حدود الكرامه ج٢ منى السيد

البوتاجاز، لابسة مريلة المطبخ، بتقلب الشوربة وبتحمر الجلاش، وكل شوية تطلع راسها من الباب تسأل بذوق يا طنط، أحط ملح قد إيه على الشوربة؟.. يا طنط، الشربات بتاع القطايف تقيل كده كويس ولا أزود ماية؟ وتهاني ترد عليها بنبرة هادية وبسيطة، من غير تعالي، بس من غير ما تقوم من مكانها برضه.
لما مدفع المغرب ضړب، وقعدوا كلهم حوالين طبلية الصالة الصغيرة اللي تهاني بتحبها، محمود رفع إيده ودعا، وكلهم أمنوا وراه. أكلوا بضحك وهزار، لأول مرة من سنين تهاني تاكل وهي مستريحة، مش قايمة كل ثانيتين تجيب شوكة ناقصة ولا تغرف رز لده. كانت الملكة المتوجة على سفرتها، والكل بيخدمها برضا وحب حقيقي نابع من الامتنان مش من التعود الأعمى.
بعد ما شربوا الشاي وأكلوا القطايف، والعيال قعدوا يتفرجوا على بوجي وطمطم في التلفزيون، محمود قام وطلع العلبة الشيك اللي كانت معاه في الأول. قرب من أمه، وحط العلبة على رجلها دي حاجة بسيطة يا أمي.. حق تلات سنين فاتوا مكناش بنشوف فيهم غير نفسنا.
فتحت تهاني العلبة، لقت جواها تذكرتين طيران، وباسبورها، وتأشيرة عمرة كاملة في فندق قدام الحرم، ومعاهم غويشة دهب عريضة بتلمع. بصت لمحمود بذهول إيه ده يا ابني؟! جبت الفلوس دي منين؟ محمود مسك إيدها وباسها دي من فلوسي أنا وشاهندة يا ماما، اقتطعناها من مصاريفنا، وعملنا جمعية عشان نعملك العمرة دي. انتي ياما كان نفسك تروحي بيت ربنا وتدعي هناك على مهلك، ومكناش بنفضيكي حتى تروحي مشوار ساعة لصحبتك. هتسافري الأسبوع الجاي، وشاهندة هتاخد إجازة من غير مرتب عشان تفضل مع العيال لحد ما ترجعي بالسلامة، تروحي تدعيلنا هناك وترجعي لبيتك تنوريه.
شاهندة مسكت إيد تهاني التانية، ودموعها نزلت أنا آسفة يا طنط للمرة الألف.. إحنا اتعلمنا الدرس كويس، وعرفت إن البيت مبيقفش على الحيطان، بيقف على القلوب اللي بتسند، وإحنا كنا بنكسر فيكي وإحنا مش داريين. حضرتك هنا خط أحمر، تيجي عندنا ضيفة تشربي شاي وتلعبي مع العيال، وترجعي بيتك معززة مكرمة، ووقت ما تعوزي إحنا اللي نجيلك تحت رجليكي.
تهاني بصت للتذاكر، وبصت للغويشة، وبصت لعيون ابنها ومراته. حست بحاجة دافية بتنزل على خدها، دموع رضا، مش دموع حزن ولا قهر زي بتاعة زمان. مسحت دموعها بطرف طرحتها، وابتسمت ابتسامة وسيعة خلت وشها ينوّر ربنا يتقبل منكم يا ولاد.. ويهدي سركم، ويصلح حالكم. أنا مسامحة، بس على شرط. محمود وشاهندة بصوا لبعض بقلق شرط إيه يا ماما؟ اؤمري! ضحكت تهاني وهي بتبص للأحفاد اللي بيلعبوا في الصالة كل جمعة، العيال ييجوا يتغدوا عندي، بس العيال بس! وانتم تلفوا تدوروا لكم على خروجة لوحدكم، تروحوا سينما ولا تتعشوا برة، وتيجوا تاخدوهم الساعة تسعة بالليل، عشان ستو عايزة تنام بدري وراها نادي الصبح!
الكل ضحك بصوت عالي ملا أركان الشقة، ومحمود مسك راس أمه وباسها من فوق الطرحة موافقين يا ست الكل.. أحسن شرط في الدنيا!
في الليلة دي، بعد ما مشيوا والساعة بقت حداشر، دخلت تهاني بلكونتها. كان القمر بدر في السما، الشارع تحت هادي، ونسمة الهوا بتطير أطراف الستارة الجديدة. طلعت سبحتها العقيق، وقعدت تسبح بهدوء وسلام. عرفت ساعتها إنها مكنتش قاسېة لما قفلت الباب في وشهم زمان، بل كانت أرحم ما يكون؛ لأنها بالوقفة دي أنقذت ابنها وبيته من الانحدار، وعلّمتهم معنى الشكر، وأنقذت نفسها هي كمان قبل ما ټدفن بالحيا وهي لسه بتتنفس.
ابتسمت وغمضت عينيها، وهي بتقول
من كل قلبها الحمد لله.. الحمد لله على راحة البال، وعلى القيمة اللي متعرفتش غير بالغياب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *