني قبل وفاتي.
لكن أنا عمري ما قابلت المحامي ده، ولا مضيت على الورقة دي!
قلت لها
التوقيع ده مزوّر. أنا عمري ما شفت الراجل ده في حياتي!
ردّت بهدوء
ده اللي لازم التحقيق يثبته. لكن فيه تفصيلة غريبة جدًا. الطلب اتقدّم قبل تسجيل الوفاة بيومين، وده معناه إن فيه حد كان بيرتب لكل حاجة من قبلها.
خرجت من البنك وأنا حاسس إني راجل تاني.
ما كنتش عايز أصدق إن ابني ممكن يوصل للدرجة دي، لكن الأدلة قدامي كانت بتقول إن الموضوع مش لحظة طيش ولا تصرف ناتج عن الديون.
دي كانت خطة كاملة.
والأخطر إن فيه حد ساعده من جوه جهة حكومية، وحد تاني جهّز أوراق العقار، وحد كان مستني الفلوس تتحوّل لحسابه.
كان لازم أعرف مين الشخص الرابع اللي لسه اسمه مستخبي.
رجعت البيت في إسكندرية، وأول ما فتحت الباب حسّيت إن فاطمة لسه موجودة.
صورتها كانت معلّقة في الصالة، بنفس الابتسامة اللي كانت بتستقبلني بيها كل يوم.
قعدت قدامها وقلت
يا فاطمة، أنا مش عارف إنتِ كنتِ شايفة فيه إيه خلّاكي تفضلي تدافعي عنه لحد آخر يوم في عمرك. أنا عارف إنه ابننا، بس اللي عمله أكبر من إني أقدر أستوعبه.
فضلت ساكت شوية، وبعدها افتكرت حاجة.
قبل ما فاطمة تموت بشهر تقريبًا، طلبت مني أطلع صندوق خشب قديم من فوق الدولاب، وقالتلي
لو حصل أي حاجة ليا، أو حسيت إن كريم اتغيّر بطريقة تخوفك، ما تفتحش الصندوق غير لما تتأكد إنك محتاج تعرف الحقيقة.
وقتها ضحكت وقلتلها
هو إحنا داخلين على فيلم بوليسي يا فاطمة؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
ربنا يسترها علينا يا حسن.
بعد وفاتها، حطيت الصندوق في مخزن صغير فوق السطح، ونسيت الموضوع وسط حزني.
لكن دلوقتي، طلعت السلم وأنا حاسس إن كل درجة بتاخدني ناحية سر عمري ما كنت مستعد أعرفه.
فتحت المخزن، وشلت كام كرتونة قديمة، لحد ما وصلت للصندوق.
كان مقفول بمفتاح صغير، والمفتاح كان لسه موجود في ظرف جوه درج مكتبي.
فتحته.
لقيت كشكول فاطمة القديم، وصورًا لبعض التحويلات البنكية، وورقة مكتوب عليها بخط إيدها
يا حسن، لو إنت بتقرأ الكلام ده، فغالبًا أنا مش موجودة علشان أشرحلك. سامحني إني خبيت عنك، بس كنت خايفة أخسرك ابني وإنت لسه عايش.
حسّيت إن قلبي اتقبض.
كملت قراءة الرسالة.
كريم رجع للقمار من سنين، والديون اللي عليه أكبر بكتير من اللي قالهولك. لكنه المرة دي مش بيطلب فلوس وبس. فيه ناس بتهدده، وفيه راجل اسمه شريف بيحاول يقنعه إن أسرع طريقة يخلّص بيها من ديونه هي إنه يستفيد من أملاكك بعد وفاتك.
واجهته، ووعدني إنه هيبعد عنهم. لكنه طلب مني ما أقولكش حاجة، وقال إن الموضوع انتهى.
أنا مش عارفة صدقته ولا لأ. بس لو رجع الخطر، افتكر إن المحبة مش معناها إننا نسيب الغلط يكبر لحد ما يدمّر صاحبه.
وقعت الرسالة من إيدي.
شريف!
نفس المحامي اللي اسمه موجود في ورق نقل الملكية.
يعني فاطمة كانت عارفة من سنين إن فيه حد بيحاول يستغل ابني، وإن كريم كان عارف إن الاستيلاء على البيت كان مطروح من زمان!
لكن فيه سؤال واحد فضِل يطاردني
ليه فاطمة ما قالتليش كل ده قبل ما تموت؟
قلبت باقي محتويات الصندوق، فلقيت ظرفًا صغيرًا مكتوبًا عليه
افتحه لو اكتشفت إن كريم كذب عليك تاني.
جواه كان فيه إيصال أمانة قديم، وصورة لورقة عليها توقيع كريم، وإفادة بتحويل مبلغ كبير من حساب فاطمة لحساب شخص اسمه ممدوح صبري.
ما كنتش أعرف ممدوح ده مين.
لكن في ظهر الورقة، فاطمة كانت كاتبة
ممدوح هو اللي بيجمع ديون كريم، وشريف هو اللي بيدبّر الحلول. لو الاتنين ظهروا مع بعض، يبقى ابني وقع في مصيبة أكبر من قدرته.
دلوقتي فهمت.
كريم ما كانش بيحاول يسرقني علشان يعيش حياة مترفة.
كان غرقان في شبكة من الديون والتهديدات، وكل مرة كان بيحاول يهرب منها، كان بيغرق أكتر.
لكن فهم السبب ما كانش معناه إني أبرر اللي عمله.
أنا أبوه، مش بنك مفتوح، ومش شخص من حقه يمحوه من السجلات علشان يستولي على عمره وشقاه.
تاني يوم الصبح، اتصلت بالأستاذة منى، وطلبت منها تقابلني في مكان آمن بعيد عن البنك.
اتفقنا نروح مع بعض لمركز الشرطة، ونقدّم كل المستندات اللي معانا، بما فيها رسالة فاطمة.
في البداية، كنت خايف إن حد من المتورطين يعرف قبل ما نقدر نثبت كل حاجة، لكن الضابط اللي استقبلنا وضّحلي إن الأفضل إننا نتحرك رسميًا، ونسيب جمع الأدلة والتحقيق للجهات المختصة بدل ما أحاول أواجههم بنفسي.
قدّمت بلاغًا بإثبات إني على قيد الحياة، والطعن على شهادة الوفاة المزورة، والتحقيق في محاولة الاستيلاء على حسابي وعقاري.
وطلبت كمان