رحت البنك اسحب

نفسه.
بعد شهور، صدر الحكم في القضية.
أُدين المتورطون اللي ثبتت مسؤوليتهم عن التزوير والوقائع المرتبطة بمحاولة الاستيلاء على أموالي، واتحكم عليهم بالعقوبات المقررة قانونًا بحسب دور كل واحد والأفعال اللي ثبتت عليه.
أما كريم، فبعد ما أدلى باعترافاته وقدّم أدلة ساعدت في كشف جوانب من الخطة، واجه هو كمان المحاسبة عن الأفعال اللي ارتكبها. تعاونه ما مسحش مسؤوليته، لكنه كان جزءًا من الصورة اللي المحكمة نظرت فيها.
خسر كريم فلوسه، وخسر بيته اللي كان عايش فيه مع نادين بعد الإجراءات اللي ترتبت على قضاياه وديونه، وخسر زواجه بعدما اتضح له إن الست اللي وثق فيها كانت مستعدة تسيبه يتحمل الجزء الأكبر من المصيبة لو الخطة فشلت.
لكنه، للمرة الأولى من سنين، ما حاولش يهرب.
بعد فترة، بعتلي جواب من المكان اللي كان بيقضي فيه مدة عقوبته.
كان مكتوب فيه
يا بابا، أنا مش بطلب منك تسامحني، ولا حتى ترد عليّا. أنا بس عايزك تعرف إني كل يوم بفكر في اللحظة اللي كنت واقف فيها قدامك وإنت بتسألني إذا كنت أعرف شهادة الوفاة.
أنا كذبت عليك، وسرقت منك الأمان قبل ما أحاول أسرق فلوسك. وكنت فاكر إن لو قدرت أخلّص نفسي من الديون، هقدر أبدأ من جديد. لكن اكتشفت إن مفيش بداية جديدة بتتبني على خراب حياة حد تاني.
أنا عارف إن أمي كانت هتزعل مني، وعارف إنك مش هتقدر ترجع تثق فيا بسهولة.
أنا آسف يا بابا.
قرأت الجواب مرتين.
وبعدها حطيته جوه صندوق فاطمة، جنب رسالتها القديمة.
ما سامحتوش في اللحظة دي، وما قلتش لنفسي إن كل حاجة رجعت زي الأول.
لكن لأول مرة، ما حسّيتش إني لازم أختار بين إني أكون أب، وإني أحمي نفسي.
عدّت سنة كاملة.
رجعت أعيش في بيتي، ورجعت أسحب معاشي باسمي الحقيقي، وال ألف جنيه فضلوا في حسابي. وبعد ما استقرت الإجراءات القانونية والمالية، خصصت جزءًا من فلوسي لمصاريف علاجي ومعيشتي، وحطيت الباقي في حساب آمن ما بقاش حد غيري يقدر يتصرف فيه.
أما الكاميرا القديمة، اللي كنت بصوّر بيها الأفراح طول عمري، فطلعتها من الدولاب بعد غياب طويل.
في يوم جمعة، نزلت أتمشى على البحر في إسكندرية. كان الجو هادي، والشمس بتغيب وبتلوّن الميه بالبرتقالي والبنفسجي.
شفت عريس وعروسة بيتصوروا على الكورنيش، ومعاهم مصوّر شاب بيحاول يظبط وقفتهم.
وقفت أتفرج عليهم، وافتكرت كل الوجوه اللي شفتها من ورا عدستي.
طلعت كاميرتي، وصوّرت البحر.
ولما رجعت البيت، طبعت الصورة وحطيتها جنب صورة فاطمة.
كنت فاكر إن أكبر خسارة ممكن تحصل للإنسان هي إنه يخسر فلوسه أو بيته، لكن اللي حصل علّمني إن فيه خسارة أصعب إنك تكتشف إن الشخص اللي كنت مستعد تضحي بعمرك علشانه، كان مستعد يمحي عمرك علشان نفسه.
ومع ذلك، ما بقيتش بكره كريم.
كنت لسه بحبه، لكن حبي ليه ما بقاش معناه إني أبرر غلطه، ولا إني أفتحله باب يكرر منه نفس الأذى.
بعد كام شهر، جالي جواب تاني منه.
المرة دي ما كانش فيه اعتذار طويل ولا طلب للمسامحة.
كان فيه سطر واحد
يا بابا، لما أخرج، مش هطلب منك فلوس ولا بيت. لو تسمحلي، هطلب منك فرصة أتعلم أعيش من غير ما أظلمك تاني.
فضلت باصص للسطر ده وقت طويل.
وبعدها كتبتله ردًا قصيرًا
يا كريم، بابا مش هيقدر يعيش عمرك مكانك، ولا يصلّح كل غلطاتك بإيده. لما ييجي وقتك، ابدأ من الصفر، وخلّي أفعالك هي اللي تتكلم عنك. الباب اللي بيتفتح بالثقة، لازم تحافظ عليه بالصدق.
بعتله الجواب، ورجعت قعدت قدام صورة أمك.
ما كنتش عارف إذا كان كريم هيتغير فعلًا، ولا إذا كانت الأيام هتقدر تصلّح اللي اتكسر بينا.
لكن كنت عارف حاجة واحدة
أنا مش ميت.
مش في الحقيقة، ومش في نظر القانون بعد ما اتصلحت بياناتي.
ومش هسمح لحد تاني يقرر إن حياتي انتهت لمجرد إنه مستعجل ياخد اللي ورايا.
وفي آخر ليلة من السنة، وقفت في البلكونة، وبصيت على شوارع إسكندرية اللي قضيت عمري فيها.
افتكرت الأربعين سنة اللي شقيت فيهم، والليالي اللي رجعت فيها تعبان، وفاطمة وهي بتستقبلني، وكريم وهو صغير بيجري عليّا أول ما أفتح الباب.
دمعت عيني، لكن المرة دي ما كانش بكاء على الفلوس، ولا على البيت، ولا حتى على ابني.
كان بكاء على العمر اللي ضاع في الخوف من الحقيقة.
مسحت دموعي، ودخلت جوه.
قبل ما أنام، فتحت الصندوق الخشب للمرة الأخيرة، وقرأت رسالة فاطمة من أولها لآخرها.
وبعدين طويتها، وحطيتها جنب صورتها.
قلت بصوت واطي
سامحت نفسي يا فاطمة، على إني صدّقته أكتر من اللازم، وعلى إني ما شفتش الحقيقة بدري. أما كريم، فده طريقه هو اللي لازم يمشيه.
قفلت الصندوق، وطفيت النور.
ولأول مرة من سنين، نمت وأنا مطمّن.
لأن ابني قدر يكتب شهادة وفاتي على الورق، لكنه ما قدرش ياخد مني حقي في الحياة ولا يسرق مني آخر درس اتعلمته إنك ممكن تحب أقرب الناس ليك من قلبك، ومع ذلك لازم تعرف إمتى تقول له لأ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *