قصه مريم
عايزة أسيب شغلي.
رفع حاجبه.
ليه؟
لأنه شغل شريف، وأنا محتاجاه.
سكت شوية.
وبعدين قال
طيب، عندي اقتراح تاني.
سمعته.
الشركة عندها إدارة قانونية، لكن أنا عايز أعمل برنامج تدريب لطلبة الدراسات العليا والباحثين في مجال العقود التجارية. لو حابة، تقدمي.
تقديم عادي؟
عادي.
من غير واسطة؟
من غير واسطة.
ولو ما اتقبلتش؟
تكملي شغلك.
ابتسمت.
كده الكلام يعجبني.
قدمت.
ودخلت اختبار.
وكان أصعب من اللي توقعت.
وفي الآخر اتقبلت.
بقيت أروح الجامعة الصبح، وبعدها التدريب، وبعدها الشغل في المطعم في بعض الأيام.
كان مرهق.
لكن لأول مرة حسيت إن حياتي بتتحرك في اتجاه جديد.
بعد حوالي شهر، حصل اجتماع كبير في الشركة بخصوص نفس المشروع.
كنت قاعدة في آخر القاعة براجع مستندات.
دخل حسام.
وكان معاه نادين.
أول ما شافتني، وقفت.
بصتلي من فوق لتحت.
وبعدين بصت لحسام.
هي هنا؟
قال
أيوه.
بتعمل إيه؟
ضمن فريق مراجعة العقود.
نادين ضحكت.
مريم؟
قلت
أيوه.
قالت
بقت ضمن فريق العقود؟
حسام رد
بعد اختبار ومراجعة، أيوه.
نادين سكتت.
بدأ الاجتماع.
وبعد نص ساعة، ظهرت مشكلة في بند جديد.
الكل بدأ يتناقش.
وأحد المحامين قال إن البند عادي.
أنا رفعت إيدي.
ممكن أقول حاجة؟
حسام قال
اتفضلي.
شرحت المشكلة.
المرة دي ما حدش ضحك.
ولا حد سألني أنا جايبة الكلام ده منين.
لأنهم بقوا عارفين.
بعد الاجتماع، وأنا خارجة، سمعت صوت نادين ورايا.
مريم.
وقفت.
قربت مني.
وقالت
أنا عايزة أعتذرلك.
ما توقعتش الجملة.
سكت.
كملت
أنا حكمت عليكي من شكلك وشغلك، وكنت غلطانة.
قلت
حصل خير.
قالت
لا، مش حصل خير وخلاص. أنا فاكرة الجملة اللي قلتها لك.
ابتسمت.
وأنا كمان فاكرها.
قالت
حقك عليا.
هزيت رأسي.
وأنا قبلت اعتذارك.
مدت إيدها.
صافحتها.
وانتهى الموضوع.
بعدها بسنة تقريبًا، كنت خلصت الماجستير.
وبقيت شغالة في مكتب قانوني متخصص في العقود التجارية.
أما المطعم؟
ما سيبتوش وأنا زعلانة.
سيبته وأنا فخورة.
دخلت آخر وردية ليا، خلعت المريلة، وعلقتها مكانها.
المدير قال
مش هتشتغلي هنا تاني؟
ضحكت.
يمكن أجي أكل.
قال
الحساب علينا.
قلت
لأ، أنا هدفع.
ضحك.
وأنا خارجة من باب المطعم، افتكرت الليلة اللي نادين قالت فيها
إنتِ مجرد جرسونة جاهلة.
وقفت ثواني.
مش عشان أثبت لها إنها كانت غلط.
هي أصلًا عرفت.
وقفت عشان أفتكر نفسي القديمة.
البنت اللي كانت بتشتغل بالليل وتذاكر الصبح، وترجع البيت تعبانة، وتخبي تعبها عن أمها عشان ما تقلقش.
البنت اللي كانت فاكرة إن لازم تثبت للناس إنها تستحق الاحترام.
ابتسمت لنفسي.
واكتشفت حاجة مهمة جدًا
أنا ما كنتش محتاجة أبقى محامية عشان أستحق الاحترام.
ولا محتاجة شهادة.
ولا فلوس.
ولا مكتب كبير.
ولا عربية.
أنا كنت أستحقه من أول يوم.
لأن الإنسان مش بيتقاس باليونيفورم اللي لابسه، ولا بالكرسي اللي قاعد عليه، ولا بالحساب اللي قادر يدفعه.
الإنسان بيتقاس بأخلاقه، وبعلمه، وبطريقة تعامله مع اللي مالوش مصلحة عنده.
والأغرب إن بعد كام سنة، وأنا في مؤتمر قانوني، قابلت نادين صدفة.
كانت بتتكلم مع واحدة عن بنت شغالة عندهم في البيت.
ولما شافتني، قالت لها
دي مريم.
الست بصتلي وقالت
مريم مين؟
نادين ابتسمت وقالت
مريم اللي علمتني إن المظهر عمره ما كان دليل على قيمة الإنسان.
ضحكت.
وقلت
وأنا كمان اتعلمت
حاجة منك.
استغربت.
إيه؟
قلت
إن أوقات كلمة جارحة من شخص غلطان ممكن تكون السبب إنك تكتشفي قد إيه إنتِ أقوى مما كنتِ فاكرة.
ضحكت وقالت
يعني سامحتيني فعلًا؟
قلت
من زمان.
ومشيت.
ما بصتش ورايا.
لأن الصفحة دي كانت اتقفلت من زمان.
لكن قبل ما أوصل للسيارة، وصلني إيميل من الجامعة.
كان فيه قبول بحثي للنشر في مجلة قانونية متخصصة.
وقفت في الشارع.
فتحت الإيميل مرة تانية.
قريته.
وبعدين ضحكت لوحدي.
افتكرت القلم القديم اللي كنت حاطاه في جيب المريلة.
القلم اللي حطّيته على عقد حسام في الليلة اللي كل الناس شافتني فيها جرسونة.
واللي ماحدش كان يعرف وقتها إن القلم ده هو نفسه اللي كتبت بيه أول صفحة في بحثي.
احتفظت بالقلم.
لحد النهارده.
مش لأنه غالي.
لكن لأنه بيفكرني بحاجة عمري ما هنساها
ما تسمحش لحد يحدد قيمتك من المكان اللي واقف فيه.
يمكن الناس تشوفك في لحظة ضعيفة.
يمكن يشوفوك بتشتغل شغل بسيط.
يمكن يحكموا عليك من لبسك، أو فلوسك، أو شهادتك، أو اسم عيلتك.
لكن ده كله مجرد شكل.
وأحيانًا
أكبر مفاجأة ممكن تحصل لحد إنه يكتشف إن الشخص اللي كان شايفه أقل منه، ما كانش أقل منه أصلًا.
هو بس
ما أخدش وقته يعرفه.