مين هيقبل واحده ارمله ج٣ انجي الخطيب

القاعة انفجرت مرة ثانية بالتصفيق والتهليل. أنا في اللحظة دي ركبي مكنتش شيلاني، الدموع نزلت من عيني زي المطر. افتكرت الأيام اللي كنت بلف فيها الشوارع بالتوك التوك تحت الشمس الحارقة، وبحسب القرش بالقرش عشان أوفر أكل لعيالي وأدفع إيجار البيت. افتكرت لما الفلوس كانت بين إيدي في الشنطة والخواطر الصعبة، وكيف إن ربنا بيعوض الصابر والأمين بأضعاف أضعاف ما كان يحلم!

نزلت من على المسرح وأنا حاسس إني طاير في السماء. مراتي كانت بتعيط وتدعي برفع إيدها فوق، والأطباء والضيوف يسلموا عليا ويتصوروا معايا كأني بطل عالمي.

قضينا أسبوع في ألمانيا، الدكتور ديفيد وعيلته مسبوناش لحظة واحدة. فسحونا وورونا معالم المدينة، وإيما البنت الصغيرة كانت دايماً ماسكة في إيدي وبتقولي بلغة أطفال جميلة: “Uncle Ramadan”.

ولما جه وقت الفراق والرجوع لمصر، ودعونا في المطار بالدموع والوعود إنهم هيزورونا في أسوان كل سنة في موسم الشتاء.

ركبنا الطيارة وراجعين، وفي إيدي الدرع الذهبي وفي قلبي فرحة وسكينة ملهمش حدود. مراتي بصتلي في الطيارة وقالتلي: “يا رمضان.. افتكرت لما قلتلي في البيت إن الفلوس دي محتاجينها بس مش بتاعتنا؟ ربنا أدانا الحلال وراحة البال والستر اللي يعيشنا ونعيش عيالنا في عز.”

وصلنا مطار القاهرة، ومنه لأسوان.. أول ما نزلت الموقف في منطقتنا، اتفاجئت بإن زمايلي سواقين التوك التوك وأهل الحارة عاملينلي استقبال بالدفوف والمزمار البلدي! علقوا زينة في الشارع، والكل جاي يبارك ويهني لعمهم رمضان اللي رفع رأس البلد كلها بأمانته.

وبعد أيام قليلة، استلمت السيارة الجديدة، وبدأت أجهز ورقي وأموري مع الجمعية اللي هتفتتح المركز الطبي الخيري في أسوان. كل حاجة في حياتي اتغيرت للأحسن، وبقيت أقف كل يوم قدام بيتي، أبص للتوك التوك القديم المركون على جانب الطريق، وأبتسم..

لكن القصة مكنتش لسه انتهت تماماً؛ لأن التوك التوك ده، اللي كان سبب في كل المعجزة دي، كان فاضل فيه سر أخير ومفاجأة ختامية مكنتش تخطر على بال أي مخلوق، وهتعيد فتح الصفحة الأولى للرحلة من جديد بس بطريقة أغرب!

وقف التوك التوك القديم مركون قدام بيتي، مجرد حتة حديد بالنسبة لأي حد يشوفه، بس بالنسبة لي كان هو الشاهد الوحيد على اللحظة اللي اتغيرت فيها حياتي كلها. وفي يوم، وأنا بفرغ حاجتي البسيطة منه عشان أجهزه للبيع أو أهديه لواحد صاحبي محتاج يبدأ بيه حياته، قررت أنضفه تنضيفة كاملة من جوه كأنه وداع لأيام الشقاء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *