ثمن القناع ج1 منى السيد
حكايات مني السيد حصري
جوزي دخل عليا البيت وشايل أكياس لحمة بلدي من الغالية، وجبن رومي قديمة ومستوردة، وبراطيم مخللات وحلويات فاخرة. أول ما شفت المنظر قلبي انشرح، وافتكرت إنه أخيراً افتكر ولاده الاتنين ونزل جاب طلبات للبيت. بس الصدمة لما لقيته بيلم الحاجة دي كلها في شنط مخصوص عشان ياخدها لأمه، وهو بيقولي بكل برود العيال يمشّوا نفسهم بشوية رز اليومين دول.
رديت عليه بكلمة واحدة من ورا قلبي تمام، فهمت.
أول ما دار ضهره ونزل، طلعت عقد إيجار الشقة اللي مكتوب باسمي أنا، وسحبت كرتونتين كبار وبدأت ألم فيهم حاجته قبل ما يرجع.
الجزء الأول
لو العيال هياكلوا رز وعدس الأسبوع ده، ياكلوا رز وعدس.. ما يجرالهمش حاجة! أمي معزومة عندها صاحباتها في نادي السيدات، وما ينفعش ترابيزتها تبقى ناقصة حاجة قدامهم.
بسمة رمت الفوطة اللي في إيدها على ترابيزة السفرة، وبصت ل طارق وهي مش مصدقة إنها متجوزة البني آدم ده بقالها ست سنين كاملة.
إنت سامع نفسك بتقول إيه؟! مازن الكوتشي بتاعه صغر على رجله وبيوجعه، وسالوبيت مريم خلاص قَصَر ومبقتش عارفة أقفله عليها، وحضرتك نازل تفرتك اللي وراك واللي قدامك على طلبات مامتك ومنظرتها؟
طارق عدّل ياقة قميصه الماركة اللي لسه بيدفع في أقساطه لحد دلوقتي، وقال بنفخة كدابة دي مش منظرة يا ستي، دي أصول! يوم السبت أمي عندها صالون ثقافي في البيت، وجايلها ناس من علية القوم وستات هوانم.. لازم تشرفهم وتشرفني.
طبعاً! لازم مامتك تتشرف وتعمل فيها هانم، وولادك يفطروا عيش حاف وشاي عشان لسه باقي ست أيام على القبض! حصري على صفحة روايات و اقتباسات طارق مصمص شفايفه بنفاد صبر إنتي دايماً مكبّرة المواضيع وغاوية نكد! الجمعة القبض هينزل، وهنزل بنفسي أملى التلاجة دي على آخرها، وساعتها هتندمي على كل كلمة قولتيها ونكدتي عليا بيها.
سابها ونزل ورزع الباب وراه، وهو حاسس بنشوة إنه قفل النقاش وانتصر.
بسمة وقفت قدام التلاجة اللي متصفرة رغيفين عيش بايتين، تلات بيضات، حتة جبنة قريش ناشفة، وشوية جزر على كيس مكرونة في الرف.
جوازتها بقت شبه التلاجة دي بالظبط.. من برة صور السبوع، ورسومات العيال معلقة بمغناطيس، وضحكات وهمية في المصايف، ومن جوة؟ خواء وفقر وقهرة.
طارق ما كانش عاطل ولا مليم، ولا بيقبض ملاليم.. مشكلته الحقيقية كانت عقدة المنظرة.
حزام ماركة بالتقسيط، ساعة هاي كوبي على إنها أصلية، خروجات وعزومات مع صحابه في كافيهات غالية، وفوق كل ده طلبات الست مديحة، والدته، اللي مابتخلصش.
الست مديحة مابتشربش قهوة، دي بتتذوق بن مخصوص محوّج من مكان راقي! مابتاكلش جبنة بيضا، دي بتطلب تشكيلة أجبان مشكلة! مابتجمعش جاراتها، دي بتستضيف الصالون الثقافي!
وطارق كان بيمول المسرحية الهزلية دي كلها على قفا مراته وعياله ولقمتهم.
اللي طارق ما كانش يعرفه، إن بسمة بقالها تلات شهور مطبقة الليل بالنهار.
أول ما العيال بيناموا، بتفتح اللاب توب القديم بتاعها، وتشتغل فريلانسر بتكتب محتوى وإعلانات لصفحات أونلاين. بدأت بمبالغ بسيطة، بس واحدة واحدة شغلها كبر وبقى ليها زباين ثابتين، وبقت تشيل كل قرش في حساب بنكي لوحدها، بعيد تماماً عن عينه.
ده كان صندوق نجاتها، وحلفت بينها وبين نفسها إن القرش ده مش هيدخل في البيت عشان يغطي على فشل طارق ومنظرته الفارغة.
بعدها بليلتين، وهي بتنيّم مريم في أوضتها، سمعت صوته وهو واقف في البلكونة بيتكلم في التليفون أيوه يا ماما، كله تمام وماتقلقيش.. جبتلك اللحمة القطعية اللي قولتي عليها، والجبن، والزيتون المخلي المستورد، والفاكهة كمان.. حتى علب التونة الكافيار اللي طلبتيها لقيتها. شيلي إنتي بس هم الضيوف، وسيبي الباقي على ابنك.
بسمة وقفت مكانها، والدم اتجمد في عروقها.
طارق كمّل وهو منشكح يوم الجمعة بالليل كل الحاجة هتكون عندك، ولما صحباتك ييجوا يوم السبت، هيشوفوا سفرة ملوكي يشهد بيها الحي كله.
هنا، كل حاجة وضحت قدام عينيها زي الشمس.
التلاجة اللي طارق وعد إنه يملاها يوم الجمعة، ما كانتش تلاجة عياله أبداً.. كانت بوفيه مفتوح لفشخرة أمه.
في الأول، حست بنار قايدة في صدرها ودموعها كانت هتنزل، بس فجأة.. الإحساس اتقلب لبرود تام.
الوجع اتبخر، وبدأت تفكر بهدوء يرعب.
الجمعة كان فاضل عليها أقل من 48 ساعة.
بسمة بصت للمطبخ، وابتسمت لأول مرة من شهور طويلة.. وقررت إنها المرة دي مش هتعاتب، ومش هتتخانق، ولا حتى هتنطق بحرف.
طارق كان متخيل إن يوم السبت ده هيكون اليوم الموعود لأمه وعزومتها.. وما كانش عنده أدنى فكرة عن المفاجأة اللي بسمة بتجهزها له، ومستنياه على نار هادية!
الجزء التاني
السكوت اللي نزل على بسمة ما كانش سكوت واحدة مكسورة، ده كان سكوت الهدنة اللي بيسبق ضرب النار.
دخلت أوضة الأطفال براحة وقفلت الباب وراها بتكة خفيفة عشان ما تعملش صوت. بصت على مازن، ابنه اللي عنده خمس سنين، نايم والغطا مشدود لحد وسطه، وجنبه مريم، سنتين ونص، رجلها طالعة برة السالوبيت اللي صغر عليها لدرجة إن السوستة سايبة علامة حمرا على جلدها الرقيق. قعدت على طرف السرير، مسحت على شعر مازن بالراحة، وحست بوجع حقيقي في حلقها مش قادرة تبلعه.
هو ده العدل؟ الواد ينام وهو بيسأل ماما، هو مفيش موز بكرة في الحضانة؟، وأبوه بيتفق على فاكهة مستوردة وبراطيم بميات الجنيهات عشان الهوانم صحبات الست مديحة يقولوا يا