اتنكرت في زي ميكانيكي
انجي الخطيب
“كنت شاكك… والنهاردة لما حسام دخل، وعينيكي اتملت بالرعب ده، التأكيد جه.” ابتسم بتهكم خفيف وهو بيمشي ناحية الباب. “بس الصراحة؟ ما توقعتش إنك تكوني ملك عبدالسلام اللي الشناوي قالب مصر عليها بقاله سبع شهور ومطلع شائعة إنها سافرت بره.”
وقف عند الباب ولَفلي: “ارتاحي… بكرة الشناوي بنفسه هييجي الورشة، وأنا حابب أستقبله جداً.”
الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي الصاعقة. “ماجد الشناوي جاي هنا؟”
الدم اتجمد في عروقي، وحسيت الشقة بتلف بيا. مسكت في طرف الترابيزة عشان ما أقعش. الشناوي… الراجل اللي هربت منه ومن نفوذه ومن اللمسة اللي كانت بتسيب أثر على جسمي زي النار، هيبتعد عني بضع خطوات بس؟ بيني وبينه سقف خشب وسلالم حديد؟
عز الدين لاحظ رعشة إيدي. وقف مكان عنده على الباب، وعينيه المثبتة عليا كانت هادية بثبات يدوّخ.
“ماجد مش جاي عشانك يا ملك،” عز الدين قالها ببرود أشد من الثلج. “ماجد جاي عشان حسام رجع له وقال له إن عز الدين المغربي حط إيده في صدره وطرده من الورشة. والشناوي نفوذه مبني على الهيبة… لو سكت على اللي حصل النهاردة، كبره قدام رجالته هيتكسر.”
خطيت خطوة ناحيته، وصوتي كان بيترعش من كتر الخوف: “إنت مش فاهم… ماجد لو حس بس بنسبة واحد في المية إن أنا فوق، مش حيهمه لا ورشة ولا جيزة، هيقلب الدنيا وهيدخل برجالته ومش هيفرق معاه حد!”
عز الدين حط إيده في جيب بنطلونه، وقرب مني خطوتين ببطء. النظرة اللي في عينيه مكانتش نظرة راجل خايف، كانت نظرة صياد مستني الفريسة تدخل المصيدة برجليها.
“يبص… ويحاول،” همس عز الدين وصوته فيه نبرة تقيلة تخلي الشباك يتزحزح. “ماجد الشناوي فاكر إن الفلوس والنفوذ تخلي أي حد يوطي راسه. بس هو نسي إن فيه فرق بين الراجل اللي بيشتري الناس بفلوسه، والراجل اللي الناس بتمشي وراه بعزها. الورشة دي تحتها أربعين راجل بياكلوا عيش من خيري، والمنطقة دي كلها من أولها لآخرها ما بتتنفسش غير بإذني. الشناوي لو دخل بقلة أدبه… مش هيخرج منها غير وهو مكسور.”
بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب. السبع شهور اللي عشتهم في الرعب، الليل اللي كنت ببتديه بالبكاء وأنا بربط صدري بالرباط الضاغط عشان ميبانش، والخوف من كل عربية تقف قدام الورشة… كل ده كان بيتهز قدام الثقة المرعبة اللي بيتكلم بيها عز الدين.
“ليه؟” سألته تاني، والدموع جمعت في عيني. “ليه تد More دخل نفسك في حرب مش حربك؟ عشان كبرياء؟ عشان حسام دخل الورشة من غير ما يستأذن؟”
عز الدين بصلّي لثواني طويلة. عينيه نزلت على وشي المغسول، شعري المقصوص بعشوائية، والإرهاق اللي كان باين في كل خط على جبهتي. قرب أكتر، لدرجة إني حسيت بدفا أنفاسه.
“عشان السبع شهور اللي استحملتيهم يا ملك…” قالها بنبرة واطية جدًا، نبرة غريبة خلت قلبي يطرق بين أضلعي بشدة. “عشان البنت اللي تقص شعرها وتعيش في هباب الزيت وترقد على الأسمنت عشان تشتري حريتها وترفض تكون مجرد صفقة… ما ينفعش تتساب لوحدها لما الخطر يوصل لحد بابها.”
سكت لثانية، وبعدين أخد نفس هادي وكمل وهو بيلف ناحية الباب: “نامي ورتاحي. الباب ده مقفول بالمفتاح من جوه. وبكرة الضهر… لما تسمعي صوت عربيات ماجد الشناوي بره، ما تبصيش حتى من الشباك. سيبيلي اللعبة دي… وأنا هوريكي الشناوي ده حجمه الحقيقي إيه.”
خرج وساب الباب يتفل وراه ببطء.
قفلت الباب بالمفتاح، وضهرت عليه وأنا بنزل للأرض ببطء. حطيت إيدي على صدري اللي لأول مرة من سبع شهور بقى يتنفس بحرية من غير رباط ضاغط. الشقة كانت ساكتة، بس الشارع تحت بدأ يتملي بصوت خطوات ورجالة بتتحرك… رجالة عز الدين اللي بدأوا يقفوا على كل مدخل ومخرج للمنطقة.
الليلة دي ما عرفتش أنام.
فضل عينيا مفتوحة على السقف، وكل دقيقة بتعدي كانت بتقربني من الضهر. من اللحظة اللي هتقف فيها العربيات السودا قدام الورشة… ومن المواجهة اللي مش هتحدد بس مصيري، لكن هتحدد مصير ملك عبدالسلام للأبد.