الكلب
لمحة نيوز
اللي محدش كان يتخيله!
أحمد كان واقف قدامي، عينيه بتلف بيني وبين أفراد الأمن، ووشه اللي كان دايمًا هادي وواثق بدأ يتغير بالتدريج.
أنا كنت قاعدة على الأرض، حاضنة فالنتينا، وبحاول أخفي رعشة إيدي. أما هو، فكان باصص للحمام المحروق، وبعدها رجع بصلي وسألني بعصبية
إنتِ عملتي إيه هنا يا مريم؟! مين سمحلك تفتحي المكان ده؟!
رفعت عيني وبصيت له بهدوء غريب حتى عليّا أنا نفسي.
المكان ده؟ تقصد المكان اللي كنت مجهز فيه موتي؟
وشه اصفر فجأة.
حاول يضحك، لكن الضحكة خرجت متقطعة.
إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ أكيد اتخضيتي من صوت الكهربا، ومش فاهمة اللي حصل. ابعدي عن الحمام وأنا هتصرف.
مد إيده ناحيتي كأنه عايز يساعدني أقوم، لكني رجعت لورا.
إوعى تقرب مني!
لأول مرة في حياتي، شفت جوزي بيتراجع من مجرد كلمتين قلتهم له.
واحد من أفراد الأمن وقف بيني وبينه وقال
يا فندم، محدش هيدخل الحمام قبل ما الشرطة توصل. فيه شبهة عبث متعمد بالكهرباء، ولازم المكان يفضل زي ما هو.
أحمد لف ناحيته بعصبية.
إنت عارف إنت بتكلم مين؟! أنا صاحب البيت!
رد فرد الأمن بثبات
وده مش معناه إنك فوق القانون يا فندم.
أحمد بصلي تاني، وفجأة غيّر نبرة صوته، وبقى بيتكلم بالطريقة الحنينة اللي كان بيستخدمها كل مرة عايز يخليني أصدقه.
مريم، حبيبتي، إنتِ تعبانة ومتوترة. تعالي نطلع أوضتنا ونتكلم لوحدنا. البنت بتسمعنا.
كنت عارفة الأسلوب ده كويس. طول 8 سنين، كان بيعرف يخليني أشك في نفسي قبل ما أشك فيه.
لكن المرة دي، أنا ما كنتش لوحدي.
طلعت موبايلي وقلت
قبل ما نتكلم، ممكن تشرحلي ليه كنت بتقول لنادين إنك هتقبض فلوس التأمين بعد موتي؟
لأول مرة، ما عرفش يرد.
بص لفرد الأمن، وبعدها بص لباب البيت، كأنه بيدور على طريق يهرب منه.
وفجأة صرخ
إنتِ بتتجسسي عليّا؟! إنتِ بقيتي مجنونة؟!
قلت له
لأ يا أحمد. أنا بس سمعتك وإنت بتتكلم عن جريمتي قبل ما تحصل.
وقبل ما يكمل كلامه، جرس الباب رن.
كان المحاسب القانوني للشركة وصل، ومعاه محامية اسمها الأستاذة نهى، أنا كنت اتصلت بيها قبل ما أحمد يرجع.
دخلت نهى، بصت للحمام، وبعدها قالت لأحمد
أستاذ أحمد، أنا بطلب منك ما تتحركش من هنا لحد ما الشرطة توصل. عندنا بلاغ عن شبهة شروع في القتل، وتزوير مستندات مالية باسم موكلتي.
أحمد انفجر في الضحك.
شروع في القتل؟! إنتوا كلكم اتجننتوا؟! أنا جوزها، وهي مراتي، وأنا أكتر واحد خايف عليها!
في اللحظة دي، فالنتينا رفعت راسها من حضني وقالت بصوت صغير
لأ يا بابا. إنت مش خايف على ماما.
أحمد بص لها، وملامحه اتبدلت.
فالنتينا، اسكتي. الكبار بيتكلموا.
لكن بنتي، اللي كانت طول عمرها بتجري تحضنه أول ما يرجع من الشغل، المرة دي استخبت ورا ضهري.
وقالت جملة عمرها ما هتخرج من ذاكرتي
إنت قلتلي إن ماما لازم تستحمى الأول عشان لما يحصل اللي إنت عايزه، محدش هيعرف إنك السبب.
أحمد اتجمد.
