حماتي طلبت العشا على حسابي ج٢
منى السيد
الفصل الثالث والأخير
نزلت على السلم ورجلي بتتسابق مع دقات قلبي. كان صوت صريخ حماتي الحاجة آمال لسه بيرن في مدخل العمارة كأنه كابوس مش راضي يخلص، صوت تلطيمها على وشها وخوفها على ابنها اللي ضيع نفسه بإيده. ركبت عربيتي وقفلت الباب بالقفل المركزي، وفضلت قاعدة ورا الدريكسيون لثواني بحاول أتنفس، الهوا كان حامي وخانق كأنه بيمر في حلقي بصعوبة، وإيدي بتترعش على المفتاح لدرجة إن العربية ما دارتش من أول مرة. دورتها وانطلقت، باصة قدامي في المراية على مدخل البيت، شفت حسام طالع يجري على الشارع بقميصه الأبيض اللي اتعفر من ركوعه على الأرض، بيشاور بإيديه الاتنين وعينيه طالعة لبرة من الرعب، كأنه عيل تاه من أمه في مولد ومش لاقي سكة يرجع منها. دوست بنزين وسيبته ورا ضهري، سيبت تسع سنين كاملين من عمري بيتبعتروا مع دخان الشكمان وعفار الشارع.
طول الطريق من إسكندرية للقاهرة على الصحراوي، عقلي كان شغال زي مكنة خياطة عطلانة بتضرب في الفاضي والمليان. افتكرت كل مرة حسام كان يجيلي فيها وشايل طاجن ست الحبايب في إيده، كل مرة كان يقولي فيها: معلش يا بطة، أمي غلبانة وطول عمرها شقيانة على إخواتي، كبري عقلك عشان خاطري. افتكرت لما كنت بشتريلها هدايا عيد الأم طقوم دهب، ولما كنت باخدها معايا أفسحها وأشتريلها عبايات من أغلى المحلات عشان أحسسها إنها زي أمي بالظبط، مكانتش كلمة بتخرج مني تزعلها، وكنت دايماً ببتلع الإهانة لما تقول قدام سلايفي: مرات حسام أصلها وحيدة ملهاش إخوات يكسروا عينها، عشان كده مدلوقة علينا. كنت بعدي وأقول دي ست كبيرة في مقام والدتي، والراجل شاري وبيحبني ومش هخرب على نفسي عشان خاطر حتة كلمة طلعت في ساعة صفا.
وصلت بيت بابا في المعادي على الفجر. لقيت الباب موارب، والأنوار كلها والعة كأننا في عز الضهر، وأستاذ رفيق المحامي قاعد على الصالون المدهب وفاتح اللاب توب والملفات مفروشة قدامه على الترابيزة كلها. بابا أول ما شافني، قام من مكانه بخطواته الرزينة، شعره الأبيض ووقاره اللي طول عمره بيحسسني إني مسنودة على جبل عاتي مبيتهزش. قرب مني وفتح دراعاته من غير ما ينطق ولا كلمة، وأول ما راسي لمست صدره، العياط اللي كنت حابساه طول الطريق انفجر. عيطت بحرقة تسع سنين، عيطت على البنت اللي صدقت إن الحب كافي، واللي كانت فاكرة إن البيت اللي بيتبني على التنازلات ممكن يعيش ويثبت قدام أول ريح.