زعيم المافيا
حكايات بسمه
بصيت لها بحدة:
— مين الأطفال دول؟
عينيها اتمَلَت دموع.
— أحمد…
قربت منها خطوة.
— مين… الأطفال… دول؟
أصغر واحد فيهم مد إيده جوه شنطته الصغيرة.
هناء لفت بسرعة.
— لأ يا آدم!
لكن كان فات الأوان.
الولد طلع صورة قديمة.
حسيت صدري اتقبض.
كانت سلمى.
مراتي اللي ماتت.
كانت بتضحك للكاميرا.
وجنبها…
كانت هناء.
بصيت للصورة أكتر.
وتحتها كان فيه كلام مكتوب بخط سلمى:
«احميهم من أحمد.»
رفعت عيني ببطء ناحية هناء.
وبعدين بصيت للأطفال الأربعة.
كانت بتعيط دلوقتي.
وقالت بصوت مكسور:
— أحمد… سلمى خلتني أوعدها إنك عمرك ما تعرف إنهم موجودين.
ماقدرتش أتحرك.
— ليه؟
هناء بصت ناحية الشبابيك.
وفجأة ملامحها اتغيرت.
خوف.
بس مش خوف مني.
خوف من حاجة بره البيت.
جريت ناحية الأطفال ولمتهم حواليها.
وبصوت مرتعش قالت:
— لأنها ماكنتش بتحميهم منك…
إيدي اتحركت ناحية الجاكيت.
— أومال كانت بتحميهم من مين؟
قبل ما هناء تقدر ترد…
صوت واحد من الحرس جه من تحت:
— يا باشا!
هناء غمضت عينيها.
وفي نفس اللحظة، وصلني صوت العربية وهي بتقف قدام البوابة.
تلات عربيات SUV سودا…
دخلوا قدام البيت.
رفعت عيني ناحية هناء.
وشفت الرعب الحقيقي في وشها.
همست:
— لقوهم…
اتجمدت مكاني.
— مين اللي لقاهم؟
هناء بصت للأطفال الأربعة، وبعدها بصت لي.
وقالت بصوت خافت خلّى الدم يتجمد في عروقي:
— الناس اللي سلمى كانت خايفة منهم من خمس سنين… وصلوا لحد هنا.
حكايات بسمة
لمحة نيوز
السكوت اللي ساد الصالة كان أشد وأصعب من صوت انفجار.
العربيات السودا المفيّمة برة كانت واقفة والمواتير بتزن صوت واطي، النور العالي بتاعهم ضرب في القزاز العالي للفيلا ورسم خيالات طويلة ومرعبة على الحيطان.
أنا واقف في نص السفرة، إيدي تحت الجاكيت ماسكة قبض الخشب الباردة لخطيبي الـ 9 ملم. عينيا بتتنقل بين الأطفال الأربعة اللي انكمشوا ورا ظهر هناء، وبين الست اللي بقالها 11 سنة بتخدم في بيتي، وبتحفظ سر يسوى حياتي كلها.
— «هناء..» صوتي خرج واطي، بس حاد زي الموس: «انزلي بالعيال دي فوراً على المخبأ اللي تحت المطبخ. اقفلي الباب الصفح من جوة، وما تفتحيش حتى لو سمعتي صوت جثتي بتقع برة!»
هناء كانت بتترعش، بس لمّت الأربعة في حضنها زي الفرخة اللي بتحمي كتاكيتها تحت جناحها. الولد الصغير — آدم — بصلي بعيون واسعة نفس لون عيني بالظبط، وعاطاني الصورة القديمة اللي في إيده قبل ما هناء تسحبه.
— «عمو..» آدم قالها بنبرة طفولية بريئة: «ماما سلمى قالتلي إنك لما تشوف الصورة دي.. هتحمينا.»
الكلمة نزلت على قلبي زي الجمرة.
سلمى.. مراتي الله يرحمها.. اللي كنت فاكر إنها ماتت في حادثة عربية عادية من 5 سنين. سلمى اللي عشت أحزن عليها وأحرق الأخضر واليابس في السوق عشان أنسى وجع فراقها.. اتاريها سابتلي أربع نسخ منها ومني، وكانت خايفة عليهم.. مش مني.. من عالمي القذر.
هناء سحبتهم وجريت ناحية المطبخ، وصوت خطواتهم الصغيرة اختفى تحت الأرض.
في نفس اللحظة، باب الفيلا الخارجي بيتكسر بصوت هبدة هزت الأركان!
رجالة بالحمالات السودا والأقنعة دخلوا الصالة، وبسرعة احترافية انتشروا في الزوايا، ومصوبين الرشاشات الأوتوماتيكية عليا. وفي النص.. خرج راجل طويل، لابس بدلة رمادي وأنيقة، وبيمشي بعصاية أبنوس سنها حديد.
أول ما شفت وشه.. الدم غلى في عروقي.
— «منصور الجبالي..» قلتها وأنا ثابت في مكاني، وإيدي لسه جوة الجاكيت.
منصور الجبالي.. كبيـر السوق القديم، اللي كان فاكر إنه تقاعد من شغل المافيا والسلاح من سنين. الراجل اللي كنت بكنّ له احترام وكأنه أبا روحيا ليا في بداية طريقي.
منصور ابتسم ابتسامة هادية، وقف بعصايته في نص الصالة، وبص حوالين السفرة والأطباق الأربعة اللي لسه دافية:
— «أهلاً يا أحمد.. كبرت وبقيت معلم، وبقيت ترجع بيتك في غير ميعادك كمان. طفولتك الشقية دي هي اللي بوظت خطتي النهاردة.»
— «خطتك إيه يا منصور؟» سألته بنبرة متجمدة: «داخل بيتي بسلاحك وناسك؟ فاكر نفسك بتتعامل مع مين؟ أنا أحمد المنشاوي.. لو رفعت صباعك، رجالتي في الشارع هيقلبوها مقتلة!»
منصور ضحك بصوت مكتوم، وصوت ضحكته كان مليان خباثة:
— «رجالتاك اللي برة؟ قصدك الحراسة اللي عند البوابة؟ دول بيشربوا شاي دلوقتي يا أحمد.. متبنجين. أنا مش جاي أقتلك يا ابن المنشاوي.. أنا جاي أخد أمانتي اللي سلمى مخبياها عندك بقالها 5 سنين.»
أنا اتسمرت مكاني.
— «أمانة إيه؟»
منصور قرب خطوة، وصوت عصايته على الرخام كان بيعمل رنين يخوف:
— «سلمى مراتك.. الله يرحمها.. ماكانتش مجرد ست بيت طيبة يا أحمد. سلمى كانت بنت الشريك القديم بتاعي، الراجل اللي اختلف معايا على شحنة الألماس والأسهم الاستثمارية بتاعة العيلة. قبل ما يموت، كتب الشفرة الحسابية للحسابات الأوفشور باسم أولاده.. ولما سلمى اتجوزتك، فاقت إنها لو خلف منك، الفلوس والشفرة هتوصلك إنت.. وإنت لو مسكت الفلوس دي، كنت هتنهي إمبراطوريتي في السوق وتغسل أيديك من شغل المافيا خالص!»
عقلي بدأ يجمع الخيوط بسرعة الصاروخ.
— «عشان كده.. لما حملت في التوأم الأربعة.. إنت حاولت تقتلها؟»
— «أنا ما حاولت أقتلها بس..» منصور قالها بمنتهى البرود: «أنا دبرت الحادثة! بس سلمى كانت أذكى مني ومنك.. زوّرت شهادة وفاتها بمساعدة هناء وبعض الأطباء، واستخبت في المزرعة القديمة في الساحل لحد ما ولدت الأربعة، ولما حسّت إنها بتموت من مضاعفات الولادة، أمنت هناء على الأطفال وعالدفاتر اللي معاهم.. وقالت لها تخفيهم عنك وعني.. لحد ما يكملوا 5 سنين ويكبروا!»
— «ليه؟» صرخت فيه والشرار بيطلع من عيني: «ليه تخفيهم عني أنا أبوهـم؟!»
— «عشان كانت عارفة إنك لو عرفت بوجودهم وأنا لسه عايش.. كنت هتستخدمهم طُعم في حربك معايا! أو كنت هتدخلهم عالم المافيا والسلاح اللي إنت عايش فيه! كانت عايزاهم يتربوا بعيد عن الدم.. بس سوء حظك يا أحمد.. إن أنا لقيت طريق هناء الأسبوع اللي فات، وعرفت إنها بتنيّمهم هنا في بيتك في السر لما تكون إنت مسافر!»
منصور رفع عصايته وأشار لرجاله:
— «هاتوا العيال من المخبأ اللي تحت المطبخ.. الشفرة مكتوبة في السلاسل اللي في رقبتهم، والعيال دول يساووا 400 مليون دولار!»
رجالة منصور بدأوا يتحركوا ناحية المطبخ.
في اللحظة دي.. كل الهدوء والبرود اللي كنت معيش نفسي فيه سينين اتنسحبت. الوحش اللي جواه أحمد المنشاوي، الوحش اللي بسببه الدكاترة والتجار في القاهرة بيترعشوا لما يسمعوا اسمي.. صحي من النوم.
— «محدش يلمس عيالي!»
في أقل من ثانية، سحبت المسدس من تحت الجاكيت، وطبشة واحدة على الزناد جابت الراجل اللي كان رايح ناحية المطبخ في دماغه!
الصالة تحولت لساحة حرب!
الرصاص كان بيطير في كل مكان، والرخام والأنتيكات الغالية بتتكسر وتتحول لتراب. أنا رميت نفسي ورا السفرة الخشب الثقيلة. السفرة اللي مراتي ماتت ومن ساعتها محدش قعد عليها.. بقت هي الحماية الوحيدة ليا ولأولادي!
طلعت المسدس التاني من ضهري. بضرب بنشين وثبات، كل طلقة بتطلع مني بتجيب راجل من رجالة منصور.
