مراتي استهلكت كل طاقتها ج2
منى السيد
صوت قفلة باب الأسانسير ساب وراه صدى عالي في بير السلم، حسيت معاه لأول مرة من سنين إن الهوا بيدخل صدري صافي ومفيهوش خنقة.
نزلت للشارع والشمس كانت لسه طالعة، زحمة الصبح في الشارع وصوت العربيات والكلاكسات اللي كان بيصدّعني، كان النهاردة كأنه شريط شغال بعيد عني، وأنا ماشية وسط الناس بخطوة تانية خالص، خطوة واحدة تقيلة وواثقة وعارفة رايحة فين.
أول ما ركبت عربيتي ولفيت المفتاح، التليفون بدأ يرن في الشنطة ومبطلش. طلعت التليفون وبصيت للشاشة: “طارق”. رن مرة، اتنين، تلاتة.. سيبته يرن لحد ما سكت لوحده، وبعدها قفلته خالص. مش وقت كلام ولا وقت مسكنات، طارق لسه فاكرها خناقة عادية من بتوع كل سنة، اللي بتبدأ بزعلة وكلمتين عتاب، وتنتهي بإنه يجيب علبة حلويات شرقية ويقولي: “خلاص بقى فكيها، الراجل ومراته مالهمش غير بعض”، وأنا أبلع الإهانة وأطبخ الغدا وأسكت.
وصلت الشركة على الساعة تمانية ونص. دخلت مكتبي، زمايلي في قسم الحسابات بدأوا يرموا التحيات المعتادة، بس الكل لاحظ إن شكلي النهاردة مختلف. زميلتي نادية، اللي قاعدة في المكتب اللي قصادي، رمت نظرة على وشي وقالت: “صباح الفل يا مروة.. إيه النور ده؟ إنتي مروقة ولا إيه؟ وشك منور غير العادة!” ابتسمت ابتسامة هادية وقولت: “صباح الورد يا نادية. الحمد لله، أخدت قرار كان متأجل، والواحد لما بيشيل حمل من على كتافه بيحس إنه خف.”
خلصت الورق العاجل اللي كان على مكتبي، قفلت ميزانيتين كانوا متأخرين، والساعة عشرة بالدقيقة كان التليفون الأرضي بتاع المكتب بيرن، طلبت إذن ساعتين من المدير المالي، ونزلت على ميعادي مع الأستاذ رأفت المهدي.
مكتب الأستاذ رأفت كان في عمارة قديمة في روكسي، يافطة نحاس عريضة، ومكتب مليان كتب قانون ودوسيهات لحد السقف. راجل ستيني، وقور، شعره أبيض ونظارته الطبية على طرف مناخيره، استقبلني بهدوء أول ما قولتله إني من طرف دكتورة نهى أختي.
قعدت قدامه وفتحت الشنطة، طلعت الملف الأزرق، وحطيت الأوراق على المكتب ورتبتها قدامه ورقة ورقة: “أنا مش جاية أشتكي ولا أحكي فضفضة بيوت يا أستاذ رأفت.. أنا جاية في شغل وحق.”
بص في الورق باهتمام، وعدل نظارته: “اتفضلي يا مدام مروة، قوليلي طلباتك إيه بالظبط، والورق ده فيه إيه؟”