وصلت البيت
وبنراجع أول تقرير من المراجعة المالية المستقلة.
دخل مساعده، وحط قدامنا ظرف كبير.
قال
الأستاذ ياسر، دي المستندات اللي طلبتوها من إدارة الأرشيف القديم.
فتح ياسر الظرف، وبدأ يقلب في الأوراق.
وفجأة، وقف عند ورقة معينة، ورفع عينيه ناحيتي.
ليلى، لازم تشوفي دي.
كانت صورة من محضر اجتماع قديم لمجلس إدارة الشركة، من حوالي سنة ونص.
في المحضر، كان فيه بند عن خسائر مالية غير مبررة، وقرار بتكليف المدير التنفيذي وقتها، كريم الشاذلي، بتقديم تقرير مفصل عن أسبابها.
لكن اللي شد انتباهي ماكانش المحضر نفسه.
كان فيه مرفق مكتوب بخط إيد كريم، بيقول فيه إنه هيعوض الشركة عن أي خسائر ناتجة عن قرارات إدارية ثبت إنها اتاخدت من غير موافقة مجلس الإدارة.
بصيت لياسر وقلت
هو كان عارف من بدري إن فيه مشكلة كبيرة؟
رد
المستند ده بيثبت إن مجلس الإدارة واجهه بمخالفات مالية قبل كده. لكنه لوحده مش دليل على جريمة. إحنا محتاجين نربطه بالتحويلات والفواتير والتوقيعات.
قلبنا باقي الأوراق.
لقينا مراسلات بتوضح إن كريم طلب تأجيل المراجعة المالية أكتر من مرة، بحجة إن الشركة مشغولة بمشروعات عاجلة.
وبعدها بشهور، بدأت التحويلات لحساب شركة أخته.
كل ورقة كانت بتكشف جزءًا جديدًا من الصورة.
لكن وسط المستندات، ظهر اسم ماكنتش متوقعاه.
الحاجة فوزية، حماتي.
كان فيه خطاب داخلي بخصوص مصروفات استثنائية اتدفعت من الشركة، تحت بند ضيافة ومصاريف إدارية، بمبالغ أكبر بكتير من الطبيعي.
وبعض الفواتير كانت مرتبطة بمشتريات شخصية، مش بمشروعات الشركة.
قلت بصدمة
حتى هي كانت بتاخد من فلوس الشركة؟
ياسر رد بحذر
المستندات بتوضح إن فيه مصروفات اتسجلت باسم الإدارة، وإن بعض المشتريات وصلت لعنوان الفيلا. لكن لازم نحدد مين وافق عليها ومين استفاد منها، قبل ما نوجّه أي اتهام.
فجأة، بدأت أفهم ليه حماتي كانت مصممة تعرف مفاتيح الخزنة وكروت البنك.
يمكن كانت خايفة إن المراجعة تكشف اللي حصل.
ويمكن كانت عارفة إن كريم بيحاول يطلع نفسه من الأزمة بأي طريقة، حتى لو على حسابي أنا.
لكن ياسر كان لسه عنده مفاجأة تانية.
قال وهو بيقلب في تقرير البنك
فيه محاولة للحصول على قرض قبل ما تدخلي مفاوضات الإنقاذ بأيام قليلة. والتوقيت ده مهم جدًا.
ليه؟
لأن لو الشركة كانت دخلت في قرض بالشروط دي، كان ممكن المستثمرون الجدد يرفضوا الصفقة. وكان هيبقى فيه ضغط مالي ضخم على الشركة، وعلى الأصول المستخدمة كضمان.
سألته وأنا حاسة إن الصورة بدأت تتجمع
يعني ممكن يكونوا كانوا عايزين يخلوا الشركة في إيديهم، لكن بديون مش أنا اللي عملتها؟
قال
ده احتمال بنحققه. والأهم إننا نمنع أي تصرف جديد في أصول الشركة لحد ما نعرف الحقيقة كاملة.
ساعتها أخدت قراري.
مش هكتفي بطرد كريم من حياتي.
هكشف الحقيقة كلها، بالقانون، مهما كانت مؤلمة.
رجعت الفيلا بس المرة دي مش كزوجة مطرودة
بعد يومين، المحامي بلغني إن الإجراءات القانونية الخاصة بإثبات ملكية الفيلا وتجهيز ملف الاعتداء بدأت، وإننا قدرنا نحدد موعدًا لاجتماع رسمي مع مجلس إدارة الشركة لمناقشة التقرير المالي.
وفي الوقت نفسه، طلبت من ياسر إنه يجهز كل المستندات الخاصة بملكية الفيلا، عشان أقدر أتصرف قانونيًا في حقي، من غير ما أدخل في أي مواجهة مباشرة مع كريم أو أمه.
ماكانش هدفي أرجع أتشاجر معاهم.
كنت عايزة أرجع وأنا ماسكة الحقيقة في إيدي.
الساعة كانت عشرة الصبح لما وصلت للفيلا، ومعايا المحامي ومندوب من إدارة العقارات، بعد ما اتحدد موعد مسبق لمعاينة الملكية وتسليم الإخطارات القانونية اللازمة.
أول ما البوابة اتفتحت، شفت عربية كريم واقفة في الجراج.
دخلت، وقلبي كان بيدق، لكن المرة دي ماكنتش خايفة.
لقيت كريم قاعد في الصالة، لابس بدلة، وبيتكلم في التليفون.
ولما شافني، قام بسرعة.
إنتِ جاية هنا ليه؟! مش أنا طردتك؟!
بصيتله بهدوء.
أنا جاية بيتي يا كريم.
ضحك بسخرية.
بيتك؟! إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟!
قبل ما أرد، ظهرت حماتي من المطبخ.
أول ما شافتني، صرخت
إيه اللي رجعك تاني؟! مش قولنالك البيت ده مش مكانك؟!
ياسر تقدم خطوة، وفتح الملف اللي في إيده.
قال بنبرة رسمية
أنا المستشار ياسر منصور، الممثل القانوني للسيدة ليلى. ودي مستندات الملكية المسجلة باسم موكلتي، بالإضافة إلى إخطار قانوني متعلق باستخدام العقار والإقامة فيه، وفقًا للإجراءات اللي هنتبعها.
كريم خطف الورق من إيده، وبص فيه بسرعة.
في الأول، كان بيتظاهر بالثقة.
لكن مع كل صفحة بيقلبها، لون وشه كان بيتغير.
إيه الهبل ده؟!
قلتله
مش هبل يا كريم. دي الحقيقة اللي أنا سكت عنها خمس سنين.
صرخ
يعني إنتِ كنتِ مخبية عني إن الفيلا باسمك؟!
بصيتله باستغراب.
مخبية عنك؟! إنت عارف من يوم جوازنا إن الفيلا هدية من أبويا وأمي. وعارف إن أملاكي منفصلة عن أملاكك. إنت بس كنت بتحب تتعامل قدام الناس كأنك صاحب كل حاجة.
حماتي دخلت في الكلام وهي بتلوح بإيديها
إحنا عشنا معاكي هنا خمس سنين! يعني لينا حق في البيت!
رد ياسر بهدوء
أي حقوق قانونية محتملة هتتراجع من خلال المستندات والقانون، لكن مفيش حد من حقه يعتدي على المالكة أو يفرض نفسه على العقار بالقوة.
كريم رمى الورق على الترابيزة، وقال
أنا مش خارج من هنا! وعايزة تعملي إيه؟ هتجيبي الشرطة؟!
بصيتله طويلًا، وبعدها قلت
أنا ماجيتش أهددك. أنا جيت أبلغك إنك مش هتقدر تستخدم البيت ده ولا الشركة عشان تغطي على اللي عملته. كل حاجة هتتم بالقانون.
اتغيرت ملامحه، ولأول مرة شفت خوف حقيقي في عينيه.
لكن بدل ما يعترف، انفجر في وشي
إنتِ فاكرة نفسك مين؟! إنتِ لولا اسم عيلتك وفلوس أبوكي، ماكنتيش بقيتي حاجة!
ابتسمت بحزن.
يمكن. بس على الأقل، أنا مااحتجتش أسرق عشان أحافظ على شكلي قدام الناس.
الكلمة دي نزلت عليه زي الصفعة.
حماتي بصتله بسرعة، وبعدها بصتلي، وكأنها فهمت إن فيه حاجة أكبر من موضوع الفيلا.
وفجأة، قالت
كريم، خد بالك من كلامك!
بصيتلها.
ليه يا حاجة فوزية؟ خايفة حد يسأل عن الفلوس اللي خرجت من الشركة؟
وشها شحب.
كريم اتدخل بسرعة
إنتِ بتقولي إيه؟!
طلعت نسخة من التقرير الأولي وحطيتها على الترابيزة.
أنا مش باتهم حد من غير دليل. بس فيه مراجعة مالية شغالة، وكل التحويلات والفواتير هتتراجع. ولو فيه حد أخد فلوس مش من حقه، القانون هو اللي هيحاسبه.
كريم بص للورق، وبعدها رفع عينيه ليا.
في اللحظة دي، عرفت إنه بدأ يفهم إن الموضوع خرج من إيده.
لكن اللي حصل بعدها كان أغرب مما توقعت.
لأن كريم فجأة اتغير، وابتدى يتكلم بصوت هادي.
ليلى، استني. إحنا ممكن نتفاهم. إنتِ مراتي، وفيه عشرة بينا.
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
العشرة؟ إنت فاكر العشرة دي بتتجاب وقت ما تحتاجني بس؟
قرب مني خطوة وقال
أنا كنت متعصب، وماكنتش أقصد أضربك بالشكل ده.
بصيت في عينيه.
إنت ماكنتش متعصب لما ضربتني. إنت كنت شايف إنك تقدر تعمل فيا أي حاجة، وأنا هفضل ساكتة عشان بحبك.
سكت.
فكملت
بس إنت غلطت في حاجة واحدة يا كريم. إنت افتكرت إن سكوتي معناه إني مش فاهمة. والحقيقة إني كنت فاهمة أكتر مما تتصور.
وبعدها لفيت ناحية المحامي.
إحنا خلصنا هنا.
ومشيت.
المرة دي، ماحدش قدر يطردني.
لأنني ببساطة، ماعدتش مستنية منهم يسمحولي أمشي أو أرجع.
الاجتماع اللي كريم دخل فيه مدير وخرج منه متهمًا بالمخالفات
بعد ثلاثة أيام، انعقد اجتماع استثنائي لمجلس إدارة شركة الأركان للمقاولات.
كريم وصل بدري، لابس أغلى بدلة عنده، وماشي في الممرات بثقة مصطنعة.
كان فاكر إن الاجتماع مجرد إجراء روتيني، وإنه هيقدر يسيطر على الكلام زي ما كان بيعمل طول السنين اللي فاتت.
لكن لما دخل قاعة الاجتماعات، لقى أعضاء مجلس الإدارة موجودين، ومعاهم محاسب قانوني مستقل، وياسر منصور، وأنا قاعدة في آخر الترابيزة.
بصلي بصدمة.
إنتِ هنا بتعملي إيه؟
رد رئيس المجلس
مدام ليلى حضرت بصفتها المالكة وصاحبة الحصة المسيطرة في الشركة، وبصفتها الطرف اللي تولى ترتيب صفقة الإنقاذ الأخيرة.
كريم بصلي وكأنه بيسمع الكلام لأول مرة.
كان طول الوقت بيتعامل معايا كأني مجرد موظفة عنده.
ماكانش قادر يتقبل إن الشخص اللي كان بيزعقله وبيقلل منه قدام الناس، هو نفسه الشخص اللي أنقذ الشركة من الانهيار.
بدأ المحاسب يعرض التقرير.
تحويلات متكررة لشركة النخبة للتوريدات.
فواتير غير مدعومة بمستندات استلام.
مصروفات إدارية محتاجة مراجعة.
ومحاولة الحصول على قرض بضمان أصول الشركة، من خلال طلب تضمن بيانات وتوقيعات محل فحص.
كل ما رقم يظهر على الشاشة، كريم كان بيقاطع
الأرقام دي مش دقيقة!
دي معاملات عادية!
المحاسب القديم هو المسؤول!
لكن كل اعتراض كان بيترد عليه بمستند.
ولما وصلوا لمراسلات البريد الإلكتروني، ظهر إن بعض التعليمات الخاصة بالتحويلات خرجت من حساب مستخدم في الإدارة التنفيذية.
المحاسب قال بوضوح
ده لا يثبت وحده مين الشخص اللي استخدم الحساب، لكنه يستدعي تحقيقًا أوسع ومراجعة لسجلات الدخول والموافقات البنكية.
كريم بصلي فجأة، وقال
إنتِ اللي عملتي كل ده! إنتِ عايزة تدمّريني عشان ضربتك؟!
بصيتله من غير ما أرفع صوتي.
أنا ماعملتش حاجة غير إني طلبت مراجعة الفلوس اللي أنا أنقذت الشركة عشانها. لو كل حاجة سليمة، التقرير هيقول كده. ولو فيه مخالفات، مش من حقي أتجاهلها.
رئيس المجلس طلب منه يهدى، وبعدها أعلن قرارًا مؤقتًا بتعليق صلاحيات كريم التنفيذية لحين انتهاء التحقيق المستقل، مع الحفاظ على المستندات ومنع أي تصرف مالي غير معتمد.
كريم قام من مكانه بعنف.
إنتوا مش هتعرفوا تمشوني! أنا اللي بنيت الشركة دي!
رد رئيس المجلس
الشركة هتفضل شغالة، لكن محدش فوق المراجعة والمحاسبة.
في اللحظة دي، كريم بص ناحيتي، ووشه كله كراهية.
إنتِ هتندمي يا ليلى. أقسم بالله لهخليكي تندمي.
ياسر تدخل فورًا
أي تهديد جديد هيتم إثباته واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بشأنه.
كريم خرج من القاعة وهو بيخبط الباب وراه.
وأنا فضلت قاعدة مكاني.
ماحسيتش بانتصار كامل.
حسيت بحزن عميق على نفسي، وعلى السنين اللي صدقت فيها إن نجاح جوزي أهم من كرامتي، وإن الحفاظ على البيت يستاهل إني أتنازل عن حقي في الأمان والاحترام.
لكن للمرة الأولى، كنت عارفة إنني مش هتنازل تاني.
ندى تظهر والسر اللي ماكانش في الحسبان
بعد أسبوع، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت ست بتتكلم بسرعة
مدام ليلى؟ أنا ندى، أخت كريم.
سكت لحظة.
أيوه يا ندى، خير؟
صوتها كان بيرتعش.
أنا محتاجة أقابلك. لو سمحتي، الموضوع مهم جدًا.
كنت مترددة. ندى كانت جزءًا من العيلة اللي أذتني، واسم شركتها ظهر في التحويلات اللي بنحقق فيها.
لكن وافقت أقابلها في مكتب المحامي، بحضوره.
دخلت ندى بعد نص ساعة، وشكلها كان مختلف تمامًا عن البنت اللي كانت