لما عايرته بمرتبه ج٢ منى السيد
**الفصل الثالث والأخير**
الكلمات طلعت من سماعة التليفون زي ضربة الساطور على دماغي.. “مصطفى في العناية المركزة.. في غيبوبة!”
ما حسيتش بنفسي وأنا بصرخ، صرخة طلعت من جواه ندم وجنون وخوف، هزت أركان البيت كله. أمي جرت عليا وهي مرعوبة:
* “في إيه يا منى؟! في إيه يا بنتي استغفري الله! مين اللي كان بيكلمك؟!”
رميت الموبايل على السرير وأنا بجري زي المجنونة بلم في طرحتي وأي حاجة ألبسها في رجلي:
* “مصطفى يا أمي! مصطفى بين الحياة والموت.. عمل حادثة كبيرة وهو في العناية! أنا لازم أروحله دلوقتي.. لازم ألحقه!”
أمي صرخت ولطمت على صدرها:
* “يا مري! حادثة إيه؟! مستشفى إيه يا بنتي فهميني؟!”
أخذت الموبايل بالعافية وسألت خالته عن اسم المستشفى، وطار عقلنا إحنا الاثنين. أختي وأمي لبسوا في ثواني ونزلنا بنجري على السباك تحت العمارة. الطريق للمستشفى اللي في التجمع كان أطول طريق مشيته في حياتي. كنت قاعدة في العربية ورا، باصة من الشباك للشارع والدموع مغرقة وشي، وإيدي بتترعش بشكل مش قادرة أتحكم فيه.
كنت بدعي ربنا بقلب مكسور، دعاء عمري ما دعيته قبل كده: *”يا رب خذ من عمري وزود في عمره.. يا رب ما تحرمنيش منه وأنا بالصورة دي في نظره.. يا رب اديني فرصة واحدة بس أقوله إن حياتي ملهاش قيمة من غيره.. يا رب ما تجعلش آخر كلمة سمعها مني هي كلمة تكبر وقسوة!”*
أول ما وصلنا المستشفى، الرائحة بتاعة المعقمات والمطهرات خنقتني. أجواء المستشفيات دايماً بتقلل من حجم بني آدم، بتعرفه قد إيه هو ضعيف وهش، قد إيه الفلوس والسيارات والمرتبات العالية دي ولا ليها أي قيمة لما الروح تبقى متعلقة بخيط رفيع.
جرينا على الدور الثاني، قسم العناية المركزة.
من بعيد، شفت عيلته كلها واقفة.. أمه قاعدة على كرسي متحرك وبتعيط بانهيار، وأخته سارة حاضناها وبتبكي، وعمامه واقفين بره وشوشهم سوداء من الهم.
أول ما سارة شافتني، قامت وقفت. كنت فاكرة إنها هتبطش فيا أو تطردني، بس لما قربت منها وشافت المنظر اللي أنا فيه.. شبح إنسانة منهارة ومتدمرة، نظرة الغضب اللي في عينها تحولت لشفقة ومواساة.
قربت مني ومسكت إيدي، وقالتلي بصوت مهدود:
* “منى.. كويس إنك جيتي.”
قلتلها وأنا بنهج والدموع مخلياني مش شايفها كويس:
* “سارة.. مصطفى جراله إيه؟! قوليلي الحقيقة أرجوكي! الدكتور قال إيه؟!”
سارة بصت للباب الزجاجي بتاعة العناية وقالتلي بصوت متقطع:
* “كان راجع من السخنة بعد ما خلص معاينة لموقع جديد تتابع للشركة.. عربية نقل مقطورة خبطت عربية الشغل من الجنب. العربيات اتقلبت.. زميله اللي كان يسوق طلعت منه إصابات خفيفة، بس مصطفى الصدمة كلها كانت في ناحيته. عنده كسر في الضلوع، ونزيف داخلي اتلحق، بس الخبطة في الرأس كانت شديدة.. وهو دلوقتي على أجهزة التنفس، والدكاترة مستنيين النزيف اللي على المخ يقل عشان يعرفوا حجم الضرر.”
بقيت واقفة قدام الباب الزجاجي الكبير، وبصيت من الفتحة الصغيرة..
شفت مصطفى.. الراجل اللي كان من يومين طالع من الاجتماع ببدلته الكحلي الشيك، واثق في نفسه ومالي هدومه.. ممدد دلوقتي على سرير أبيض سرد، الأجهزة محاوطاه من كل ناحية، خرطوم الأوكسجين مغطي نصف وشه، والشاش ملفوف على رأسه، وشاشات ضربات القلب بتطلع صوت منتظم ومخيف في نفس الوقت: *بييييب.. بييييب..*
نزلت على الأرض قدام باب العناية. القوة والغرور والثقة اللي كنت بتكلم بيهم من أسبوع اتدمروا تماماً. حسيت إني نملة صغيرة في الكون.. قعدت على السباك البارد وضمت ركبي لصدري وبكيت بكل جوارحي.
أم مصطفى قربت مني بالكرسي، وحطت إيدها الدافية على رأسي. رفعت رأسي بصيتلها بكسوف وخجل، كنت خايفة تقوللي إنتي السبب.. إنتي اللي نكدتي عليه وجبتيله العصبية والتشتيت.. بس هي مسحت على شعري وقالت بصوت حنون مكسور:
* “ادعيله يا منى.. ادعيله يا بنتي. مصطفى بيحبك.. والله كان بيحبك وشاريكي، وكان بيعافر في الدنيا دي كلها عشان يعملك كل اللي نفسك فيه. هو بس عزّة نفسه كانت عزيزة عليه شويه.. ادعيله يقوم بالسلامة، ومش عايزين حاجة من الدنيا دي غير إنه يفتحلنا عينه تاني.”
الكلام ده كان زي المية المغلية اللي بتتنزل على جرحي. يا الله على طيبة الناس دي! أنا اللي قللت منه، وأمه في قمة محنتها بتطبطب عليا وتفكرني بحبه ليا!
مرت الساعات بطيئة جداً.. الليل جه والنهار طلع، وأنا مارضيتش أتحرك من قدام باب العناية. أمي وأختي حاولوا ياخدوني البيت عشان يرتاح جسمي، بس رفضت بصرامة. قعدت على كرسي الانتظار، كل ما أغمض عيني أفتكر كل موقف بيننا..
أفتكر يوم ما اتخرجت، لما جالي الورشة ببوكيه ورد بسيط ومكنش معاه حق ورد غالي، بس جابه بأحلى ابتسامة وقالي: *”عقبال ما أشوفك أكبر مهندسة في الدنيا.”*
أفتكر لما كنا بنقعد في الكافيهات البسيطة ونشرب شاي، ويقعد يرسم لي على المنديل شكل شقتنا المستقبيلة ويوعدني إنه هيعملي مطبخ مودرن زي ما بحب..
أفتكر إني في زحمة الماديات والحسابات والأرقام، نسيت الأهم.. نسيت المعدن. نسيت إن الفلوس بتروح وتيجي في ثانية، بس الراجل الأصيل اللي بيحب بجد وبيحمي بقلبه ده عملة نادرة مابترجعش لو ضاعت.
على الضهر في اليوم الثاني، الدكتور خرج من العناية وهو بيقلع الجوانتي.
جرينا كلنا عليه زي المجانين:
* “خير يا دكتور؟! طمنا أرجوك!”
الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة، والتعب باين على وشه:
* “الحمد لله.. بفضل الله أولاً ودعواتكم، النزيف وقف تماماً بدون التدخل الجراحي اللي كنا خايفين منه. الضغط بدأ يستقر، والوظائف الحيوية رجعت لمعدلها الطبيعي. إحنا بدأنا نقلل المخدر، ومتوقع إنه يبدأ يسترد وعيه خلال الساعات الجاية.”
أم مصطفى سجدت على الأرض في الصالة وبتعيط وبتحمد ربنا، وأنا أخذت نفس عميق حطيت إيدي على قلبي وحسيت إن الروح ردت فيا من جديد.
بعد ساعتين، الممرضة خرجت وقالت:
* “المريض بدأ يفتح عينه وبيحرك صوابعه.. ممكن حد واحد بس يدخل يبص عليه دقيقة واحدة من غير ما يتعبه.”
أم مصطفى بصتلي وقالتلي:
* “دخلي يا منى.. ادخلي إنتي يا بنتي.”
بصيتلها بذهول:
* “أنا يا طنط؟! بس حضرتك أمه.. إنتي الأولى!”
ردت بحكمة وابتسامة دافية:
* “أنا أمه وعارفة إنه لما يفتح عينه، هيكون محتاج يشوف إن الدنيا لسه فيها أمل.. أدخليلي يا منى، بس بلاش ضغط عليه.”
لبست العباءة الزرقاء المعقمة، وغطيت شعري، وحطيت الكمامة، ودخلت بخطوات مرعوبة.
صوت الأجهزة كان عالي.. قربت من السرير ببطء.
مصطفى كان ممدد، عينيه كانت مفتوحة نص فتحة، بيبص للسقف ببطء وتعب.
قربت منه، ووقفت جنبه. بصلي.. عينيه طافت في وشي لثواني كأنه بيحاول يتجمع أنا مين أو هو فين.
شلت الكمامة ببطء عشان يشوف وشي..
أول ما عرفني، عينيه أتحركت بصعوبة، وشفتاه اترعشت تحت خرطوم الأوكسجين.
ما قدرتش أتمالك نفسي.. مسكت إيده اللي كانت باردة ومربوط فيها الكانيولا، وحطيتها على وشي وبكيت بالراحة خالص عشان ما أزعجهوش:
* “مصطفى.. حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. حمد الله على سلامتك يا كل حاجة ليا.”
بصلي بنظرة تعبانة، وصوته طلع مبحوح جداً، طالع بصعوبة من زوره:
* “منى..؟”
قلتله وأنا ببوس إيده ودموعي بتنزل عليها:
* “أنا هنا يا مصطفى.. أنا جنبك ومش همشي خالص.. سامحني يا مصطفى.. سامحني يا أجدع وأرجل بني آدم شفته في حياتي. أنا كنت كورة غرور وغباء، والضربة دي أثبتتلي إن الدنيا دي ولا تسوى حاجة من غيرك.”
مصطفى غمض عينه ببطء، وأخد نفس عميق.. وبعدين فتح عينه تاني وبصلي..
المرة دي ما كانتش في عينيه نظرة الجمود أو القسوة اللي شفتها في الرووف بتاع الشركة.. كانت فيها نظرة عتاب هادي، ووجع سحبت منه الحادثة كل قسوة.
ضغط على صوابع إيدي بضعف شديد.. ضغطة صغيرة جداً، بس كانت بالنسبة ليا بالدنيا وما فيها.
قال بصوت واطي خالص:
* “إنتي.. جيتي ليه؟”
قلتله بنبرة صادقة طلعت من جوه قلبي:
* “جيت عشان عرفت إن الحياة من غيرك مالهاش طعم ولا قيمة.. جيت عشان أقولك إن الـ 30 ألف والـ 10 آلاف والشركات والعربيات والفلوس دي كلها تراب تحت رجلك.. جيت أقولك إني مستعدة أعيش معاك في أوضة وصالة ونأكل عيش وحاف، بس تكون معايا وبخير.. أنا مش عايزة غيرك يا مصطفى.. مش عايزة غير الراجل اللي أمنلي وحبني ووقف جنبي.”
مصطفى سكت شوية، وبص لسقف الأوضة، وبعدين رجع بصلي وقالي:
* “أنا مش زعلان منك دلوقتي يا منى.. أنا بس.. كنت خايف.”
قلتله بسرعة: “خايف من إيه يا حبيبي؟”
قاللي بصعوبة:
* “خايف أبقى عبء على حد.. خايف النظرة اللي شفتها في عينيكي تظهر تاني لما الحياة تضيق بينا.”
نزلت على ركبي جنب السرير، وبصيت في عينيه مباشرة وقلتله بثبات:
* “أنا بوعدك قدام ربنا، قدام الابتلاء اللي إحنا فيه ده.. النظرة دي اتدفنت للأبد. أنا اتعلمت الدرس بأقسى طريقة ممكنة يا مصطفى.. أنا عرفت إن القيمة في الإنسان مش في جيبه، القيمة في قلبه وأصله وأخلاقه.. وإنت أثبتلي إنك سيد الرجالة كلهم، لما قمت واشتغلت على نفسك وأثبت ذاتك في أيام قليلة، مش عشان الفلوس، عشان كرامتك.. وأنا مش عايزة أكمل عمري إلا مع راجل بكرامة مصطفى.”
الممرضة دخلت في اللحظة دي وقالت بصرامة خفيفة:
* “كفاية كده يا أنسة، المريض محتاج يرتاح والزيارة وقتها خلص.”
مصطفى بص للممرضة، وبعدين بصلي.. ومسك إيدي أسلوب أثبت شويه قالي:
* “ما تمشيش بعيد..”
دموع الفرحة نزلت من عيني، وابتسمت له بأمل لأول مرة من أيام:
* “مش همشي.. قاعدالك بره، ومش هتحرك غير وأنت طالع على رجلك معايا.”
مرت الأيام في المستشفى.. مصطفى بدأ يتعافى بسرعة بفضل الله. اتنقل من العناية لغرفة عادية بعد يومين.
خلال الأيام دي، ما سيبتوش لحظة. كنت أنا وأمه وأخته بنتناوب على خدمته.
كنت بأكله بإيدي، وبقعد جنبه أحكيله عن شغلي وأسمع منه عن أحلامه في شغل الاستشارات الجديد.
ما بقاش بيننا لغة “مرتبي ومرتبك”.. بقت اللغة الوحيدة هي “حياتنا ومستقبلنا”.
شفته وهو بيتكلم بحماس عن الشركة الجديدة، وعن الأفكار اللي هيقدمها، وعن الترقية اللي المودير وعده بيها أول ما يرجع بالسلامة.. شفت الراجل اللي كان جواه طموح جبار، بس كان محتاج اللي يثق فيه ويدعمه بإنصاف وحب، مش بقلة احترام واستعلاء.
بعد أسبوعين كاملين، مصطفى خرج من المستشفى ورجع بيته..
وكان لازم نقعد القعدة الحسمية.
في يوم الجمعة، جمعنا العيلتين في بيت مصطفى.. أمي وأختي، وأمه وأخته وعمامه.
كان مصطفى قاعد على الكنبة، لسه فيه بعض الجروح في وشه، بس عينيه كانت مليانة حياة وأمل.
عم مصطفى الكبير فتح الكلام وقال:
* “والله يا جماعة، إحنا مررنا بأيام صعيبة.. والحمد لله ربنا سلم وخرج مصطفى بالسلامة. دلوقتي إحنا عايزين نعرف رأسنا من رجلينا.. كتب الكتاب اللي اتأجل، نحدد معاده ولا إيه العمل؟”
الكل سكت، وعينين الناس كلها اتجهت لمصطفى وليا.
مصطفى بصلي بابتسامة هادية، وبعدين بص لعمه وقال بصوت واثق:
* “عمي.. أنا ومنى اتعلمنا كتير من اللي حصل. إحنا عرفنا قيمة بعض بجد.. وعرفنا إن البيت اللي بيتبني على أساس هش من الماديات أو الغرور ببيقع مع أول خضة.. إحنا حطينا نقطة وبدأنا السطر من جديد.”
قام وقف بصعوبة شوية، وقرب من أمي وباس رأسها وقالها:
* “يا طنط.. أنا طالب إيد منى تاني، بس المرة دي وأنا محمل بخبرة وأمل جديد.. مش هأوعدها بإني هكون أثرى رجل في العالم، بس بأوعدها وبأوعدكم إني هكون الراجل اللي يحميها، ويحترمها، وما يخليهاش تحتاج حاجة في الدنيا أبداً.”
أمي عيطت من الفرحة وقالتله:
* “إنت بني آدم أصيل يا مصطفى.. ومنى بنتي اتعلمت الدرس، وإحنا يشرفنا ونفتخر بيك يا ابني.”
مصطفى بصلي وقال بابتسامة فيها لمحة مزاح من بتاعة زمان:
* “بس فيه شرط واحد يا منى!”
قلتله بسرعة وأنا ببتسم:
* “شرط إيه؟ أنا موافقة على أي حاجة!”
ضحك قائلًا:
* “مرتبك الـ 30 ألف ده.. ماليش دعوة بيه خالص! تعملي بيه اللي إنتي عايزاه، تحطيه في البنك، تجيب بيه دهب، براحتك.. والمرتب بتاعي في شغلي الجديد، هو اللي هينفق على البيت ده بالقرش والمليم.. عشان البيت ده يتبني على أصول، والراجل يفضل راجل في بيته.”
الكل ضحك في القاعة، وشالت الفرحة المكان كله.
قلتله وأنا هيمانة وببصله بكل احترام وحب:
* “ومرتبي ومرتبك وحياتي وكل ما أملك.. تحت رجليك يا مصطفى. البيت ده مش هيتبني غير بيك وبوجودك سقف وقافز لينا.”
بعد شهرين بالتمام والكمال..
كانت القاعة مليانة بالنور والأغاني والبهجة.
كتب الكتاب اتعمل في جامع كبير في التجمع، وبعدها حفلة جميلة شيك جمعت كل حبايبنا.
كنت لابسة الفستان الأبيض المرة دي، ومصطفى واقف جنبي بالبدلة الكحلي الشيك، ماسك إيدي بقوة وثبات..
أول ما المأذون قال جملته الشهيرة: *”بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”*..
المعازيم صقفوا وصوت الزغاريد ملأ المكان.
مصطفى مال عليا، وباس رأسي حنية وود، وقالي في وذني بصوت دافي:
* “مبروك يا مدام مصطفى.. جاهزة نبتدي الحكاية صح؟”
دمعة فرحة هربت من عيني، مسحتها بسرعة وابتسمتله من كل قلبي وقلتله:
* “جاهزة يا حبيبي.. جاهزة أعيش معاك العمر كله وأنا رافعة رأسي بيك قدام الدنيا كلها.”
**تمت**