— «أحمد!» منصور كان بيزعق من ورا العامود الرخام: «مش هتقدر تطلع حاي! الشقة محاصرة!»
— «أنا مش هطلع حاي يا منصور..» صرخت فيه وأنا بغير الخزنة بسرعة احترافية: «أنا هطلع ميت، بس هاخدك معايا للجهنم!»
سمعت صوت عربيات ثانية بتهجم على الفيلا من برة.. بس المرة دي، صوت الضرب كان مختلف. صوت الرشاشات الثقيلة بتاعة فرقتي الخاصة!
الحراسة بتاعتي اللي في المقر الرئيسي.. هناء كانت سحبت الموبايل وكلمتهم أول ما نزلت المخبأ!
الباب الخارجي اتنسف بالكامل، ورجالتي دخلوا زي السيل المالي، والاشتباك بقى من كل الناحيات. رجالة منصور بدأوا يقعوا واحد ورا التاني، وهو بدأ يرجع لورا بخوف ورعب، بيحاول يهرب من الباب الخلفي.
أن جنيت! جريت وراه وسط الرصاص، مش شايف قدامي غير الراجل اللي حرم مراتي من الحياة، وكان عايز يحرم أولادي من طفولتهم.
مسكته عند السلم الخلفي، ضربته بدبشك المسدس في وشه، فالعصاية طارت من إيده ووقع على الأرض وبيحبي لورا، الدم نازل من مناخيره وبقه.
— «أحمد.. استنى يا أحمد!» منصور كان بيلعق دمه وبيصرخ ورجليه بتترعش: «نتفاهم! الفلوس نصين! 200 مليون دولار ليك و200 ليا! سيب العيال يعيشوا هاديين وأنا أوعدك أختفي خالص!»
قربت منه ببطء، حطيت جزمة نص جزمتي على صدره، وثبت سن المسدس بين عينيه بالظبط.
— «سلمى ماتت وهي خايفة عليهم منك..» قلتها بصوت هادي جداً، صوت يخوف أكتر من الزعاق: «وأنا عشت 5 سنين فاكر إني لوحدي في الدنيا دي.. النهاردة إنت عرفتني إن ليا عيلة.. والعيلة دي مش هيدخلها خائن ولا قاتل.»
— «أحمد.. أرجوك—»
طخ!
الطلقة خرجت، والهدوء نزل على الفيلا مرة واحدة.
بعد ساعتين..
الشرطة والرجال بتوعي كانوا بينضفوا المكان ويأمنوا المنطقة. أنا كنت قاعد على درجات السلم الرخام في الصالة، التيشرت بتاعي مليان دم وتراب، ومسدسي المفرغ محطوط جنبي.
هناء خرجت ببطء من المطبخ، ومسك إيدين الأطفال الأربعة.
الأطفال كانوا خايفين من الدوشة، بس أول ما شافوني قاعد، الأربعة وقفت خطواتهم.
أنا بصيت لهم.. دموعي اللي ما نزلتش من يوم وفاة سلمى، نزلت دلوقتي وبغزارة. حطيت إيديا الاثنين على وشي وبكيت بصوت مكتوم.
وفجأة.. حسيت بلمسات صغيرة على كتافي وركبتي.
فتحت عيني.. لقيت الأربعة واقفين حواليا.
آدم قرب ومسح الدمعة من على خدي بإيده الصغيرة:
— «عمو.. متعيطش. طنط هناء قالت إن الراجل الشراني مشي خلاص.»
واحد تاني منهم — كان شبهي لما كنت ببتسم — قال بصوت واطي:
— «إنت بابا.. صح؟»
الكلمة دي.. «بابا».. نزلت على قلبي غسلت كل القذارة والدم والمافيا اللي عشت فيها 20 سنة.
شلتهم الأربعة في حضني مرة واحدة، ضمتهم لصدري وأنا بتنفس ريحتهم اللي كانت فيها ريحة سلمى.
هناء قربت وقفت جنبي، والدموع في عينيها:
— «أنا آسفة يا أحمد.. أنا نفذت وصية سلمى. كانت خايفة عليهم من العالم ده.»
رفعت رأسي لبصيت لهناء، وقلت بثبات:
— «العالم ده انتهى النهاردة يا هناء.. من بكرة، أحمد المنشاوي ملهوش دعوة بأسلحة ولا مافيا. كل الشركات والأموال دي هتتحول لأعمال شرعية باسم الأربعة دول.»
بصيت لأولادي الأربعة اللي مسكوا في رقبتي بكل قوتهم، وابتسمت لأول مرة من 5 سنين:
— «من النهاردة.. مافيش خوف. أنا بابا.. ومحدش في الدنيا يقدر يمسكم وأنا حي.»
ومن اليوم ده، قفلت صفحة المافيا للأبد، وبعت البيت اللي مليان ذكريات دم، واشتريت مزرعة واسعة في مكان هادي، كبرت فيها أولادي الأربعة، وعشت معاهم اللي فاضلي من عمري، حارس لذكراها وأب حقيقي لنسخنا الأربعة!
تمت