بقالي شهور

مكاني للحظة.
قلت
اتفضل.
قال
أنا مش داخل.
وبعدين طلع من جيبه ظرف صغير.
أنا جيت أقولك حاجة.
بصيت له.
إيه؟
قال
أنا عارف إنك كنتِ بتغسلي هدومي فترة، وعارف إن مي كانت بتستغل الموضوع من غير ما تقولك الحقيقة.
قلت
أنا مش زعلانة منك على الغسيل.
ابتسم.
أنا عارف.
وسكت لحظة.
بس كنت عايز أقولك إن ابنك عمل حاجة أنا ما توقعتهاش.
استغربت.
إيه؟
وقف قدامي وقاللي إن أي مشكلة بيني وبين مراته لازم تتحل بالقانون، وإنه مش هيسمحلي أهددها تاني.
سكت.
وقاللي كمان إنك أمه، وإنك ساعدتي من غير ما تعرفي الحقيقة، وإنه مش هيسمح لأي حد يستغل طيبة قلبك.
ابتسمت.
أحمد قال
ابنك راجل محترم.
قلت
رغم إني زعلانة منه إنه اتأخر شوية عشان يعرف يقول لأ.
ضحك.
وبعدين مشي.
قفلت الباب.
رجعت أقعد في الصالة.
وبصيت على الغسالة.
ضحكت لوحدي.
من كام شهر، كنت واقفة قدام نفس الغسالة، فاكرة إن الأربع شنط هدوم مجرد شغل زيادة.
ما كنتش أعرف إن الأربع شنط دول هيبقوا السبب إني أعرف حقيقة مخبية عن ابني، وأفهم إن مرات ابني مش خاېنة زي ما كنت فاكرة، وفي نفس الوقت أكتشف إنها غلطت غلطة كبيرة، وأفهم ابني إنه لازم يتكلم بدل ما يسكت.
والأهم
أفهم أنا نفسي.
إن التقاعد مش معناه إن حياتي خلصت.
وإن كوني أم مش معناه إني لازم أكون متاحة أربع وعشرين ساعة.
وإن كوني ست كبيرة مش معناه إن وقتي ملوش قيمة.
من يومها، بقيت كل ما حد يطلب مني حاجة، أسأل نفسي الأول
أنا عايزة أعملها؟
لو آه، بعملها من قلبي.
ولو لأ، بقول لأ من غير إحساس بالذنب.
أما مي
فبقت تسألني قبل ما تيجي.
وكريم بقى أول واحد يدافع عن وقتي.
وفي آخر جمعة من الشهر، كنا قاعدين كلنا على السفرة.
سلمى وآدم بيتخانقوا على آخر قطعة كفتة.
مي بتضحك.
وكريم بيحاول يبعدهم عن بعض.
بصيت حواليّ.
وفجأة افتكرت جملة مي القديمة
ما إنتِ قاعدة في البيت طول اليوم يا طنط سعاد.
ضحكت في سري.
يمكن فعلًا أنا قاعدة في البيت.
لكن البيت ده فيه كتب.
وفيه رسم.
وفيه صحاب.
وفيه ذكريات جوزي.
وفيه أحفادي.
وفيه حياة كاملة.
والحياة مش بتتقاس بعدد الساعات اللي بنقضيها في الشغل.
الحياة بتتقاس بقيمة الوقت اللي بنختار نديه لمين.
رفعت كوباية الشاي، وبصيت لكريم وقلت
على فكرة يا ابني
نعم يا ماما؟
لو مي جابتلي هدوم تاني، هخليها تغسلهم بنفسها.
مي قالت من الناحية التانية
حاضر يا طنط سعاد، اتعلمت الدرس.
ضحكنا كلنا.
وبصيت لسلمى.
قالت
تيتة، بكرة تيجي معايا الرسم؟
قلت
أيوه.
حتى لو عندك هدوم؟
ضحكت.
مفيش هدوم أهم من وقتي يا بنتي.
وساعتها عرفت إن أحيانًا موقف صغير جدًا، زي إنك ترفض تغسل أربع شنط هدوم، ممكن يغيّر شكل حياتك كلها.
مش لأن الغسيل كان مهم.
لكن لأنك لأول مرة تقول
أنا كمان ليا قيمة.
ومن يومها، ما غسلتش هدوم مي ولا كريم تاني.
بس بقيت أغسل هدوم أحفادي لما أكون أنا اللي عايزة.
لأن الفرق كبير جدًا بين إنك تعمل حاجة بحب
وإن حد يفترض إنك لازم تعملها.
ودي كانت آخر مرة أسمح فيها لحد يخلط بين الاتنين.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *