الهديه ج١ منال علي
الجزء الأول
“إيه يا تانيا؟ كل مرة تيجي تجيبي هدية لحد، تحسسي الواحد إنك رايحة تقابلي الملكة إليزابيث!”.. قالها إيهاب وهو بيضحك، وهو بيبص على شاشة اللابتوب اللي قدام مراته.
تانيا ما رفعتش عينها من الشاشة، فضلت تكبّر صورة طقم قهوة شيك معمول بإيد فنان خزف، وبصت على الخط الدهبي الرفيع اللي ملفوف حوالين الفناجين، وبعدها قالت بهدوء:
“حماتك شافت طقم شبه ده من سنتين، وفضلت واقفة تتفرج عليه، وقالت وقتها: يا بخت اللي هيشتريه… نفسي أجيبه بس غالي أوي.”
إيهاب هز كتفه وقال: “كانت كلمة وخلاص… أكيد نسيت.”
ابتسمت تانيا وقالت: “هي يمكن نسيت… إنما أنا لأ.”
قعد جنبها وبقى يقلب الصور. الطقم كان تحفة بجد… ست فناجين بقواعدهم، وبراد قهوة، وسكرية، ولبانة، كله معمول بإيد صنايعي مخصوص، ولونه أبيض دافي مايل للون اللبن، وحوالين كل قطعة رسومات أغصان رفيعة باللون الدهبي.
قال بإعجاب: “الصراحة جميل جدًا… بس هما بيشربوا في أي مج عادي.”
ردت وهي قافلة الموقع: “ده عيد جوازهم الخمسين… مش عيد ميلاد عادي.”
وسجلت رقم الورشة في موبايلها، لأنها كانت خلاص أخدت قرارها.
…
تانيا كانت شغالة مصممة ديكور من سنين، وكانت مؤمنة إن البيت مش بيتقاس بفخامته، لكن بالناس اللي عايشة فيه.
كانت تلاحظ كل حاجة… مين أول واحد بيصحى يعمل قهوة… مين دايمًا بيسيب المفاتيح في نفس المكان… مين بيحب النور الهادي بالليل…
وعشان كده كانت بتختار الهدايا بنفس الطريقة.
ما كانتش تشتري حاجة غالية لمجرد إنها غالية.
أختها جابتلها كرسي مريح لأنها كانت بتقعد بالساعات تشتغل في الخزف.
وأبوها اشترتله ترابيزة شغل تتطبق عشان تدخل جراجه الصغير.
وصاحبتها جابتلها شنطة سفر محترمة بعد ما شنطتها اتكسرت مرتين وهي مسافرة.
كانت تسمع، وتفتكر، وتجيب الحاجة اللي الشخص فعلًا محتاجها.
إيهاب في الأول كان مستغرب طريقتهـا، لكن بعد الجواز بقى متعود إنها قبل أي مناسبة بشهور تفتح نوتة مخصوصة في الموبايل وتكتب فيها أفكار للهدايا.
…
قصة حبهم بدأت من ست سنين.
وقتها تانيا كانت مسؤولة عن تشطيب ديكور مطعم جديد على طريق صحراوي، وإيهاب كان جاي يمثل شركة بتركب أنظمة التهوية.
حصل عطل بسيط، واضطر يقعد لحد آخر الليل يصلحه.
وهي كمان فضلت تتابع الشغل.
كل شوية يعدوا جنب بعض…
هي ماسكة متر وملفات…
وهو طالع نازل بين العمال.
وفي الآخر قالها مبتسم:
“إحنا بقينا قاعدين في مطعم جاهز، والمطبخ شغال… ومفيش ولا زبون… تيجي نتعشى؟ فرصة مش هتتكرر.”
ضحكت وقالت: “ماشي.”
ومن العشا ده بدأت الحكاية.
بعد كام شهر عاشوا سوا في شقتها، وبعد سنة اتجوزوا، وعملوا فرح بسيط حضره الأهل وأصحابهم المقربين… واتعشوا في نفس المطعم اللي اتعرفوا فيه.
…
حماته، مدام فاطمة، وحماه، الحاج محمود، استقبلوها باحترام… لكن من غير دفا.
ما حدش اعترض على الجوازة، لكن تانيا كانت حاسة إن في مسافة بينها وبين حماتها مهما حاولت تقرب.
الحاج محمود كان راجل بسيط وطيب، يحب يحكي عن العربيات القديمة والصيد.
أما مدام فاطمة… فكانت دائمًا مهذبة في كلامها، لكن عمرها ما حسستها إنها بنتها.
…
ورغم كده، تانيا فضلت تحاول.
لما حماها اشتكى من ضهره، اشترتله كرسي طبي.
ولما عرفت إن حماتها بتحب التريكو، جابتلها أباجورة مخصوص عشان تعرف تشتغل من غير ما عينها تتعب.
ولما تعبوا ومقدروش ينزلوا يجيبوا طلبات البيت، كانت هي اللي تطلب لهم كل حاجة لحد باب الشقة.
كانوا يقبلوا المساعدة…
لكن كلمة “شكرًا” كانت نادرة جدًا.
حماتها كانت شايفة إن ده واجب.
ولو تانيا جابت حاجة… تهز راسها… وتغير الموضوع.
ولو قضت يوم أجازتها كله تساعد في عزومة… يبقى ده الطبيعي.
مرة فضلت تلف على محلات كتير عشان تجيب لها خيط صوف بلون معين كانت نفسها فيه.
أول ما فتحته قالت بكل برود:
“كان المفروض اللون يبقى أغمق شوية.”
تانيا سكتت.
بصت لإيهاب…
لقته عامل نفسه مشغول في الموبايل.
ولما ركبوا العربية قالتله:
“حتى كلمة شكراً بقت صعبة؟”
قال بسرعة:
“ماما مقصدتش تزعلك… دي طريقتها.”
ردت وهي باصة قدامها:
“والتقدير برضه طريقة.”
وعدها إنه هيكلم أمه…
لكن الوعد فضل وعد.
…
لما قرب عيد الجواز الخمسين لوالديه، إيهاب قال:
“إيه رأيك نجيب لهم تلفزيون جديد؟”
قالت:
“التلفزيون عندهم ممتاز.”
“طيب تلاجة؟”
“أبوك قال بنفسه إنه مش عايز يغيرها.”
استغرب وقال:
“إنتي فاكرة الكلام ده؟”
ابتسمت وقالت:
“هو اللي قاله الشتاء اللي فات.”
هز راسه وهو بيضحك:
“إنتي فاكرة عن أهلي أكتر مني.”
ما ردتش… حكايات منــال عـلـي
لأنها في اللحظة دي افتكرت طقم القهوة اللي حماتها كانت نفسها فيه من سنتين.
دخلت الورشة، وطلبت يتعمل مخصوص.
اختارت شكل الفناجين بنفسها…
والرسومات…
ولون الطقم… حصري على صفحه روايات واقتباسات
وطلبت يكتبوا جوه علبة الهدية:
“خمسين سنة حب وعِشرة.”
الورشة قالتلها إن التنفيذ هيحتاج حوالي تلات شهور.
وافقت من غير تردد.
وكل فترة كانوا يبعتولها صور وهم بيخلصوا كل قطعة.
وكان قلبها بيكبر مع كل صورة.
لكنها حست إن الهدية لوحدها مش كفاية.
افتكرت إن الحاج محمود كان دايمًا يقول نفسه يقضي كام يوم في مكان هادي، يرتاح فيه، ويبعد عن دوشة البيت.
وحماتها كانت كل مرة تأجل الفكرة.
عشان كده بدأت تدور على مكان محترم…
فندق علاجي وسط جناين وخضرة، فيه حمام سباحة، وأكل، وبرامج علاجية، ومكان مريح لكبار السن. حكايات منــال عـلـي
ولما لقت المكان المناسب…
حجزت أسبوع كامل ليهم على حسابها.
وقررت تخبي المفاجأة، وتديهم أوراق الحجز بعد انتهاء حفلة عيد جوازهم… عشان الفرحة تبقى فرحتين.
يتبع…