خمس سنوات من التضحيه انتهت بجمله واحده
كان محايدا إلى حد أربكني في البداية. جلست أمامها وأنا أحمل سنوات من الإرهاق في صدري لكنها لم تنظر إلى تعبي بل إلى حقيبتي. لم تسألني كيف أنام ولا كم مرة بكيت بل سألتني عما أملك عما يمكن إثباته عما يمكن الوقوف به أمام قاض لا يعرفني ولا يعنيه مقدار ما ضحيت.
لم تواسني بل طلبت التواريخ والأدلة أسماء البنوك نسخ العقود وتفاصيل كنت أظنها صغيرة لا تستحق الذكر. قالت لي بهدوء قاطع إن العدالة لا تبنى على النوايا ولا على القصص المؤثرة بل على المستندات الصامتة التي لا تنكر نفسها.
وأضافت أن أفضل ما فعلته دون أن أدرك حينها هو أنني صمت عندما كان الصمت ضرورة لا ضعفا.
خرجت من مكتبها وأنا أشعر لأول مرة منذ زمن طويل أنني لست مجنونة ولا أنانية ولا قاسية. كنت فقط متأخرة في حماية نفسي.
حين بدأ لوكاس يلاحظ التغير كان قد فات الأوان فعلا. لم يكن التغير في نبرة صوتي ولا في عدد الساعات التي أقضيها إلى جانبه بل في تلك التفاصيل التي لا ينتبه لها إلا من اعتاد السيطرة المطلقة. حساب لم يعد يعمل كما كان.
بطاقة رفضت فجأة أمام موظف مرتبك. رسالة رسمية بلغة قانونية باردة لا تحمل اسمي كزوجة بل كطرف. رأيت الخوف يتسلل إلى عينيه لأول مرة لا خوف المرض بل خوف فقدان الامتياز.
حاول أن يفسر الأمر بطرق شتى. اتهمني بالإرهاق ثم بالانهيار العصبي ثم بالقسوة المتعمدة.
وحين لم تنجح هذه الاتهامات انتقل إلى البكاء إلى استدعاء الذكريات إلى تذكيري بكل ما تحملته من أجله وكأن التضحية سند ملكية. وحين لم يجد في استجابة صرخ وهدد وتوعدني بأنني سأندم. لكن كل ذلك كان بلا وزن بلا تأثير أمام الأوراق الموقعة والتواريخ المثبتة والتسلسل الواضح الذي لا يترك مجالا للتأويل.
عائلته لم تتأخر في الاصطفاف ضدي. جاء الهجوم متوقعا لكنه لم يكن أقل قسوة. اتهمت بالخيانة بنكران الجميل بالتخلي في أحلك الظروف. قيل عني إنني استغللت ضعفه وإنني اخترت الهروب حين تعقدت الأمور. استمعت لكل ذلك بصمت لم يعد مؤلما.
كان في داخلي يقين واحد لا يتزعزع لم يستطع أحد أن ينفي الوقائع. لم يستطع أحد أن يثبت أنني كنت يوما شريكة حقيقية في القرارات أو مستفيدة من هذا النظام غير المتكافئ. كنت وسيلة مريحة لا أكثر في منظومة صممت لتأخذ ولا تعيد.