بنت عم جوزي

مش واجب بيتفرض على الشخص اللي اتأذى، والاعتذار الحقيقي ما بيخلقش حقًا تلقائيًا في الرجوع لحياة الناس.
النهاية يوم فرحي الحقيقي
عدّت سنة كاملة.
في يوم جمعة هادي، كنت واقفة في المطبخ بجهز الغدا، ومالك دخل عليّا وهو شايل ورقة رسمها في المدرسة.
قال بحماس
ماما، بصي! رسمت العيلة.
أخدت الورقة.
كان راسم نفسه جنبي، وإحنا واقفين قدام بيت صغير، وفوقنا شمس كبيرة.
سألته
فين بابا؟
قال
رسمته في بيت تاني، عشان إنتوا لسه بتحاولوا تصلحوا اللي بينكم، ومش عارفين هتعيشوا مع بعض تاني ولا لأ.
الكلام وجعني، لكنه ورّاني إنه فاهم أكتر مما كنت متخيلة.
أنا ورامي كنا بدأنا جلسات استشارة زوجية، مش بوعد بالرجوع، لكن بمحاولة نفهم إذا كان ممكن نبني علاقة مختلفة عن اللي عشناها.
ما كنتش هقدر أرجع لنفس الجواز لمجرد إنه اعتذر، ولا كنت هرفض فرصة الإصلاح لمجرد إني اتوجعت.
كان القرار هيتاخد بناءً على أفعال حقيقية، وعلى احترام وحدود وثقة ممكن ترجع بالتدريج، أو ما ترجعش.
أما كامليا، فما بقيناش بنتواصل، لكن عرفت من بعض الأقارب إنها بدأت تشتغل، وبطلت تتدخل في حياة الناس بالطريقة القديمة.
ما كنتش محتاجة أشوفها بتتعذب عشان أحس إن حقي رجع.
كل اللي كنت محتاجاه إن حياتي ما تبقاش متعلقة بيها، ولا بضحكتها، ولا برأيها فيّا.
في المساء، مالك سألني
ماما، لو رجع بيكي الزمن ليوم فرحك، كنتِ هتعملي إيه؟
فكرت شوية، وبعدين قلت له
كنت هطلب حقي من أول لحظة، وما كنتش هسمح لحد يقنعني إن كرامتي حاجة بسيطة. بس ما كنتش هغيّر قلبي، ولا هخلي اللي حصل يحوّلني لشخص بيحب يوجع غيره.
مالك ابتسم وقال
يعني إنتِ كسبتي؟
حضنته وقلت
أيوه يا حبيبي. بس مش عشان كامليا خسرت فرحها، ولا عشان الناس بطلت تضحك. أنا كسبت لما بقيت عارفة إن قيمتي مش بتتحدد بالطريقة اللي حد عاملني بيها.
وبصيت من الشباك، والهواء داخل بهدوء.
افتكرت فستاني الأبيض، والبيض الفاسد، والضحكات اللي فضلت تطاردني عشر سنين.
وبعدين افتكرت نفسي وأنا واقفة في قاعة فرح كامليا، قدام نفس النوع من الناس، لكن المرة دي من غير دموع، ومن غير خوف، ومن غير ما أستنى جوزي أو حماتي يدافعوا عني.
وقتها فهمت إن أحسن نهاية مش إنك تدمّر حياة اللي دمّرك أحسن نهاية إنك تسترد حياتك، وتخليه يفهم إنك مش هتسمح له يدمّرها تاني.
أما العلبة الصغيرة اللي بدأت بيها الحكاية، فالضفدع اللي كان جواها رجّعناه للجنينة اللي لقيناه فيها.
ومالك فضل يفتكر اليوم ده باعتباره اليوم اللي اتعلم فيه درس مهم
إنك ممكن تدافع عن حقك من غير ما تبقى ظالم، وممكن تسامح من غير ما ترجع تثق، وممكن تحب عيلتك من غير ما تسمح لها تهينك.
وبالنسبة ليا، بعد عشر سنين من الصمت، أخيرًا قدرت أقفل باب الحكاية دي مش لأنهم سكتوا، لكن لأن صوتهم ما بقاش هو اللي بيحدد أنا مين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *