وصلت للمحطه
عشان كده اختار النهارده.
نادية بصّت للبوكيه.
والورد؟
حسام ابتسم بحزن.
تلاتين وردة.
ليه تلاتين؟
عشان هو فاكر إن أمه بقالها تلاتين سنة مستنياه.
نادية قالت
بس أنا مستنياه سبعة وعشرين.
حسام رد
هو ما يعرفش الحساب الحقيقي.
في اللحظة دي، سمعوا صوت عربية بتقف عند باب المقابر.
نادية لفتت.
شاب نزل منها.
كان ماسك في إيده صورة قديمة.
مشي ناحيتهم ببطء.
حسام بص لنادية.
أنا همشي.
نادية مسكت إيده.
ليه؟
دي لحظتكم.
محمود كمان بدأ يتحرك.
نادية بصّت له.
وإنت؟
قال
هفضل مستني برّه.
لأ.
محمود وقف.
نادية قالت
إنت هتفضل واقف هنا وتسمع.
ليه؟
عشان اللي حصل من سبعة وعشرين سنة بدأ بعيلتنا ولازم نهايته تحصل قدامنا كلنا.
الشاب قرب.
كان وشه متوتر.
بص لحسام.
وبعدين لمحمود.
وبعدين لنادية.
وقال
مدام نادية؟
نادية ما قدرتش ترد.
الشاب مد لها الصورة.
دي صورة الست اللي قالتلي طول عمري إنها أمي.
نادية بصّت للصورة.
كانت الست اللي ربته.
وبعدين الشاب قال
بس أنا عرفت إنها مش أمي.
دموع نادية نزلت من غير ما تحس.
قال
وإنتِ إنتِ أمي؟
نادية قربت منه.
لكنها توقفت قبل ما تلمسه.
وقالت بصوت مرتعش
أنا مش عارفة أقولك إيه.
الشاب ابتسم وهو بيعيط.
قوليلي ياسين.
نادية شهقت.
اسمك ياسين؟
قال
اسمي اللي اتكتب يوم ما اتولدت أيوه.
نادية حطت إيديها على وشها.
أم شايلة وجع سبعة وعشرين سنة.
وحضن ابن كان طول عمره فاكر إن أمه ماتت.
حسام وقف بعيد ودموعه في عينه.
ومحمود كان بيعيط في صمت.
بعد وقت طويل، نادية بعدت عن ياسين، ومسكت وشه بين إيديها.
شبه أبويا.
ياسين ابتسم.
وحسام قالي إن عندي غمازتك.
نادية بصّت لحسام.
وفهمت أخيرًا سبب كل حاجة.
السفرات.
المكالمات.
البدلة.
القطر.
والسر اللي كان مخبيه عنها.
ما كانش بيقابل ست.
كان بيقابل ابنها.
وكان بيحاول يرجع لها الجزء اللي اتسرق من عمرها.
لكن نادية افتكرت حاجة.
بصّت لحسام وقالت
طب ليه ما قلتليش من أربع سنين؟
حسام نزل عينه.
عشان أول ما عرفته عملت تحليل DNA.
والنتيجة؟
طلعت مطابقة.
وبعدها؟
فضلت أتردد.
أربع سنين؟
أيوه.
ليه؟
حسام سكت شوية وقال
لأنك كنتِ كل ما تتكلمي عن ياسين تقولي أنا مش عايزة أعرف الحقيقة لو كان عايش كانوا رجعوهولي.
نادية بصت له.
كنت بخاف أقولك إن اللي رجعتهولك مش ابنك بس ده وجع سبعة وعشرين سنة كامل.
حسام مد لها ظرفًا صغيرًا.
وفي حاجة تانية.
نادية فتحته.
كان فيه إيصال.
اتخضت.
إيه ده؟
ده فلوس كنت بحوشها من أربع سنين.
ليه؟
عشان لو يوم لقيت ابنك أكون مجهز له حاجة.
نادية بصت للرقم.
كان مبلغ كبير.
قال حسام
كنت فاكر إن لو رجعلك، لازم يرجع وهو عنده بيت وشغل وحياة.
ياسين بص لحسام لأول مرة وقال
إنت عملت كل ده عشاني؟
حسام ابتسم.
أنا ما عملتش ده عشانك لوحدك.
وبص لنادية.
عملته عشان أمك.
ياسين قرب من حسام ومد إيده.
حسام صافحه.
لكن ياسين سحبه لحضنه فجأة.
حسام اتفاجئ.
نادية كانت بتبص لهم ودموعها بتنزل.
وبعد لحظات، قالت
طب والورد؟
ياسين ضحك وسط دموعه.
كنت عايز أحطه على قبر الست اللي ربتني.
نادية سكتت.
رغم إنها ما كانتش أمي الحقيقية؟
ياسين رد
هي غلطت لما خبت الحقيقة بس هي اللي ربتني.
وحط بوكيه الورد الأبيض على قبرها.
ثم قال
أنا مش هنسى اللي حصل.
بس مش هكرهها.
نادية بصّت له بإعجاب ممزوج بالألم.
وفي طريق الرجوع، كانت قاعدة جنب ياسين في العربية.
حسام سايق.
ومحمود ساكت في الخلف.
بعد مسافة طويلة، محمود قال
نادية
نادية ما ردتش.
أنا عارف إنك مش هتسامحيني.
نادية بصت من الشباك.
مش النهارده.
سكت محمود.
ثم قالت
بس أنا مش هسمح للسر ده يعيش تاني.
بصت لياسين.
كفاية سبعة وعشرين سنة.
بعد شهور، بدأت نادية وياسين يبنوا علاقة جديدة.
ما حاولتش تعوض سبعة وعشرين سنة في أسبوع.
ولا هو حاول يمثل إنه عاش معاها طول عمره.
اتعرفوا على بعض من جديد.
عرفت أكله المفضل.
عرفت إنه بيكره الملوخية.
عرفت إنه بيحب السفر.
وإنه كل ما يتوتر بيفرك إيده الشمال.
وهو عرف إن أمه بتحب الشاي تقيل.
وإنها بتصحى بدري.
وإنها لما تزعل بتسكت بدل ما تتخانق.
وفي يوم، نادية كانت قاعدة قدام المرآة، وياسين دخل عليها.
قال
ماما؟
نادية لفت له.
كانت أول مرة يناديها كده.
نعم؟
قال
أنا عندي سؤال.
اسأل.
هو ليه حسام فضل جنبك كل السنين دي؟
نادية ابتسمت.
وبصت ناحية الباب، حيث كان حسام واقف بيسمع.
قالت
عشان ساعات الحب الحقيقي مش بيكون في إن الشخص يديك اللي نفسك فيه.
سكتت لحظة.
بيكون في إنه يفضل جنبك وهو شايل عنك وجع إنتِ حتى مش عارفة إنه موجود.
حسام ابتسم.
وياسين قال
يعني بابا؟
نادية ضحكت.
إنت لسه بتجرب الكلمة؟
ياسين ابتسم.
أيوه.
حسام قرب منهم.
وفي اللحظة دي، نادية افتكرت الست وردات اللي اشترتها يومها.
كانت فاكرة إنها اشترتهم عشان تواجه خيانة.
لكنها اكتشفت إنهم كانوا بداية حاجة تانية تمامًا.
ست وردات.
واحدة عن كل خمس سنين ضاعت من عمرها.
وبعدها بأيام، حطت الست وردات في فازة جنب صورة قديمة لياسين وهو طفل.
وقفت قدام الصورة وقالت
كنت فاكرة إني بدفن ابني سبعة وعشرين سنة
ثم ابتسمت وسط دموعها.
طلعت بدفن كذبة وابني كان مستنيني أرجع له.
ومن يومها، ما بقاش يوم وفاة خالتها هو اليوم اللي نادية فقدت فيه جزءًا من عيلتها.
بقى اليوم اللي رجع فيه ابنها.
وبقت كل سنة في نفس اليوم
تشتري ورد أبيض.
لكن المرة دي
ما كانتش بتحطه على قبر.
كانت بتديه لياسين.
لأن بعض الورود لا تُشترى للوداع
بل تُشترى احتفالًا بعودة شخص ظننتَ أنك فقدته إلى الأبد.
متابعة القراءة