وبعدها اندفع ناحيتها، لكن فرد الأمن منعه.
ابعد عن بنتي! صرخت وأنا بضمها لصدري.
اللحظة دي كانت كفاية عشان كل حاجة تتغير.
ما بقاش فيه مجال إنه يمثل دور الزوج المحب أو الأب الحنون.
الراجل اللي قدامي كان مستعد يهدد طفلته عشان يحمي نفسه.
وبعد دقائق، وصلت الشرطة.
لكن أحمد ما كانش ناوي يستسلم بسهولة.
السر اللي كان مخبيه تحت البانيو
الضابط المسؤول عن المعاينة طلب من الجميع يبعدوا عن الحمام، واستدعى فريق الأدلة الجنائية.
وأنا كنت واقفة في الصالة، براقبهم وهم بيفحصوا المكان، وبسأل نفسي هو أحمد كان ناوي يقتلني إزاي من غير ما يسيب أي دليل؟
بعد حوالي ساعة، الضابط خرج ومعاه كيس أدلة شفاف، جواه جهاز صغير وأسلاك وأجزاء إلكترونية متفحمة.
قال لي
يا مدام مريم، مبدئيًا، اللي لقيناه يشير إلى وجود توصيلات كهربائية غير آمنة ومخفية عمدًا في مكان ممكن يتعرض للمياه. لكن لازم نستنى تقرير المعمل الفني عشان نحدد طريقة تشغيل الجهاز والهدف منه بشكل قاطع.
هزيت راسي، وأنا حاسة إن كل كلمة بتأكد اللي سمعته.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما المحاسب فتح اللابتوب بتاعه قدام الضابط.
قال إن الشركة كانت بتستعد لتوسعات كبيرة، وإن أسهمي وحصتي في الإدارة كانت قيمتهم ارتفعت بشكل ضخم خلال السنة الأخيرة.
أحمد كان بيحاول يوصل لثلاث حاجات في نفس الوقت
فلوسي، والسيطرة على الشركة، ومبلغ التأمين على حياتي.
لكن المحاسب فتح ملف تاني وقال
المشكلة مش في التحويلات بس. فيه مستندات بتقول إن مدام مريم وافقت على قروض باسمها، وإنها مسؤولة عن تحويلات مشبوهة بملايين الجنيهات. ولو ما اكتشفناش الموضوع بدري، كانت ممكن تتورط في قضية مالية وهي مش عارفة عنها أي حاجة.
بصيت للملفات وأنا مش مصدقة.
كان فيه توقيعات باسمي، وموافقات إلكترونية، وخطابات متبادلة مع جهات مالية.
كل حاجة كانت متظبطة بشكل يخلي أي حد يصدق إني أنا اللي عملتها.
نهى قلبت في المستندات، وبعدها قالت
واضح إنه كان بيجهز لخطة بديلة. لو ماتت، يستولي على أصولها باعتباره المستفيد من التأمين والوريث وفقًا للمستندات المعمول بيها، ولو نجت، يقدر يستخدم الأوراق دي للضغط عليها أو توريطها قانونيًا.
أحمد ضرب بإيده على الترابيزة.
كله كدب! مريم هي اللي كانت بتدير الحسابات، وأنا ماليش دعوة!
لكن المحاسب رد عليه
غريبة! لأن كل التحويلات دي خرجت من حسابات إنت الوحيد اللي عندك صلاحية الدخول عليها.
وهنا بدأت ثقة أحمد تنهار فعلًا.
ومع ذلك، كان لسه عنده ورقة أخيرة بيلعب بيها.
بصلي وقال
إنتِ فاكرة نفسك بريئة أوي يا مريم؟ طب اسألي المحاسب عن الشركة قبل ما تتجوزيني. اسأليه عن الفلوس اللي أبوكي سابها، وعن السبب الحقيقي اللي خلاني أتجوزك!
سكت المكان كله.
أنا عمري ما كنت بحب أتكلم عن أبويا. كان رجل أعمال بسيط، تعب سنين عشان يبني أول مصنع أدوية صغير، وبعد وفاته، أنا كملت شغله لحد ما الشركة كبرت.
أحمد كان دايمًا بيقول إنه حبني عشان شخصيتي، وإنه ما كانش مهتم بفلوسي.
لكن جملته دي زرعت جوايا سؤال مرعب.
نهى بصت له بتركيز وقالت
تقصد إيه بالضبط؟
أحمد ابتسم ابتسامة مستفزة.
اسألوها هي. هي مش عارفة إن أبوها مات وهو سايب ديون ومشاكل أكتر بكتير من اللي كانت تعرفها؟
المحاسب اتوتر، لكنه ما أنكرش الكلام.
وفي اللحظة دي، فهمت إن فيه جزء من الماضي محدش حكاهولي كامل.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، الضابط طلب من أحمد يروح معاهم القسم لاستكمال التحقيق.
وأنا كنت فاكرة إن الليلة انتهت عند كده.
ما كنتش أعرف إن أخطر مفاجأة لسه جاية.
نادين ما كانتش مجرد زوجة ثانية
بعد نقل أحمد للقسم، فضلت نهى معايا في البيت، والمحاسب رجع الشركة عشان يحافظ على السجلات الإلكترونية قبل ما أي حد يقدر يعبث بيها.
أما فالنتينا، فكانت بتسألني كل شوية
ماما، هو بابا هيرجع يعيش معانا؟
ما كنتش عارفة أرد عليها إزاي.
كنت عايزة أحميها من الحقيقة، لكن في نفس الوقت ما كنتش عايزة أكذب عليها زي ما أبوها كذب علينا إحنا الاتنين.
وقلت
اللي حصل مش ذنبك يا حبيبتي. وإنتِ مش مطالبة تصلحي حاجة الكبار بوظوها. أهم حاجة دلوقتي إننا نبقى في أمان.
بعدها بساعتين، جالي اتصال من رقم الضابط.
قال لي إن الشرطة وصلت لنادين، وإنها وافقت تيجي تسمع أقوالها بعد ما عرفت إن أحمد اتقبض عليه.
طلبت أقابلها بحضور نهى، وفعلاً، تاني يوم الصبح قابلناها في مكان مخصص لسماع الأقوال.
كانت قاعدة قدامي، وشها شاحب، وعينيها وارمة من العياط.
أول ما شافتني، قالت
أنا عارفة إن مفيش كلام ممكن يصلح اللي عملته، بس أنا ما كنتش أعرف إنه هيوصل للقتل.
بصيت لها من غير ما أتكلم.
كملت وهي بتعيط
أنا كنت فاكرة إنه هيطلقك، وإنه بيجهز أوراق عشان يضمن حقه في الشركة. قال لي إنك ناوية تبيعي نصيبك وتهربي بفلوسك، وإنك بتخططي تسيبيه من غير أي حاجة.
ضحكت بمرارة.
وصدقّتيه؟
نزلت عينيها للأرض.
أيوه. كنت عايزة أصدقه.
سكتت لحظة، وبعدها طلعت من شنطتها فلاشة صغيرة وحطتها على الترابيزة.
بس من حوالي شهر، بدأت أشك فيه. لقيته بيحوّل فلوس من حسابات الشركة لحسابات بأسماء شركات مش موجودة فعليًا. ولما واجهته، قال لي إن دي ترتيبات مؤقتة، وإن كل حاجة هتتظبط بعد ما يخلص موضوعك.
نهى سألتها
وإيه اللي على الفلاشة؟
نادين ردت بصوت مرتعش
تسجيلات لمكالمات بيني وبينه، ونسخ من ملفات كان باعتها لي. أنا احتفظت بيهم لما بدأت أخاف منه.
بصيت لها بذهول.
ليه احتفظتي بيهم؟ عشان تحمي نفسك لو حصل خلاف بينكم؟
ما قدرتش ترفع عينيها.
في الأول، أيوه. بس بعدين عرفت إنه ممكن يضرني أنا كمان. هو كان بيقول إن الطفل اللي في بطني هيكون سبب إنه يضمن السيطرة على كل حاجة، وإنه مش هيسمح لأي حد يقف في طريقه.
وبعدين قالت جملة خلتني أشك إن القصة أعمق من مجرد خيانة
وفيه حاجة تانية… أحمد كان بيحاول يقنعني إن فالنتينا مش بنته.
قلبي اتقبض.
إنتِ بتقولي إيه؟
كان بيقول إن فيه حاجة غلط في تاريخ ميلادها، وإنه محتاج يراجع أوراق المستشفى. ولما سألته عن السبب، قال لي إن أبوكي كان مخبي سر كبير عن العيلة.
نهى تدخلت