الضحكه الاخيره ج٢

شروق خالد

فضل قاعد على الكرسي في الكافيه لحد ما الشمس غربت، والناس بدأت تتجمع والأنوار تتطفي. فتح إيده اللي كانت متشنجة على الدبلة الفضة. بص لها مليًا.. الدبلة اللي كانت رمز لست سنين جواز وإحدى عشرة سنة حب، بقت دلوقتي مجرد حتة معدن بتفصّل حكايتهم، وبتفصّل الدرس القاسي اللي اتعلمه متأخر أوي.

رجّع الدبلة جوة جيبه، وقام وقف. مرت السنين..”كريم” ما رجعش زي زمان. ما بقاش الراجل اللي بيطارد الفلوس والمشاريع على حساب أي حاجة ثانية. غير نظام شغله تماماً، وبقى بيخصص جزء كبير من أرباح شركته لدعم ومساعدة الحالات الطارئة في المستشفيات المجانية، خصوصاً قسم أورام ونسا الأطفال والولادة.

. كأنه بيحاول يعتذر لروح الابن اللي ما لحقش يشوفه، ولـ “شيرين” على الساعات اللي قضتها لوحدها في المستشفى. كان بينزل بنفسه يزور المستشفيات، ويقعد مع الناس الغلابة، ويسمعهم.. بقى بيعرف يسمع، بعد ما كان طول عمره بيتكلم بس. أما “شيرين”.. فنجمها سطع في عالم الرسم والفن التشكيلي.

معارضها بقت بتلف القاهرة، ولوحاتها كانت دايماً بتعبر عن الحرية، والتعافي من الوجع، والأمل اللي ببيتولد من جديد بعد العاصفة. لوحاتها كانت مليانة ألوان هادية ودافية، ودايماً كان في زاوية كل لوحة بترسمها.. رسمة صغيرة لفراشة وردي طايرة لفوق. في يوم، بعد أربع سنين من لقائهم في المعادي.

.كان “كريم” واقف في معرض كبير بوسط البلد، بيتفرج من بعيد على الناس وهي بتتزاحم عشان تشوف اللوحة الرئيسية للمعرض. كانت لوحة لشارع في الزمالك، فيه مطر خفيف، وبنت ماشية ماسكة شمسية وردي وطالعة على الشروق. اللوحة كان اسمها: “بداية جديدة”.

وقف “كريم” يبص على اللوحة، وشاف “شيرين” واقفة بعيد بتتكلم مع المجهور والناقدين، وشها بيشع أمل ونجاح، وحواليها ناس بيقدروا فنها ووجودها. ابتسم “كريم” من قلبه.. ابتسامة حقيقية مفيهاش حسرة ولا غل. كان مبسوط عشانها.. مبسوط إنها قدرت تقوم وتعدي، وإنها ما سمحتش للوجع إنه يكسرها للأبد.

لمحت عينها وجوده بين الحاضرين. هزت رأسها ليه من بعيد بابتسامة هادية وراقية.. ابتسامة احترام وشكر غير مباشر على إنه احترم رغبتها وسابها تعيش. رد لها الهزة برأسه، وبص على اللوحة للمرة الأخيرة. طلع من جيبه الدبلة الفضة..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *