نهايه الخدمه ج١ متى السيد

جاية بين الكاميرا المفتوحة وشاشتها ووش سلمى اللي مبقاش فيه أي ذرة خوف. أمه سميحة لما سمعت سيرة قسم الدقي والعقيد مدحت، النواح والتمثيل وقفوا في لحظة، ورجليها خبطت في بعضها. هي عارفة عيلة سلمى وعارفة إن أهلها مش ناس غلابة يتلووا دراعهم، بس كانت فاكرة إن البنت مقطوعة من شجرة بعد وفاة أبوها وأمها وإنها هتقدر تكسرها وتسيطر على الشقة.
سلمى.. إنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ حازم نبرته اتغيرت، بدأت تتهز ويدخلها الخوف إحنا بنتخانق عادي زي أي اتنين متجوزين، دخلتي عيلتك والشرطة ليه في نص البيت؟ إهدي كده واستعيذي بالله.
سلمى بصت له باحتقار تام دلوقتي استعيذ بالله؟ لما كنت بتلوي دراعي وبتتهمني إني مديت إيدي على أمك كنت فاكرني هسكت وأعيط في الزاوية زي ما كنت بتعمل في خطيبتك القديمة؟ فوق يا حازم، أنا مش هادية، أنا أهدى مما تتخيل، وده اللي المفروض يرعبك.
لفت ضهرها ودخلت على أوضة النوم، وسابت باب الأوضة مفتوح. حازم وسميحة فضلوا واقفين في الطرقة باصين لبعض ومحتارين. سميحة همست لابنها برعب الواد ابن عمها ده مفتري يا حازم، ده كان ظابط مباحث ومبيسميش.. الشقة دي مكتوبة باسمها بجد؟ إنت مش قولتلي إنك مضيتها على تنازل مع ورق الجواز؟
حازم وشه كان أصفر وعرقان، مسح جبهته بإيده وقال بصوت واطي ومبحوح تنازل إيه يا أمي! الورقة اللي مضت عليها كانت وصل أمانة على المؤخر.. دي كانت داهية ومخلية محامي من طرفها يراجع كل ورقة قبل ما نمضي عند المأذون! أنا كنت بسايسها وبقول مع الوقت هجيب رجلها وأخليها تكتب كل حاجة باسمي لما تخلف.. خربتي الدنيا إنتِ بمحشيك وتوابلك وزبالتك دي!
أنا اللي خربت يا نِطع؟! سميحة ضربت على صدرها مش إنت اللي قولتلي حمّري عينك ليها واكسري مناخيرها عشان تعرف إن الكلمة كلمتنا في البيت؟ أديك شوفت رمتنا في الشارع إزاي!
قبل ما يكملوا خناقهم، سلمى خرجت من أوضة النوم.
كانت ماسكة في إيدها شنطتين سفر كبار، ورامتهم على الأرض في وسط الصالة بين رجلين حازم وأمه، وصوت السوستة الحديد رن في السكون. ورا الشنط، كانت شايلة في إيدها ملف جلد بني تقيل مربوط بأستك، وجواه رزمة ورق عقود وأختام نسر زرقا باينة من الأطراف.
إيه ده؟ حازم سأل وعينيه مبرقة على الشنط.
سلمى شالِت الملف تحت دراعها وشاورت على الشنط ببرود دي شنط هدومك وهدوم الست الوالدة. نص ساعة بالظبط، تكون لامتت كل كراكيبكم وتطلعوا برا الباب ده بالمفتاحين اللي معاكم.
حازم اتنرفز تاني وحس إن كرامته بتتمسح في الأرض نطلع فين في نص الليل؟! إنتِ اتهبلتي؟ دي شقتي أنا كمان، ده بيت الزوجية! القانون بيديني حق التمكين، مش هتعرفي ترميني كدة في الشارع كأني شحات! ده أنا واخدك ومستتكك ومحدش كان سائل فيكي!
سلمى طلعت الملف الجلد وفتحته قدامه، وطلعت ورقة رسمية مختومة بختم النسر ومكتوب عليها حصر تركة وإعلام وراثة، وورقة تانية لعقد ملكية عمارة كاملة في شارع مصدق بالدقي.
بيت زوجية مين يا أبو تمكين؟ سلمى ضحكت باستهزاء وهي بتشاور بالورق في وشه إنت ناسي العقد بتاع الشقة دي نوعه إيه؟ الشقة دي مش جزء من أموال الزوجية، الشقة دي وقف وتنازل من تركة جدي الله يرحمه، متسجلة باسمي أنا لوحدي قبل ما أشوف وشك بسنتين. وعارف الورق التاني ده إيه؟ دي أصول التركة اللي والدي سابهالي تلات محلات في وسط البلد، وعمارة الدقي اللي إنت وأمك فاكرين إننا مأجرين فيها شقة صغيرة، طلعت العمارة كلها بتاعتي وباسم سلمى فريد الألفي!
سميحة فتحت بقها وشهقت شهقة مكتومة، عينيها وسعت وكأنها شافت شبح الألفي؟! إنتِ أبوكي يبقى المستشار فريد الألفي صاحب التوكيلات؟
سلمى بصت لسميحة بعينين قاطعة أيوة يا حاجة، فريد الألفي اللي ابنك كان داخل طمعان فيه وفاكر إنه لما يتجوز بنته الوحيدة بعد ما مات هيعرف يستفرد بالورث ويلوي دراعها بحتة دبلة دهب صيني ومؤخر خمسين ألف جنيه. أنا كنت ساكتة وعاملة عبيطة وبقول راجلي وبحبه وهيكبر معايا، لحد ما جيبتي إنتِ الهانم بيتي، وبدأتي تتعاملي كأنك صاحبة العز وأنا الخدامة اللي جايبينها تنضف وراكم وتعملكم محشي وترموه في الزبالة!
حازم رجله مشالتهوش، ساند إيده على ضهر الكنبة وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه. الحسبة كلها اتقلبت في ثانية. الشقة، والعربية، والمشاريع اللي كان بيحلم يفتحها بفلوسها، وكل الوهم اللي كان باينه في خياله اتهد فوق دماغه في لحظة واحدة بسبب حلة محشي وشوية بهارات وأمه اللي مفكرتش غير في الغيرة والسيطرة.
قرب من سلمى خطوة، نبرة صوته اتكسرت تماماً، وعينيه بقت تترجاها سلمى.. حبيبتي.. إهدي بس وصلي على النبي، مفيش حاجة تستاهل نوصل لكده. دي ساعة شيطان وأمي ست كبيرة متعرفش مصلحتنا، وأنا كنت جاي من الشغل تعبان وأعصابي مفلتة.. أنا مكنتش أقصد أضغط على دراعك والله، حقك عليا، قطعي إيدي لو اتمدت عليكي تاني! تعالي ندخل الأوضة ونتكلم براحة ونصلح كل حاجة، وأمي من الصبح هترجع شقتها ومش هتشوفي وشها هنا تاني أبداً، أوعدك!
سميحة اتصدمت لما لقت ابنها بيبيعها في ثانية عشان الفلوس والملك، وصرخت فيه بتبيع أمك عشان قرشين يا حازم؟! بتوطي راسك لبت زي دي؟!
حازم
زعق في أمه بهيستيريا ورعب اخرسي إنتِ بقى! بوظتيلي حياتي بغبائك! عاجبك اللي إحنا فيه ده؟!
سلمى وقفت تتفرج على المشهد الرخيص اللي قدامها بمنتهى القرف والاشمئزاز. الاتنين بياكلوا في بعض عشان مصلحتهم، مفيش فيهم حد فارق معاه احترام ولا عشرة ولا نعمة ربنا اللي اتهانت.
رفعت إيدها وبصت في ساعة الحيطة، كانت داخلة على حداشر بالليل.
قدامكم بالظبط تلت ساعة سلمى قالتها بصوت بارد مفيش فيه رجعة تلموا حاجتكم وتطلعوا. لو الدقيقة حداشر وتلت دقت وإنتوا لسه جوة عتبة الباب، مش بس هطلب البوليس وأعمل محضر ضرب، ده أنا بكرة الصبح هيكون البنك حاجز على حساباتك بصفقتي كضامن في القرض الشخصي اللي خدته عشان تفتح بيه شركتك الفاشلة، والعربية اللي تحت دي الونش هيشيلها لأن التوكيل اتلغى وهي باسمي. هتخرجوا بالمعروف، ولا أفرج عليكم العمارة كلها وأخلي بوابين الشارع هما اللي يشيلوا شنطكم ويرموكم برا؟
حازم بص لأمه بنظرة كلها كره، وبص لسلمى وهو شايف في عينيها نهاية كل حاجة، ومع ذلك، في زاوية عينيه كان باين خبث من نوع تاني.. خبث حد بيغرق، ومستعد يشد أي حاجة معاه للقاع حتى لو كانت سلمى نفسها.
يتبع

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *