الجرسونه
الجرسونة اللي كان فاكرها عبيطة ومش بتعرف تعمل حاجة، اتحولت في ثانية لقاتلة محترفة أول ما الرصاص ضرب الكافيه بتاعه في قلب القاهرة!
بقاله ست شهور، نِكولا بندي مقتنع إن صوفيا مجرد بنت متوترة، بتنسى الطلبات، وبتلخبط في كل حاجة، ومش نافعة في شغلها. بس اللي ماكانش يعرفه إن البنت اللي بتعتذر له كل شوية عشان القهوة بردت، كانت مخبية ماضي خطير لدرجة إن 67 راجل مسلح هيتعلموا اسمها في يوم من الأيام بالطريقة اللي عمرهم ما هينسوها!
الساعة كانت تلاتة وعشرين دقيقة عصر يوم الخميس، ونِكولا بص على ساعة إيده للمرة التالتة.
أخوه ماركو اتأخر عشرين دقيقة.
والحكاية دي ماعجبتوش.
في عالم نِكولا، التأخير مش بيكون مجرد صدفة. يا إما قلة احترام، يا إما تحذير من مصيبة جاية. وماركو عمره ما اتأخر عليه بالشكل ده قبل كده.
بعد إذنك يا أستاذ بندي.
صوفيا قربت منه وهي شايلة فنجان إسبريسو جديد.
بقالها ست شهور شغالة في كافيه لونا، ونِكولا ماكانش يعرف عنها غير إنها بتكب المشروبات، وبتنسى الطلبات، وكل شوية تعتذر عن غلطة جديدة.
حطت الفنجان قدامه.
كام نقطة قهوة وقعوا على الطبق الصغير اللي تحته.
نِكولا بص لهم بضيق.
أنا طالب القهوة دي من ربع ساعة!
عارفة يا فندم، حقك عليّا.
وكمان ساقعة!
وش صوفيا احمر من الإحراج.
نِكولا زق الفنجان بعيد عنه وقال بحدة
هاتي واحدة غيرها. أنا مش بدفعلك فلوس عشان تتعلمي الشغل عندي!
صوفيا نزلت عينيها في الأرض، ولفت بسرعة ناحية الكاونتر، لكن وهي ماشية خبطت جنبها في كرسي، وكادت تقع.
نِكولا هز راسه باستهزاء، وشالها من دماغه تمامًا.
في اللحظة دي، موبايله اهتز.
رسالة من ماركو
أنا واقف في الزحمة. ماتمشيش. فيه خبر مهم لازم أقولهولك.
نِكولا قطّب حواجبه.
ماركو عمره ما كان من النوع اللي يتكلم في شغل مهم برسالة على الموبايل.
وقبل ما يلحق يفكر في الموضوع أكتر، لاحظ عربية نقل بيضا ماشية ببطء قدام إزاز الكافيه.
لكن اللي ماخدش باله منه إن صوفيا شافتها هي كمان.
وفجأة… اتغيرت.
ضهرها اتفرد، وراسها مالت ناحية الإزاز بزاوية بسيطة، وإيدها لمست حاجة مستخبية جوه المريلة اللي لابساها.
نِكولا رفع عينه وبصلها باستغراب.
البنت المتوترة اللي من شوية كانت بتتلخبط في مشيتها اختفت تمامًا!
إيديها اللي كانت بترتعش كل ما تقرب منه بقت ثابتة بشكل غريب، وحركاتها بقت دقيقة وسريعة ومحسوبة، كأنها بتنفذ تدريب محفوظ عندها من سنين.
العربية عدّت من قدام الكافيه مرة تانية.
المرة دي كانت أبطأ.
صوفيا تابعتها بعينيها من غير ما تلف راسها كتير.
ولثانية واحدة بس، نِكولا لمح تعبير على وشها عمره ما شافه قبل كده.
كانت عارفاهم.
وبتحسب خطواتهم.
وبعدين ظهر على وشها إحساس تاني، إحساس أقرب للاستسلام لحاجة كانت متوقعاها من زمان.
لكن أول ما لاحظت إنه بيراقبها، رجعت في لحظة لنفس الابتسامة الخجولة المعتادة.
قربت منه وهي شايلة فنجان القهوة.
المرة دي نِكولا ما مدش إيده ناحيته.
فضل باصصلها وقال
فيه حاجة غلط؟
لأ يا فندم.
إنتِ كدابة شاطرة أوي!
عينيها قابلت عينيه.
ولنص ثانية، ماكانش فيهم أي خوف.
ولا ارتباك.
ولا حتى ذرة من البنت اللي كان بيتريق عليها من شوية.
وبعدين…
إزاز الشباك انفجر!
صوت طلقة رصاص شق سكون الكافيه، وخلّى كل اللي قاعدين ينتفضوا من أماكنهم.
الراجل العجوز اللي كان قاعد جنب الإزاز وقع على الترابيزة قدامه.
مراته صرخت بأعلى صوتها.
لكن طلقة تانية قطعت صرختها، وساد المكان رعب مايتوصفش.
الحارسين الشخصيين بتوع نِكولا مدوا إيديهم بسرعة جوه جاكيتاتهم عشان يطلعوا سلاحهم.
لكن ما لحقوش.
طلقتين كمان، وفي أقل من ثانية الاتنين وقعوا على الأرض.
كل حاجة حصلت بسرعة رهيبة، لدرجة إن عقل نِكولا نفسه رفض يصدق اللي بيشوفه.
مش هنا!
مش في منطقته!
مش في الكافيه بتاعه هو!
وفجأة، باب المدخل اتخلع واتفتح بعنف، واتناثر الإزاز والخشب في كل حتة.
مجموعة من الرجالة لابسين أسود، ومجهزين نفسهم بمعدات قتالية، اقتحموا المكان وهما رافعين أسلحتهم.
ستة.
يمكن تمانية.
بيتحركوا بتناسق غريب، وكل واحد فيهم عارف مكانه ومكان اللي جنبه بالظبط.
دول ماكانوش جايين يخوفوه.
ولا يهددوه.
دول جايين يخلصوا عليه نهائي!
نِكولا مد إيده ناحية الجاكيت عشان يطلع سلاحه.
لكن كان بطيء.
ضربة قوية خبطته في ضلوعه، وخلته يترمي على جنبه ويقع ورا ترابيزة.
وفي اللحظة اللي كان بيحاول فيها يستوعب اللي بيحصل، حس بجسم بيرمي نفسه فوقه ويحميه.
كانت صوفيا!
لكن مش صوفيا اللي يعرفها.
قربت بوشها من ودنه وقالت بصوت واطي، حاسم، ومفيهوش أي ارتعاش
خليك واطي! ماتتحركش مهما حصل!
نِكولا بص لها بصدمة.
البنت اللي كان بيزعقلها من شوية اختفت تمامًا.
مدت إيدها تحت المريلة، وطلعت حاجة عمره ما تخيل إن واحدة زيها ممكن تكون شايلها معاها.
وفي اللحظة دي، واحد من المسلحين لمحهم ورا الترابيزة.
رفع سلاحه ووجّهه ناحيتهم.
صوفيا لفت ناحيته بسرعة.
ونِكولا، وهو محبوس تحت الترابيزة، شافها بتتحرك بطريقة خلت الدم يتجمد في عروقه.
وفي اللحظة دي، فهم حقيقة واحدة مرعبة.
الرجالة دول ما فاجئوهاش…
صوفيا كانت مستنياهم من الأول!
والسؤال اللي بدأ ينهش عقل نِكولا، وهو شايف الجرسونة اللي كان بيهينها من شوية بتواجه مسلحين محترفين من غير ما ترمش بعينها، كان سؤال واحد بس
مين صوفيا الحقيقية؟ وإيه اللي يخلي مجموعة قتلة مسلحين يقتحموا كافيه مخصوص عشان يوصلوا لها؟
الجرسونة اللي قلبت عالم أخطر رجل في القاهرة… والسر اللي خلّى 67 مسلح يحاصروا المدينة عشان يوصلوا لها!
الفصل الأول الجرسونة اللي محدش كان يعرف حقيقتها
صوت الرصاص كان مالي كافيه لونا، والإزاز المتكسر في كل حتة، والناس بتصرخ وبتحاول تستخبى تحت الترابيزات.
نِكولا بندي كان محتمي ورا ترابيزة خشب مقلوبة، وإيده ضاغطة على ضلوعه من شدة الوجع. قدامه، صوفيا كانت واقفة في وضع مستحيل يتناسب مع البنت اللي قضت ست شهور بتعتذر له عن كل حاجة، حتى لما الغلط ماكانش غلطها.
المسلح اللي لمحهم رفع سلاحه.
صوفيا ماصرختش، وماحاولتش تهرب.
اتحركت في لحظة خاطفة، دفعت الترابيزة ناحية المسلح، واستغلت الثواني اللي اتلخبط فيها عشان تبعد خط النار عن نِكولا. وبعدها اختفت ورا عمود رخامي، وظهرت من الناحية التانية قبل ما الراجل يلحق يستوعب هي راحت فين.
صوت طلقة واحدة دوّى في المكان.
السلاح وقع من إيد المسلح، وهو نفسه وقع على ركبته وهو بيصرخ من الألم.
صوفيا ماوقفتش تتفرج عليه. خطفت سلاحه، زقته بعيد عن طريق الناس، وصاحت بصوت هز المكان كله
كل اللي لسه عايش، يزحف ناحية المطبخ! ابعدوا عن الشبابيك! واللي معاه طفل يشيله ويجري ورا الحيطة!
الغريب إن الناس سمعت كلامها من غير نقاش.
حتى نِكولا نفسه، اللي كان متعود إن أوامره هي اللي بتتنفذ، لقى نفسه بيعمل اللي قالته.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لما واحد من المسلحين صرخ في زملائه
ماتقتلوش البنت! عايزينها حية!
صوفيا سمعت الجملة.
وشها اتغير.
همست لنفسها
يعني لسه فاكرين إنهم يقدروا ياخدوني حية…
وبعدين رفعت صوتها
نِكولا! موبايلك معاك؟
أيوه!
كلم الشرطة، واطلب الإسعاف. ومهما سمعت، ماتطلعش من مكانك!
نِكولا بص لها بذهول.
إنتِ مين؟!
بصت له للحظة، وكانت عينيها مليانة حاجة مابين الغضب والحزن.
السؤال ده كان المفروض تسأله من ست شهور، مش دلوقتي!
وقبل ما يرد، ظهر مسلح تاني من الممر المؤدي للمطبخ.
صوفيا لمحته من انعكاس صينية استانلس معلقة على الحيطة، فلفت بسرعة، تفادت خط النار، وأسقطت سلاحه بعيدًا عنه. بعدها ضربت زر إنذار صغير كان مستخبي تحت طرف الكاونتر.
في اللحظة دي، أبواب معدنية نزلت على بعض مداخل الخدمة، واتقفل باب جانبي كان المسلحون بيستخدموه.
نِكولا ماكانش فاهم أي حاجة.
إزاي جرسونة بتعرف مكان أنظمة الأمان السرية في كافيه هو نفسه مالكه؟
وإزاي عرفت إن الهجوم هيحصل قبل ما أول طلقة تتضرب؟
لكن قبل ما يقدر يسألها، سمع صوتها وهي بتقول في سماعة صغيرة مستخبية في ودنها
هنا النسر الأسود. الهدف موجود، لكن العملية اتكشفت. محتاجة إخلاء المدنيين فورًا.
نِكولا اتجمد مكانه.
النسر الأسود؟
الاسم ده كان سمعه قبل كده.
من خمس سنين، في تقرير سري اتسرّب وسط رجال العصابات، كان فيه كلام عن وحدة عمليات خاصة اختفت من السجلات بعد مهمة فاشلة على الحدود. الوحدة دي كان بيقودها شخص مجهول، محدش شاف وشه، وكل اللي عرفوه عنه إنه قدر يوقف عملية تهريب سلاح ضخمة من غير ما يخسر فريقه.
لكن بعد المهمة، اختفى القائد تمامًا.
وكان الاسم اللي بيتقال عنه في التقارير
النسر الأسود.
نِكولا بص لصوفيا، وبعدين للرجالة اللي لسه بيحاولوا يفتحوا الأبواب المقفولة.
همس
مستحيل…
صوفيا سمعته، لكنها ماعلقتش.
وفجأة، جالها اتصال.
بصت للشاشة، ولأول مرة من ساعة بداية الهجوم، إيديها ارتعشت.
اسم المتصل كان ماركو بندي.
ردت فورًا.
ماركو، إنت فين؟
الصوت اللي جه من الناحية التانية ماكانش صوت ماركو.
كان صوت راجل غريب قال بهدوء
مساء الخير يا كابتن صوفيا. بقالنا خمس سنين بندور عليكي.
صوفيا سكتت.
الراجل كمل
عندنا أخو صاحب الكافيه. لو عايزة تشوفيه عايش، هتخرجي من الباب الخلفي لوحدك.
وبعدين ضحك ضحكة قصيرة.
وخلّي بالك… دي مش آخر مفاجأة ليكي النهارده.
الخط اتقفل.
صوفيا نزلت الموبايل ببطء.
نِكولا سألها
إيه اللي حصل؟
بصت له، وقالت جملة واحدة
أخوك مش في الزحمة يا نِكولا.
وساعتها فهم إن اللي بيحصل مش مجرد محاولة اغتيال.
دي كانت بداية حرب اتخطط لها من خمس سنين.
الفصل الثاني الست شهور اللي كانت فيها صوفيا بتضحك على الكل
بعد حوالي سبعتاشر دقيقة، وصلت قوات الشرطة والإسعاف. اتنقل المصابون، واتقبض على اتنين من المهاجمين بعد ما حاولوا يهربوا من ممر الخدمة.
أما الباقيين، فاختفوا بنفس السرعة اللي ظهروا بيها.
صوفيا كانت قاعدة على كرسي في غرفة صغيرة جوه الكافيه، وإيديها متشابكة قدامها.
كانت رجعت تاني هادية، لكن الهدوء المرة دي ماكانش خوف ولا ارتباك.
كان هدوء حد رجع لعالم كان فاكر إنه خرج منه للأبد.
دخل نِكولا الغرفة، وعلى وشه جرح صغير، وضلوعه لسه بتوجعه.
وقف قدامها.
عايز إجابات.
وأنا كمان عايزة إجابات.
إنتِ ضابطة؟
كنت.
كنتِ إيه بالظبط؟
رفعت عينيها له.
كنت قائدة فريق عمليات خاصة تابع لجهاز أمني. شغلي كان تفكيك شبكات تهريب السلاح، واسترجاع معلومات مسروقة، ومنع عمليات كانت ممكن تقتل ناس مالهاش ذنب.
نِكولا ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة.
وقائدة عمليات خاصة قررت تشتغل جرسونة عندي ست شهور؟
ماكنتش