خمس سنوات من التضحيه انتهت بجمله واحده

في اليوم الذي انتقلت فيه من ذلك المنزل لم أشعر بالحاجة إلى خطابات وداع ولا إلى لحظات مسرحية. لم ألتفت إلى الجدران ولم ألمس الأثاث. وضعت أغراضي القليلة في السيارة أغلقت الباب خلفي وانتهى الأمر. لم أشعر بأنني أترك حياة كاملة بل بأنني أستعيد نفسي من حياة لم تعد تشبهني.

كان الهواء أخف فعليا أخف وكأن صدري توسع فجأة. خطواتي كانت أهدأ متوازنة وكأن جسدي يتعلم المشي من جديد دون حمل مزمن فوق ظهره.
بعد أشهر حين اتصل بي المستشفى ليخبرني أن لوكاس أدخل مرة أخرى بسبب مضاعفات صحية لم أشعر بتلك الرجفة القديمة.

شكرت المتصل وأغلقت الهاتف وجلست في مكاني. لم أشعر بالشماتة ولم أشعر بالذنب. كان هناك فقط إدراك هادئ بأن المسؤولية لم تعد لي وأن الرعاية التي كنت أمثلها لم تكن يوما واجبا أبديا. لقد اختار بنفسه من يعتمد عليهم وحدد بنفسه من يستحق موقعه في حياته وها هو الآن ينال اختياراته كاملة.

اليوم أجلس في مقهى مضيء افتتحته ناتالي وأنا معا مكان صغير لكنه صادق لا يخفي عيوبه ولا يجمل واقعه. أكتب خلال الساعات الهادئة أراقب الناس يدخلون ويخرجون كل منهم يحمل عالما كاملا في صمته. صرت أرى التعب دون أن أبتلعه وأرى الألم دون أن أحمله على كتفي.

لم أعد أقارن نفسي بأحد ولم أعد أخاف من الوحدة. تعلمت أن الوحدة قد تكون مساحة للشفاء وأن الخسارة الحقيقية ليست في المغادرة بل في البقاء حين يتحول البقاء إلى محو بطيء للذات.
لم أعد ظلا يحمل غيره كي يبقى واقفا.

أنا كاملة من جديد لا لأنني انتصرت على أحد بل لأنني توقفت عن الهزيمة اليومية.
والكرامة حين تستعاد لا تحتاج إلى إذن كي توجد ولا إلى شاهد ولا إلى تبرير. هي ببساطة تعود إلى مكانها الطبيعي في الروح وتغلق الباب خلفها بهدوء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *