اتنكرت في زي ميكانيكي
انجي الخطيب
الساعة كانت واحدة الضهر لما الصوت بدأ.
مش صوت الورشة العادي بتاع الشاكوش والمواتير، لأ… صوت كوتشات عربيات كتير بتفرمل مع بعض في الشارع الشبه ضيق، diikuti بـ صوت إغلاق أبواب عربيات بترزع بعنف.
تكتكة السلاح والخطوات التقيلة كانت مسموعة من فوق، كأن الأرضية الخشب تحت رجليا بتهتز.
مقدرتش أقاوم. مشيت على أطراف صوابعي ناحية الشباك المتغطي بستارة تقيلة، ووربت منها مليمتر واحد بس.
كان فيه حوالي خمس عربيات دفع رباعي سودا واقفين قافلين الشارع. طلع منهم يجي خمسة وعشرين راجل بالبدل السودا، وعلى رأسهم حسام… وجنبه الراجل اللي كنت بشوفه في كوابيسي طول السبع شهور اللي فاتوا.
ماجد الشناوي.
كان لابس بدلة كحلي فخمة، بيمشي ببطء وتكبر، وبيدخن سيجار ببرود، لكن ملامح وشه كانت مشدودة بشر.
وفجأة… من قلب الورشة، خرج عز الدين المغربي.
مكانش لابس بدلة، كان لابس قميص أسود عادي مشمر أكمامه، وإيديه في جيوبه، وبيمشي بمنتهى الهدوء. ومن وراه، خرجوا أكتر من تلاتين راجل من صنايعية وشباب المنطقه، كل واحد فيهم ماسك في إيده حاجة… مفاتيح إنجليزي ثقيلة، جلاخات، وسلاسل حديد. وفي أقال من ثانية، الشارع كله اتملى بأهل المنطقة اللي وقفوا ورا عز الدين كأنهم سد حديد.
ماجد الشناوي وقف على بُعد خطوات، ونزل السيجار من بؤه، وقال بصوت عالي ومستفز:
“منور يا مغربي… الشغل ماشي كويس؟ ولا كبرت خلاص وبقيت تخبي الشغالين بتوعك عننا؟”
عز الدين ما اتحركش من مكانه، ولا نبرة صوته اتغيرت. بص لماجد من فوق لتحت ونطق ببرود يرعب:
“الشناوي بنفسه في جيزتي؟ خير… جايب كلابك دول معاك ليه؟ ناوي تتغدى عندنا ولا جاي تدور على حاجة مش بتاعتك؟”
وش ماجد احمر من الإهانة، وخطى خطوة لقدام وهو بيشاور بإيده بعصبية:
“بلا لف ولدوران يا عز! الراجل بتاعك اللي اسمه آدم… حسام شاف وشه كويس بيلف في الورشة بـ قميص واسع وشعر مقصوص، والملامح مش غريبة عليه. البنت اللي هربانة مني بقالها سبع شهور موجودة هنا… سلمها بحدانا بدل ما نقلب الشارع ده عاليها واطيها.”
أنا فوق كنت ماسكة الستارة وبترعش، نفسي ضاق، وحسيت إن كل حاجة انتهت خلاص.
لكن عز الدين ضحك.
ضحكة واطية، تهكمية، هزت المكان كله.
قرب من ماجد خطوة واحدة، وصوته نزل لدرجة خلت الشارع كله يسكت تماماً:
“تقلب الشارع؟ إنت فاكر نفسك واقف في التجمع يا شناوي؟ الورشة دي، والشارع ده، والمنطقة دي كلها… بكلمة مني مفيش عربية واحدة من دول هترجع بيك حية. أما بالنسبة للبنت…”
عز الدين سكت ثانية، وبص لـ عينين ماجد مباشرة وبكلام حاد زي السيف:
“… فـ لو فرضنا إنها هنا، إنت فاكر إن ملك عبدالسلام ممكن تبص لواحد زيّك بعد ما شافتك على حقيقتك؟ البنت هربت منك ومن أبوها لأنكم بعتوها واشتريتوها كأنها بضاعة… وفي عرف الرجالة، اللي تسيبك وتهرب منك وتفضل تعيش في الشحم والتراب على إنها تعيش في عزّك… تبقى كرهتك.”
ماجد أيده اترعشت من الغضب، ورجالته مدوا إيديهم تحت البدل يجيبوا السلاح، لكن في نفس اللحظة… صوت أجزاء سلاح بتتسطر طلع من الشبابيك والأدوار العالية في البيوت اللي حوالين الورشة. شباب المنطقة كانوا واقفين على الأسطح ومعاهم سلاح حي وموجهين على رجالة الشناوي.
حسام ذراع ماجد اليمين اتمسخ وشه، وهمس في أذن ماجد بصوت مرعوب: “يا باشا ننسحب… المكان هنا لغم.”
ماجد بص حواليه وشاف المحاصرة الشديدة، وبعدين بص لعز الدين بكره مفيش بعده، وقال وهو بيصر على أسنانه:
“مش هنساهالك يا مغربي… والحساب بيننا يطول.”
عز الدين ابتسم ببرود، وقال وهو بيلف ضهره بلامبالاة:
“سلملي على أبوها… وقوله البضاعة اللي رميتوها، بقت في حماية المغربي.”
ركب ماجد ورجالته العربيات، وأخدوا يو-تيرن وغادروا الشارع بسرعة جنونية وكأنهم بيهربوا من جحيم.
أنا فوق نزلت على الأرض وسندت ضهري على الحيطة وأنا بأخد نفسي بصعوبة… الدموع كانت نازلة من عيني، بس المرة دي مكانتش دموع خوف. كانت دموع راحة.
بعد عشر دقايق، سمعت صوت خطوات تقيلة طالعة على السلم الحديد.
خبطتين هاديين على الباب.
فتحت… كان عز الدين واقف، شعره مشكوك خفيف من الهواء، وعينيه السمرا بصالي بهدوء.
“مش قولتلك ما تبصيش من الشباك؟” قالها بابتسامة خفيفة.
بصيت له بصوت مخنوق بالدموع: “إنت… إنت مشيتهم بجد؟”
عز الدين دخل الشقة وقفل الباب وراه ببطء، وقرب مني لحد ما بقى واقف قصادي بالظبط. مسك كف إيدي المرتعش بين إيديه الدافية، وقال بصوت واطي ومتقاطع:
“الشناوي انتهى يا ملك… مش بس من الشارع، الشركات والمخازن بتاعته ورقها كله تحت إيدي من الصبح وبكرة الصبح النيابة العامة هتفتح ملفاته. مش هتقصي شعرك تاني، ولا هتلبسي أفرول واسع، ولا هتعيشي باسم راجل مش موجود.”
دمعة نزلت من عيني، وعز الدين رفّع إيده وبصوابعه النظيفة مسحها ببطء شديد عن خدي.
“دلوقتي…” همس وهو بيبص في عيني بنظرة جديدة تماماً، “ملك عبدالسلام كملت الخمسة وعشرين سنة… وما حدش في الدنيا دي كلها هيقدر يجبرها على حاجة تاني.”