أول ما خطيت رجلِي جوه صالة الوصول في مطار ميونخ، كنت حاسس إن الأرض بتتهز تحتيا. ناس بملامح مختلفة، لغات مش فاهم منها كلمة، وحركة سريعة في كل مكان. مراتي كانت ماسكة في جلابيتي بجمود، وعينيها رايحة جاية في الصالة وخايفة. المترجم اللي كان مسافر معانا طمنا وقال: “متخافش يا عم رمضان، خطوات بسيطة وهنشوف الاستقبال.” أول ما أبواب الصالة الإلكترونية اتفتحت وخرجنا لمنطقة الاستقبال.. اتفاجئت بجمع كبير من الناس واقفين، شالين يافطات مكتوب عليها بالعربي وبالألماني: “مرحباً بالبطل عم رمضان!” وفجأة، وسط الزحمة دي كلها، لمحت راجل بيجري ناحيتنا وهو مبتسم ابتسامة عريضة، وجنبه ست شكلها لطيف، وماسكين في إيدهم بنت صغيرة زي القمر، شعرها أشقر ولابسة فستان أبيض جميل وجايين بيجروا ناحيتنا. دكتور ديفيد! وصل عندي ورمى نفسه في حضني، حضن دافي وجامد كأنه بيحضن أخوه اللي غايب عنه سنين. كان بيعيط ويقول بالمصري المكسر اللي تعلمه مخصوص عشان اللحظة دي: “شكراً.. شكراً يا عم رمضان.. يا صديقي العظيم!” الست اللي معاه، مراته، جت وقفت قدام مراتي وحضنتها ببكاء وإيدها بترعش، وبقت تشكرها وهي مش فاهمة كلامها بس النبرة والدموع كانت كفيلة تفهم أي بني آدم. أما المفاجأة الكبرى.. كانت الطفلة “إيما”. قربت مني بخطوات هادية، وبصت في وشي بعينيها البريئة، ومسكت إيدي الصغيرتين وحطت في إيدي ورقة رسمة فيها توك توك صغير ملون بالأصفر، وجنبه راجل بسيارات، وفوقيه قلب كبير، وقالت لي باللغة الإنجليزية وهي بتضحك: “Thank you, Uncle Ramadan!” في اللحظة دي، أنا ومراتي ممسكناش نفسنا. البكاء غلبنا جميعاً في وسط المطار. مسكت البنت الصغيرة شلتها ودعيت لها من كل قلبي: “ربنا يحفظك يا بنتي ويخليكي لأبوكي وأمك.. الحمد لله إن ربنا جعلني سبب في البسمة دي.” صحفيين ومصورين كتير كانوا واقفين بيلتقطوا صور للحظة دي، وأنا واقف بجلابيتي الصعيدي البسيطة وسط الناس والأضواء، مش مصدق إن ده أنا، سواق التوك التوك الغلبان اللي كان بيحسب القرش بالقرش عشان مصاريف بيته. اخدونا في عربيات فخمة جداً ونزلونا في فندق كبير، وأدونا فرصة نرتاح ونغير هدومنا عشان اليوم التاني كان هو الموعد الموعود.. يوم التكريم الكبير في القاعة الرئيسية بالمستشفى الجامعي. تاني يوم الصبح، دخلنا قاعة ضخمة جداً مليانة دكاترة وأطباء ومسؤولين وكبار الشخصيات والإعلاميين. قعدوني أنا ومراتي في الصف الأول بجانب الدكتور ديفيد وعائلته. الحفل بدأ بكلمات من رئيس الجامعة ومدير المستشفى، وكانوا بيتكلموا عن الأبحاث والعلاج التجريبي، ولما جه دور الدكتور ديفيد عشان يطلع على المسرح يلقي كلمته، القاعة كلها سكتت. ديفيد طلع على المنصة، وبص للجمهور وشد المايك، وقدم عرض صور على الشاشة الكبيرة.. أول صورة نزلت على الشاشة مكنتش صورة المعمل ولا العلاج.. كانت صورة التوك التوك بتاعي وهو مركون في شوارع أسوان! ديفيد اتكلم بصوت هز القاعة كلها، والمترجم كان بيهمس في ودني بكل كلمة بيقولها: “كل العلم والأبحاث اللي عملناها، والبروتوكولات الطبية، والسنوات اللي قضينها في المعامل.. كانت ممكن تنتهي في ثانية واحدة وتتحول لصفر.. لولا أمانة وشجاعة هذا الرجل البسيط. هذا الرجل لم ينقذ طفلتي إيما فقط، بل أنقذ الأمل لكل أطفال العالم الذين سيستفيدون من هذا العلاج مستقبلاً. إنه أثبت لنا أن الإنسانية والنبل لا يحتاجان إلى شهادات جامعية، بل إلى قلب نقي.” القاعة كلها وقفت على رجلها! مئات من العلماء والأطباء والمسؤولين فضلوا يصقفوا بحرارة شديدة لدقائق طويلة وهما باصين عليا. ديفيد ناداني عشان أطلع جنبه على المسرح. طلعت بخطوات ثقيلة، قلبي بيلعب وجسمي كله بيترعش. سلم عليا وأداني درع ذهبي كبير مكتوب عليه اسمي بكلمات من التقدير. لكن قبل ما أنزل من على المسرح، ديفيد مسك المايك تاني وقال: “لكن التكريم ده مش كل حاجة.. رمضان رفض يتقاضى أي أجر أو مكافأة مالية في مصر، وأصر إن أمانته مالهاش ثمن.. وعشان كده، إحنا كرؤساء مجلس إدارة المؤسسة، قررنا نرد له الجميل بطريقة تليق بأمانته وتضمن له ولأسرته حياة كريمة طول العمر.” ديفيد طلع وثيقة قانونية كبيرة ومقننة، وبصلي وبدأ يشرح المفاجأة المذهلة اللي أعدوهالي، وهي المفاجأة اللي خلاني أقف مشدوه على المسرح مش قادر أنطق بكلمة واحدة من صدمتها! وقف ديفيد على المسرح وهو ماسك الوثيقة الرسمية، وبصلي وبص للجمهور اللي كان مستني يستوعب إيه هي المفاجأة. المترجم قرب من ودني وهو بيترجم كل كلمة ونبرة صوت بتخرج من ديفيد: “السيدات والسادة.. العم رمضان رفض ياخد أي مقابل مالي لقاء أمانته، وكان شايف إن إنقاذ حياة بنتي هو أجر في حد ذاته. لكن إحنا مش ممكن نسيب رجل بالنبل ده يرجع يصارع قسوة الحياة اليومية على توك توك تهالك من أجلنا. عشان كده، المؤسسة الطبية بالتعاون مع رجل أعمال مصري مغترب في ألمانيا، قرروا الآتي: أولاً: تخصيص دخل شهري ثابت ومستمر للعم رمضان مدى الحياة، يُصرف من عائدات مشروع الأبحاث الطبي، كشريك أدبي وأخلاقي رئيسي في نجاح هذا العلاج. ثانياً: تكفل المؤسسة بالكامل بمصاريف تعليم أبنائه حتى تخرجهم من الجامعات، مع توفير سيارة حديثة ومجهزة ليعمل عليها أو يؤجرها لتكون مصدر رزق كريم له ولأسرته في أسوان.” القاعة انفجرت مرة ثانية بالتصفيق والتهليل. أنا في اللحظة دي ركبي مكنتش شيلاني، الدموع نزلت من عيني زي المطر. افتكرت الأيام اللي كنت بلف فيها الشوارع بالتوك التوك تحت الشمس الحارقة، وبحسب القرش بالقرش عشان أوفر أكل لعيالي وأدفع إيجار البيت. افتكرت لما الفلوس كانت بين إيدي في الشنطة والخواطر الصعبة، وكيف إن ربنا بيعوض الصابر والأمين بأضعاف أضعاف ما كان يحلم! نزلت من على المسرح وأنا حاسس إني طاير في السماء. مراتي كانت بتعيط وتدعي برفع إيدها فوق، والأطباء والضيوف يسلموا عليا ويتصوروا معايا كأني بطل عالمي. قضينا أسبوع في ألمانيا، الدكتور ديفيد وعيلته مسبوناش لحظة واحدة. فسحونا وورونا معالم المدينة، وإيما البنت الصغيرة كانت دايماً ماسكة في إيدي وبتقولي بلغة أطفال جميلة: “Uncle Ramadan”. ولما جه وقت الفراق والرجوع لمصر، ودعونا في المطار بالدموع والوعود إنهم هيزورونا في أسوان كل سنة في موسم الشتاء. ركبنا الطيارة وراجعين، وفي إيدي الدرع الذهبي وفي قلبي فرحة وسكينة ملهمش حدود. مراتي بصتلي في الطيارة وقالتلي: “يا رمضان.. افتكرت لما قلتلي في البيت إن الفلوس دي محتاجينها بس مش بتاعتنا؟ ربنا أدانا الحلال وراحة البال والستر اللي يعيشنا ونعيش عيالنا في عز.” وصلنا مطار القاهرة، ومنه لأسوان.. أول ما نزلت الموقف في منطقتنا، اتفاجئت بإن زمايلي سواقين التوك التوك وأهل الحارة عاملينلي استقبال بالدفوف والمزمار البلدي! علقوا زينة في الشارع، والكل جاي يبارك ويهني لعمهم رمضان اللي رفع رأس البلد كلها بأمانته. وبعد أيام قليلة، استلمت السيارة الجديدة، وبدأت أجهز ورقي وأموري مع الجمعية اللي هتفتتح المركز الطبي الخيري في أسوان. كل حاجة في حياتي اتغيرت للأحسن، وبقيت أقف كل يوم قدام بيتي، أبص للتوك التوك القديم المركون على جانب الطريق، وأبتسم.. لكن القصة مكنتش لسه انتهت تماماً؛ لأن التوك التوك ده، اللي كان سبب في كل المعجزة دي، كان فاضل فيه سر أخير ومفاجأة ختامية مكنتش تخطر على بال أي مخلوق، وهتعيد فتح الصفحة الأولى للرحلة من جديد بس بطريقة أغرب! وقف التوك التوك القديم مركون قدام بيتي، مجرد حتة حديد بالنسبة لأي حد يشوفه، بس بالنسبة لي كان هو الشاهد الوحيد على اللحظة اللي اتغيرت فيها حياتي كلها. وفي يوم، وأنا بفرغ حاجتي البسيطة منه عشان أجهزه للبيع أو أهديه لواحد صاحبي محتاج يبدأ بيه حياته، قررت أنضفه تنضيفة كاملة من جوه كأنه وداع لأيام الشقاء. وأنا بفك البطانة الجلدية القديمة للكرسي الخلفي – الكرسي اللي الدكتور ديفيد ساب عليه الشنطة في اليوم المشهود – إيدي خبطت في حاجة ناشفة ومستخبية جوه تجويف الشاصي تحت الكرسي. استغربت.. مددت إيدي ببطء وسحبت جسم معدني صغير ملفوف بقماش مقوى ومربوط برباط بلاستيكي، ومغطى بالتراب كأنه مستخبي هناك من سنين! نفضت التراب من عليه وفتحته، ولقيت جواه جهاز صغير جداً يشبه الفلاشة الكبيرة، ومعاه كارت صغير مكتوب عليه بخط اليد باللغة الإنجليزية ورقم هاتف مصري ورقم ألماني. أخدت الكارت والجهاز وجريت على المترجم اللي بقى صديقي وتواصلت معاه عشان يفهمني إيه ده. المترجم اتصل بالرقم وسأل، وبعد ساعات قليلة جالي الرد الصادم اللي خلاني أقف مشدوه! الجهاز ده مكنش للدكتور ديفيد.. ولا كان يخص السياحة من قريب أو بعيد! ده كان يخص سائح وعالم جيولوجي كان راكب معايا التوك التوك قبل حادثة الدكتور ديفيد بأسابيع طويلة، وكان ضيع الجهاز ده وكرسي التوك التوك بلعه في الفتحة الجانبية وما خدتش بالي منه. الجهاز كان بيحتوي على الخرائط الرقمية والبيانات الميدانية لأبحاث اكتشاف مناجم ورمال بيضاء وثروات معدنية نادرة في جبال أسوان، وكان البحث ده متوقف تماماً وسعر البيانات دي يساوي ملايين للأبحاث التعدينية، وكان صاحبه فقد الأمل تماماً إنه يلاقيه! لما اتصلصنا بيه وعاين البيانات ورجعتله، الراجل مكنش مصدق، وجالي مخصوص أسوان عشان يستلم حاجته، وقرر يمنحني نسبة قانونية ومكافأة أمانة ثانية عن طريق الجهات الرسمية لإعادة أبحاثه القيمة للدولة وللشركة الراعية. ساعتها وقفت في نص الشارع، وبصيت للتوك التوك القديم وللسماء.. ودمعت بقلبي كله. عرفت إن ربنا لما بيفتح باب الستر والخير على عبد أمين، بيفتحها عليه من كل الاتجاهات، مش بس عشان الفلوس، لكن عشان يوريه إن الحلال طعمه جميل، وأن الخوف من الله والأمانة هما التجارة الوحيدة اللي عمرها ما بتخسر أبداً. ومن اليوم ده، بعت التوك التوك لمركز الشباب في منطقتنا يثبتوه في المدخل كرمز وتذكير لكل شاب وطالع: إن “عم رمضان” بدأ من هنا.. وبأمانته وضميره، وصل لأعلى مكان في الدنيا. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”