ابني طمعان في بيتي
حكايات توتا
أتأكد إنك عمرك ما تحتاجي مني حاجة.
ضحكت لأول مرة من شهور.
وقلت
إنت غبي.
ضحك.
عارف.
سكتنا.
وبعدين قال
نادين مشيت.
أعرف.
إحنا انتهينا.
يمكن ده أحسن.
هز راسه.
أنا لسه مش عارف أسامح نفسي.
قلت
مش مطلوب تسامح نفسك بسرعة.
أمال؟
صلّح اللي تقدر تصلحه.
بصلي.
وأنتِ؟
أنا إيه؟
هتسامحيني؟
سكت.
بعدين قلت
أنا سامحت ابني.
دموعه نزلت.
قلت
بس مش هنسى الراجل اللي حاول ياخد بيتي.
قال
فاهم.
قرب.
وحضنني.
المرة دي أنا ما بعدتوش.
لأن في فرق بين إنك تسامح حد…
وبين إنك تسمح له يكرر نفس الغلطة.
أنا سامحت ابني.
لكن البيت فضل باسمي.
والكالونات فضلت متغيرة.
مش عشان أنا شكاكة.
ولا عشان خرفت.
ولا عشان بقيت قاسية.
لكن عشان اتعلمت درس متأخر
إن الثقة مش معناها إنك تدي حد مفتاح كل حاجة عندك.
وإن الحب مش معناه إنك تفتح الباب مهما حصل.
وإن أقرب الناس ليك…
ممكن في لحظة ضعف ينسى أنت عملت عشانه إيه.
لكن ده مش معناه إنك لازم تنسى نفسك عشانه.
بعد كام شهر، جبت نجار يصلح الترابيزة القديمة.
نفس الترابيزة اللي نادين رمتها.
نفس الترابيزة اللي محمود كان بيحب يقعد عليها.
ولما خلص، حطيتها في مكانها القديم.
وفوقها حطيت صورة محمود.
وصورة كريم وهو صغير.
وصورة ليا أنا ومحمود.
وتحت الصور حطيت مفتاح البيت.
المفتاح القديم.
اللي كان كريم فاكر إنه مفتاح البيت كله.
لكن الحقيقة…
كان مجرد مفتاح لباب.
أما البيت الحقيقي…
فكان دايمًا جوايا.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة بشرب قهوتي، سمعت صوت كريم من الصالة
ماما؟
رديت
أيوه؟
هو حمدي بعتلك؟
ليه؟
في جواب وصل.
قلبي دق.
جواب من حمدي؟
أيوه.
أخدته.
كان ظرف صغير.
فتحته.
كان مكتوب
أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة.
وتحتها
بس في حاجة أخيرة لازم تعرفيها.
كملت القراءة.
محمود ما ماتش يوم ما إحنا قلنا.
إيدي تجمدت.
كملت.
اللي مات في اليوم ده كان شخص تاني.
رفعت عيني.
كريم كان واقف قدامي.
قلت
كريم…
قال
إيه؟
مديت له الجواب.
قرأ.
وشه اتغير.
وبصلي.
يعني إيه؟
أنا ماعرفتش أجاوب.
لكن تحت آخر سطر…
كان فيه عنوان.
عنوان قديم.
في مدينة تانية.
وتحته اسم
محمود عبدالسلام.
وتاريخ.
بعد تاريخ وفاته بثلاث سنين.
كريم رفع عينه.
ماما…
قلت
أبوك ممكن يكون عايش.
سكتنا.
وبصينا لبعض.
وبعدين…
رن جرس الباب.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
كريم اتحرك.
أنا مسكته من دراعه.
وقلت
استنى.
ليه؟
بصيت ناحية الباب.
نفس الباب اللي غيرت كالونه.
نفس الباب اللي اتضرب عليه بالشاكوش.
نفس الباب اللي شهد أول خيانة.
ونفس الباب اللي اتفتح بعد سنين عشان يرجع ابني.
وقلت
المرة دي… أنا اللي هفتح.
مشيت ناحية الباب.
حطيت إيدي على المقبض.
لفيته.
الباب اتفتح ببطء.
والراجل اللي كان واقف قدامي…
كان شعره أبيض.
وشه أكبر.
جسمه أضعف.
لكن عينيه…
عرفتهم فورًا.
رجعت خطوة.
وقلت
محمود؟
الراجل ابتسم.
وقال
وحشتيني.
وساعتها فهمت…
إن الحكاية اللي كنت فاكرة إنها انتهت يوم ما غيرت كالونات البيت…
كانت لسه بتبدأ.
الفصل السادس والأخير الباب اللي اتقفل أخيرًا
فضلت واقفة قدام الراجل ده يمكن عشر ثواني.
عشر ثواني بس…
لكن بالنسبالي كانوا ستة وعشرين سنة.
ستة وعشرين سنة من الانتظار.
ستة وعشرين سنة من الأسئلة.
ستة وعشرين سنة وأنا كل ما أفتكر آخر يوم شفته فيه، أفتكر المستشفى، وصوته الضعيف، وإيده وهي ماسكة إيدي، وهو بيقوللي
خلي بالك من كريم.
ساعتها كنت فاكرة إن دي وصيته الأخيرة.
لكن دلوقتي…
هو واقف قدامي.
عايش.
بيتكلّم.
وبيبتسم.
قلت بصوت مبحوح
إنت؟
قال
أيوه.
رجعت خطوة.
كريم كان ورايا.
قال
ماما… مين؟
مقدرتش أرد.
محمود بص لكريم.
ولأول مرة شاف ابنه بعد ستة وعشرين سنة.
قال
كريم؟
كريم قرب ببطء.
فضل باصص له.
وبعدين قال
إنت مين؟
محمود ابتسم ابتسامة موجوعة.
أنا محمود.
كريم ضحك.
بس ضحكة غريبة.
ضحكة واحد مش عارف يعيط ولا يصدق.
محمود مين؟
أبوك.
كريم رجع خطوة.
أبويا مات.
محمود قال
كنت فاكر كده.
كريم بصلي.
ماما؟
أنا كنت لسه مش قادرة أتكلم.
محمود دخل خطوة جوه البيت.
وقفل الباب وراه.
أول ما الباب اتقفل، حسيت إني رجعت بالزمن.
نفس البيت.
نفس الحيطان.
نفس الترابيزة.
نفس صورة محمود القديمة.
بس المرة دي…
الصورة بقت واقفة قدامنا.
محمود بص للصورة.
وقال
لسه محتفظه بيها.
قلت
إنت كنت فاكر إني هرميها؟
قال
لا.
وبعدين بصلي.
أنا كنت متأكد إنك هتفضلي مستنياني.
دموعي نزلت.
إنت كنت عايزني أستناك؟
سكت.
ستة وعشرين سنة يا محمود.
قال
عارف.
صرخت
لا، إنت ماتعرفش!
اتوتر.
قلت
إنت ما تعرفش أنا عشت إزاي.
كنت بتابعكم.
من بعيد؟
أيوه.
كنت بتشوف كريم وهو بيكبر؟
أيوه.
وأنا؟
سكت.
كنت بتشوفني وأنا بدفنه؟
محمود نزل عينه.
أيوه.
كنت بتشوفني وأنا بعيط؟
سكت.
كنت بتشوفني وأنا كل عيد أجيب هدومك وأحطها في الدولاب؟
صوته خرج ضعيف
أيوه.
ضربته على صدره.
مش ضربة قوية.
لكن كانت كل السنين اللي فاتت فيها.
إزاي قدرت؟
محمود ما دافعش عن نفسه.
قال
ماقدرتش.
وبعدين
أنا كنت بموت كل يوم.
قلت
بس كنت عايش.
أيوه.
وأنا كنت ميتة وأنا عايشة.
سكت.
كريم كان واقف بعيد.
قال
ممكن أفهم؟
محمود بص له.
حقك تعرف كل حاجة.
قعدنا.
أنا ومحمود قدام بعض.
كريم جنبنا.
ومحمود بدأ يحكي.
قال إن يوم الحادثة، كان فعلًا فيه ناس بتطارده.
الملف اللي كان مع يوسف كان فيه مستندات تثبت عمليات نصب واختلاس كبيرة.
لكن الموضوع ماكانش مجرد فلوس.
كان فيه ناس لهم نفوذ كبير، وكانوا مستعدين يعملوا أي حاجة عشان الملف يختفي.
محمود اكتشف إنهم قربوا من كريم.
وعرف إن الحل الوحيد هو إنهم يصدقوا إنه مات.
قال
كنت عارف إنهم لو عرفوا إني عايش، هيدوروا عليكم.
كريم سأله
طب ليه ماخدتناش معاك؟
محمود بصله.
عشان كنت صغير.
كنت ممكن آخد أمي.
محمود بصلي.
لو أخدتك، كانوا هيمسكوا الخيط.
كريم قال
وأنت؟
أنا بقيت الخيط.
سكت.
محمود كمل
حمدي ساعدني.
أنا بصيت له.
هو قتل شخص بدل منك؟
محمود هز راسه.
أيوه.
مين؟
راجل كان شبهّي.
كريم قال
وعشان كده التقرير قال إنك مت؟
أيوه.
وأنت؟
سافرت باسم تاني.
قلت
وسبتنا.
غصب عني.
لأ.
سكت.
دي كانت خيانة برضه.
محمود هز راسه.
عارف.
كريم قال
طب يوسف؟
محمود قال
يوسف كان جزء من الخطة.
وسامح؟
سامح ماكانش خائن.
كريم قال
ونادين؟
محمود سكت.
بصيت له.
قال
نادين كانت مجرد حلقة في سلسلة أكبر.
كريم سأل
يعني هي كانت متورطة؟
أيوه.
بس حبتني؟
محمود قال
ده سؤال أنت الوحيد اللي تقدر تجاوبه.
كريم سكت.
وبعدين قال
أنا مش عارف.
محمود بص له.
وده طبيعي.
بعدها أخرج محمود ظرف.
قال
ده كان آخر جزء من الحقيقة.
فتحه.
كان فيه ورقة واحدة.
قرأها كريم.
وبعدين رفع عينه.
إيه ده؟
محمود قال
تنازل.
تنازل عن إيه؟
عن كل حقوقي في البيت.
أنا بصيت له.
البيت أصلاً باسمي.
ابتسم.
دلوقتي.
وبعدين قال
أنا مش هرجع أعيش هنا.
اتصدمت.
ليه؟
عشان ده بيتك.
سكت.
إنت اللي حميتيه.
كريم قال
وأنا؟
محمود ابتسم.
إنت عندك اختيار.
اختيار إيه؟
إما تعيش بقية عمرك وأنت بتحاول تعوض كل اللي فات…
سكت.
أو تبدأ من جديد.
كريم نزل عينه.
قال
أنا عايز أبدأ من جديد.
محمود مد إيده.
كريم فضل باصص لها.
وبعدين مسكها.
أنا بصيت عليهم.
أب وابنه.
اتقابلوا لأول مرة بعد ستة وعشرين سنة.
لكن الغريب…
إن أنا ماحستش بالفرحة اللي كنت متخيلها.
حسيت بحزن.
لأن السنين اللي ضاعت ما بترجعش.
حتى لو الشخص رجع.
حتى لو الحقيقة ظهرت.
حتى لو كل الأسرار اتكشفت.
في حاجات بتتصلح…
وحاجات بتفضل علامة.
بعدها بأيام، محمود سلم نفسه رسميًا للجهات المختصة.
كل المستندات اتقدمت.
والتحقيقات اتفتحت من جديد.
الناس اللي كانوا متورطين اتحاسبوا.
وحمدي شهد بالحقيقة كاملة.
أما أنا…
ففضلت في بيتي.
بيتي اللي كنت على وشك أخسره بسبب ابني.
الغريب إن كريم بقى ييجي كل أسبوع.
مش عشان يطلب حاجة.
مش عشان ياخد فلوس.
مش عشان يسأل عن الورث.
كان ييجي بس يقعد.
يشرب قهوة.
ويحكيلي عن شغله.
عن حياته.
عن حاجات صغيرة.
حاجات كنا زمان بنعتبرها عادية.
وفي يوم، قاللي
ماما؟
أيوه؟
أنا عايز أقولك حاجة.
قول.
أنا فاهم دلوقتي ليه قفلتي الباب في وشي.
ابتسمت.
وفاهم ليه غيرتي الكالونات؟
ضحك.
أيوه.
سكت.
بس في حاجة واحدة مش فاهمها.
إيه؟
إزاي قدرتي تسامحيني؟
بصيت له.
وقلت
ما سامحتكش مرة واحدة.
اتوتر.
قلت
أنا كل يوم كنت باختار إني أسامحك شوية.
ليه؟
عشان إنت ابني.
بس ده مش مبرر.
لا.
هزيت راسي.
مش مبرر.
وبعدين
بس سبب.
سكت.
وبصلي.
وأنا كنت محتاجة سبب عشان ما أخسركش.
دموعه نزلت.
وقام حضني.
المرة دي حضنته من غير خوف.
من غير حذر.
لكن كان فيه حدود.
حدود اتعلمناها كلنا بالطريقة الصعبة.
بعد شهور، نادين بعتتلي رسالة.
كانت قصيرة.
بتقول إنها ندمانة.
وإنها مش بتطلب السماح.
بس كانت عايزة تقول إنها فهمت متأخر إن الطمع بيخلي الإنسان يشوف الناس اللي بيحبهم كأنهم فرص.
أنا قريت الرسالة.
وقفلته.
ما رديتش.
مش كل اعتذار لازم يترد عليه.
ومش كل باب لازم يتفتح تاني.
أما محمود…
فكان بيروح وييجي.
أوقات يقعد مع كريم.
وأوقات ييجي يقعد معايا.
في الأول كان وجوده غريب.
كنت ببص له وأفتكر كل السنين اللي ضاعت.
لكن مع الوقت…
بدأت أشوف الراجل اللي كان جوزي.
مش الأسطورة.
مش الميت اللي كنت عاملاله صورة في دماغي.
راجل غلط.
وخاف.
وهرب.
وحاول يصلح.
وفي يوم سألته
لو الزمن رجع، كنت هتعمل نفس اللي عملته؟
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
لأ.
ليه؟
لأني دلوقتي عرفت إن الحماية من غير الحقيقة ممكن تبقى نوع من الأذى.
بصيت له.
دي أول حاجة صح تقولها من ستة وعشرين سنة.
ضحك.
وضربنا ضحكة صغيرة.
يمكن كانت أول ضحكة حقيقية بينا من يوم رجع.
بعدها بأسبوع، قررت أبيع البيت.
كريم اتصدم.
تبيعيه؟
قلت
أيوه.
ليه؟
عشان البيت ده شال أسرار أكتر مما شال ناس.
محمود قال
أنا موافق.
كريم قال
بس ده بيت طفولتي.
بصيت له.
وعشان كده لازم تسيبه.
ليه؟
عشان ما تعيشش طول عمرك جوه ماضيك.
اتباع البيت.
اشتريت شقة صغيرة.
مش كبيرة.
مش فخمة.
لكن هادية.
وفي أول يوم نقلت فيه حاجتي، أخدت معايا الترابيزة القديمة.
وصورة محمود.
وصورة كريم وهو صغير.
وحطيتهم في الصالة.
لكن مفتاح البيت القديم…
ماخدتوش.
سيبته.
على الترابيزة.
قبل ما أمشي، وقفت قدام الباب.
لمست الكالون القديم.
وابتسمت.
افتكرت كريم وهو واقف بالشاكوش.
افتكرت نادين وهي بتزعق.
افتكرت حمدي.
يوسف.
سامح.
محمود.
كل الأسرار.
كل الخوف.
كل الدموع.
وبعدين قفلت الباب.
لأول مرة…
من غير ما أحس إني خايفة.
مشيت.
ركبت العربية.
ومشيت.
بعد حوالي شهر، كريم جه يزورني.
دخل وهو شايل كيس أكل.
قال
جبتلك الحاجة اللي بتحبيها.
قلت
كنت عارفة إنك هتنسى الشوربة.
طلعها من الكيس.
لأ، جبتها.
ضحكت.
قعدنا ناكل.
وفجأة قال
ماما.
نعم؟
فاكرة يوم الشاكوش؟
ضحكت.
إزاي أنساه؟
قال
أنا كنت غبي.
كنت.
بس اتعلمت.
بصيت له.
إيه اللي اتعلمته؟
فكر شوية.
وبعدين قال
إن البيت مش حيطان.
سكت.
وإن الأم مش ضمان.
وبعدين ابتسم.
وإن المفتاح مش معناه إن الباب حقك.
بصيت له.
وقلت
أهو كده بقيت فاهم.
قام.
حضنني.
وقبل ما يمشي، وقف عند الباب.
وقال
ماما؟
أيوه؟
ممكن المفتاح؟
قلبي اتقبض لحظة.
بعدين ضحكت.
مفتاح إيه؟
طلع إيده.
مفتاح الشقة.
بصيت له.
وقلت
لأ.
ضحك.
كنت بجربك.
قلت
وأنا كمان.
قفل الباب وراه.
وقفت لوحدي.
بصيت على المفتاح اللي معلق جنب الباب.
المرة دي…
ماكانش معناه ملكية.
ولا سلطة.
ولا خوف.
كان مجرد مفتاح.
مفتاح لباب.
والباب…
أنا اللي أحدد إمتى أفتحه.
وإمتى أقفله.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أكتر حاجة اتعلمتها من اللي حصل، بقول نفس الجملة
أصعب حاجة مش إنك تعرف مين خانك… أصعب حاجة إنك تعرف إمتى تسامح، وإمتى تقفل الباب وتمشي.
وأنا…
قفلته.
ومشيت.
لكن المرة دي…
مش هروب.
دي كانت أول مرة في حياتي…
أختار نفسي.